<<  <  ج: ص:  >  >>
مسار الصفحة الحالية:

مِنَ الْمَعْصِيَةِ، وَهُوَ تَأْمُلُ أَحْوَالِ الْقُرُونِ الْخَالِيَةِ مِنَ الْمُطِيعِينَ وَالْعَاصِينَ " وَإِنَّمَا هَذَا الَّذِي قَالَهُ بَيَانٌ لِاتِّصَالِ الْآيَةِ الْأُولَى مِنْ هَذِهِ الْآيَاتِ بِمَا قَبْلَهَا مُبَاشَرَةً مَعَ صَرْفِ النَّظَرِ عَنِ السِّيَاقِ وَالِاتِّصَالِ بَيْنَ مَجْمُوعِ الْآيَاتِ السَّابِقَةِ وَاللَّاحِقَةِ.

ذَكَرَ فِي الْآيَاتِ السَّابِقَةِ خَبَرَ وَقْعَةِ " أُحُدٍ " وَأَهَمَّ مَا وَقَعَ فِيهَا مَعَ التَّذْكِيرِ بِوَقْعَةِ " بَدْرٍ " وَمَا بَشَّرُوا بِهِ فِي ذَلِكَ. وَفِي هَذِهِ الْآيَاتِ وَمَا بَعْدَهَا يَذْكُرُ السُّنَنَ وَالْحِكَمَ فِي ذَلِكَ. وَيُعَلِّمُ الْمُؤْمِنِينَ مِنْ عِلْمِ الِاجْتِمَاعِ مَا لَمْ يَكُونُوا يَعْلَمُونَ ; وَلِذَلِكَ افْتَتَحَهَا بِقَوْلِهِ الْحَكِيمِ: قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ سُنَنٌ.

قَالَ الْأُسْتَاذُ الْإِمَامُ: إِنَّ بَعْضَ الْمُفَسِّرِينَ يَجْعَلُ الْآيَتَيْنِ الْأُولَيَيْنِ مِنْ هَذِهِ الْآيَاتِ تَمْهِيدًا لِمَا بَعْدَهَا مِنَ النَّهْيِ عَنِ الْوَهَنِ وَالْحَزَنِ وَمَا يَتْبَعُ ذَلِكَ، وَعَلَى هَذَا جَرَى (الْجَلَالُ) كَأَنَّهُ يَقُولُ: إِنَّ هَذَا الَّذِي وَقَعَ لَا يَصِحُّ أَنْ يُضْعِفَ عَزَائِمَكُمْ فَإِنَّ السُّنَنَ الَّتِي قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ تُبَيِّنُ لَكُمْ كَيْفَ كَانَتْ مُصَارَعَةُ الْحَقِّ لِلْبَاطِلِ، وَكَيْفَ ابْتُلِيَ أَهْلُ الْحَقِّ أَحْيَانًا بِالْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَالِانْكِسَارِ فِي الْحَرْبِ ثُمَّ كَانَتِ الْعَاقِبَةُ لَهُمْ، فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَتْ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ لِلرُّسُلِ الْمُقَاوِمِينَ لَهُمْ، فَإِنَّهُمْ كَانُوا هُمُ الْمَخْذُولِينَ الْمَغْلُوبِينَ، وَكَانَ جُنْدُ اللهِ هُمُ الْمَنْصُورِينَ الْغَالِبِينَ، وَإِذَا كَانَ الْأَمْرُ كَذَلِكَ فَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا لِمَا أَصَابَكُمْ فِي أُحُدٍ.

ثُمَّ قَالَ مَا مِثَالُهُ مَعَ إِيضَاحٍ وَزِيَادَةٍ: هَذَا رَأْيٌ ضَعِيفٌ فَإِنَّ ذِكْرَ السُّنَنِ بَعْدَ آيَاتٍ مُتَعَدِّدَةٍ فِي مَوْضُوعَاتٍ مُخْتَلِفَةٍ تُفِيدُ مَعَانِيَ كَثِيرَةً، فَإِنَّ اللهَ - تَعَالَى - نَهَى الْمُؤْمِنِينَ عَنِ اتِّخَاذِ بِطَانَةٍ مِنَ الْأَعْدَاءِ الَّذِينَ بَدَتْ لَهُمْ بُغَضَاؤُهُمْ، وَبَيَّنَ هُوَ لَهُمْ مَجَامِعَ خُبْثِهِمْ وَكَيْدِهِمْ، ثُمَّ ذَكَّرَ النَّبِيَّ وَالْمُؤْمِنِينَ بِوَقْعَةِ " أُحُدٍ " وَمَا كَانَ فِيهَا بِالْإِجْمَالِ، وَذَكَّرَهُمْ

