<<  <  ج: ص:  >  >>
مسار الصفحة الحالية:

الْمَقَاصِدِ. وَالصِّرُّ - بِالْكَسْرِ - وَالصِّرَّةُ: شِدَّةُ الْبَرْدِ، وَقِيلَ: هُوَ الْبَرْدُ عَامَّةً - حُكِيَتِ الْأَخِيرَةُ عَنْ ثَعْلَبٍ - وَقَالَ (اللَّيْثُ) : الصِّرُّ الْبَرْدُ الَّذِي يَضْرِبُ النَّبَاتَ وَيُحِسُّهُ اهـ. مِنْ لِسَانِ الْعَرَبِ، وَفِي الْكَشَّافِ الصِّرُّ: الرِّيحُ الْبَارِدَةُ نَحْوَ الصَّرْصَرِ قَالَ:

لَا تَعْدِلَنَّ أَتَاوِيِّينَ تَضْرِبُهُمْ ... نَكْبَاءُ صِرٌّ بِأَصْحَابِ الْمُحِلَّاتِ

كَمَا قَالَتْ لَيْلَى الْأَخْيَلِيَّةِ:

وَلَمْ تَغْلِبِ الْخَصْمَ الْأَلَدَّ وَتَمْلَأِ الْـ ... جِفَانَ سَدِيفًا يَوْمَ نَكْبَاءَ صَرْصَرِ

ثُمَّ قَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: فَإِنْ قُلْتَ: فَمَا مَعْنَى قَوْلِهِ: كَمَثَلِ رِيحٍ فِيهَا صِرٌّ قُلْتُ: فِيهِ أَوْجُهٌ. (أَحَدُهَا) : أَنَّ الصِّرَّ فِي صِفَةِ الرِّيحِ بِمَعْنَى الْبَارِدَةِ فَوَصَفَ بِهَا الْقُرَّةَ بِمَعْنَى " فِيهَا قُرَّةُ صِرٍّ " كَمَا تَقُولُ " بَرْدٌ بَارِدٍ " عَلَى الْمُبَالَغَةِ. (وَالثَّانِي) : أَنْ يَكُونَ الصِّرُّ مَصْدَرًا فِي الْأَصْلِ بِمَعْنَى الْبَرْدِ فَجِيءَ بِهِ عَلَى أَصْلِهِ (وَالثَّالِثُ) : أَنْ يَكُونَ مِنْ قَوْلِهِ - تَعَالَى -: لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ [33: 21] وَمِنْ قَوْلِكَ: إِنْ ضَيَّعَنِي فُلَانٌ فَفِي اللهِ كَافٍ وَكَافِلٌ. قَالَ: وَفِي الرَّحْمَنِ لِلضُّعَفَاءِ كَافِي اهـ. وَنَقَلَ اللِّسَانُ عَنِ ابْنِ الْأَنْبَارِيِّ الْآيَةَ فِي ثَلَاثَةِ أَقْوَالٍ أَحَدُهَا فِيهَا صِرٌّ أَيْ بَرْدٌ، وَالثَّانِي فِيهَا تَصْوِيتٌ وَحَرَكَةٌ. وَنُقِلَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَوْلٌ آخَرُ: فِيهَا صِرٌّ قَالَ: فِيهَا نَارٌ اهـ. يَعْنِي حَرًّا شَدِيدًا، وَهُوَ أَحَدُ قَوْلَيْنِ عَنْهُ. وَمِنْ هُنَا أَخَذَ الْجَلَالُ قَوْلَهُ فِي تَفْسِيرِ الصِّرِّ: حَرٌّ وَبَرْدٌ، وَأَنْكَرَ عَلَيْهِ الْأُسْتَاذُ الْإِمَامُ كَلِمَةَ الْحَرِّ، وَقَالَ: إِنَّهُ لَا يَهْلِكُ الْحَرْثُ بِمُجَرَّدِ إِصَابَتِهِ وَإِنَّمَا يُهْلِكُهُ الْبَرْدُ فَهُوَ الْمُرَادُ حَتْمًا. أَقُولُ: وَقَدِ اخْتُلِفَ فِي مَعْنَى أَصْلِ مَادَّةِ الصِّرِّ هَلْ هُوَ الصَّوْتُ أَوِ الشِّدَّةُ؟ وَالصَّوَابُ أَنَّهُ الشِّدَّةُ تَكُونُ فِي الصَّوْتِ وَمِنْهُ فَأَقْبَلَتِ امْرَأَتُهُ فِي صَرَّةٍ [51: 29] كَمَا تَكُونُ فِي الْبَرْدِ، فَالصِّرُّ هُنَا هُوَ الْبَرْدُ الشَّدِيدُ حَتْمًا، وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ عَبَّاسٍ الَّذِي رَوَاهُ عَنْهُ وَعَنْ غَيْرِهِ ابْنُ جَرِيرٍ، وَلَعَلَّهُمْ أَخَذُوا قَوْلَهُمْ فِيهَا نَارٌ مِنْ إِحْرَاقِ الزَّرْعِ.

أَمَّا الْمَعْنَى فَقَدْ قَالَ الْأُسْتَاذُ الْإِمَامُ: إِنَّ الرِّيحَ الْمُهْلِكَةَ مِثَالٌ لِلْمَالِ الَّذِي يُنْفِقُونَهُ

فِي لَذَّاتِهِمْ وَجَاهِهِمْ وَنَشْرِ سُمْعَتِهِمْ وَتَأْيِيدِ كَلِمَتِهِمْ فَيَصُدُّهُمْ عَنْ سَبِيلِ اللهِ، وَإِنَّ الْعُقُولَ وَالْأَخْلَاقَ الْحَسَنَةَ الَّتِي هِيَ أَصْلُ جَمِيعِ الْمَنَافِعِ هِيَ مِثَالُ الْحَرْثِ، أَيْ إِنَّ الْمَالَ الَّذِي يُنْفِقُونَهُ فِيمَا ذُكِرَ هُوَ الَّذِي أَفْسَدَ أَخْلَاقَهُمْ وَأَهْلَكَ عُقُولَهُمْ بِمَا صَرَفَهَا عَنِ النَّظَرِ الصَّحِيحِ وَلَفَتَهَا عَنِ التَّفَكُّرِ فِي عَوَاقِبِ الْأُمُورِ، ثُمَّ أَشَارَ إِلَى مَا قَالُوهُ فِي جَعْلِ التَّشْبِيهِ فِي الْمَثَلِ مُرَكَّبًا وَهُوَ أَنَّ حَالَهُمْ فِيمَا يُنْفِقُونَهُ وَإِنْ كَانَ فِي الْخَيْرِ كَحَالِ الرِّيحِ ذَاتِ الصِّرِّ الْمُهْلِكَةِ لِلزَّرْعِ، فَهُمْ لَا يَسْتَفِيدُونَ مِنْ نَفَقَتِهِمْ شَيْئًا. وَمِنَ الْمُفَسِّرِينَ مَنْ جَعَلَ هَذَا فِيمَا يُنْفِقُونَهُ فِي عَدَاوَةِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَمُقَاوَمَةِ دَعْوَتِهِ سَوَاءٌ كَانَ الْمُنْفِقُونَ هُمُ الْيَهُودُ أَوْ أَهْلُ مَكَّةَ، وَمِنْهُمْ مَنْ جَعَلَ ذَلِكَ فِيمَا يُنْفِقُ

<<  <  ج: ص:  >  >>