بِنَصْرِهِ لَهُمْ بِبَدْرٍ، ثُمَّ ذَكَرَ الْمُتَّقِينَ وَأَوْصَافَهُمْ وَمَا وُعِدُوا بِهِ، ثُمَّ ذَكَرَ بَعْدَ ذَلِكَ كُلِّهِ مُضِيَّ السُّنَنِ فِي الْأُمَمِ وَأَنَّهُ بَيَانٌ لِلنَّاسِ وَهُدًى وَمَوْعِظَةٌ لِلْمُتَّقِينَ، فَذِكْرُ السُّنَنِ بَعْدَ ذَلِكَ كُلِّهِ يُفِيدُ مَعَانِيَ كَثِيرَةً تَحْتَاجُ إِلَى شَرْحٍ طَوِيلٍ جِدًّا لَا مَعْنًى وَاحِدًا كَمَا قِيلَ. وَإِنَّ فِي الْقُرْآنِ مِنْ إِفَادَةِ الْمَبَانِي الْقَلِيلَةِ لِلْمَعَانِي الْكَثِيرَةِ بِمَعُونَةِ السِّيَاقِ وَالْأُسْلُوبِ مَا لَا يَخْطُرُ فِي بَالِ أَحَدٍ مِنْ كُتَّابِ الْبَشَرِ وَعُلَمَائِهِمْ، وَمِثْلُ هَذَا مِمَّا تَجِبُ الْعِنَايَةُ بِبَيَانِهِ، يَقُولُ الشَّيْخُ عَبْدُ الْقَاهِرِ فِي دَلَائِلِ الْإِعْجَازِ: إِنَّ كَوْنَ الْقُرْآنِ مُعْجِزًا بِبَلَاغَتِهِ يُوجِبُ عَلَيْنَا أَنْ نَجْعَلَ أُسْلُوبَهُ الَّذِي كَانَ مُعْجِزًا بِهِ فَنًّا لِيَبْقَى دَالًّا عَلَى وَجْهِ إِعْجَازِهِ. وَكَذَلِكَ أَقُولُ: إِنَّ إِرْشَادَ اللهِ إِيَّانَا إِلَى أَنَّ لَهُ فِي خَلْقِهِ سُنَنًا يُوجِبُ عَلَيْنَا أَنْ نَجْعَلَ هَذِهِ السُّنَنَ عِلْمًا مِنَ الْعُلُومِ الْمُدَوَّنَةِ لِنَسْتَدِيمَ مَا فِيهَا مِنَ الْهِدَايَةِ وَالْمَوْعِظَةِ عَلَى أَكْمَلِ وَجْهٍ، فَيَجِبُ عَلَى الْأُمَّةِ فِي مَجْمُوعِهَا أَنْ يَكُونَ فِيهَا قَوْمٌ يُبَيِّنُونَ لَهَا سُنَنَ اللهِ فِي خَلْقِهِ كَمَا فَعَلُوا فِي غَيْرِ هَذَا الْعِلْمِ مِنَ الْعُلُومِ وَالْفُنُونِ الَّتِي أَرْشَدَ إِلَيْهَا الْقُرْآنُ بِالْإِجْمَالِ وَقَدْ بَيَّنَهَا الْعُلَمَاءُ بِالتَّفْصِيلِ عَمَلًا بِإِرْشَادِهِ، كَالتَّوْحِيدِ وَالْأُصُولِ وَالْفِقْهِ. وَالْعِلْمُ بِسُنَنِ اللهِ - تَعَالَى - مِنْ أَهَمِّ الْعُلُومِ وَأَنْفَعِهَا، وَالْقُرْآنُ سَجَّلَ

<<  <  ج: ص:  >  >>