<<  <  ج: ص:  >  >>
مسار الصفحة الحالية:

وَزِلْزَالٌ فِي الْأَخْلَاقِ لَا يُوثَقُ بِمَنِ اعْتَادَهُ فِي قَوْلٍ وَلَا عَمَلٍ، فَإِذَا كَانَ نَاقِضَ الْعَزِيمَةِ رَئِيسُ حُكُومَةٍ أَوْ قَائِدُ جَيْشٍ كَانَ ظُهُورُ نَقْضِ الْعَزِيمَةِ مِنْهُ نَاقِضًا لِلثِّقَةِ بِحُكُومَتِهِ وَبِجَيْشِهِ، وَلَا سِيَّمَا إِذَا كَانَ بَعْدَ الشُّرُوعِ فِي الْعَمَلِ ; وَلِذَلِكَ لَمْ يُصْغِ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إِلَى قَوْلِ الَّذِينَ أَشَارُوا عَلَيْهِ بِالْخُرُوجِ إِلَى أُحُدٍ حِينَ أَرَادُوا الرُّجُوعَ عَنْ رَأْيِهِمْ خَشْيَةَ أَنْ يَكُونُوا قَدِ اسْتَكْرَهُوهُ عَلَى الْخُرُوجِ - وَكَانَ قَدْ لَبِسَ لَأْمَتَهُ وَخَرَجَ - وَذَلِكَ شُرُوعٌ فِي الْعَمَلِ بَعْدَ أَنْ أَخَذَتِ الشُّورَى حَقَّهَا - كَمَا تَقَدَّمَ تَفْصِيلُهُ - فَعَلَّمَهُمْ بِذَلِكَ أَنَّ لِكُلِّ عَمَلٍ وَقْتًا وَأَنَّ وَقْتَ الْمُشَاوَرَةِ مَتَى انْتَهَى جَاءَ دَوْرُ الْعَمَلِ، وَأَنَّ الرَّئِيسَ إِذَا شَرَعَ فِي الْعَمَلِ تَنْفِيذًا لِلشُّورَى لَا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَنْقُضَ عَزِيمَتَهُ وَيُبْطِلَ عَمَلَهُ، وَإِنْ كَانَ يَرَى أَنَّ أَهْلَ الشُّورَى أَخْطَئُوا الرَّأْيَ - كَمَا كَانَ يَرَى - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي مَسْأَلَةِ الْخُرُوجِ إِلَى أُحُدٍ كَمَا تَقَدَّمَ - وَيُمْكِنُ إِرْجَاعُ ذَلِكَ إِلَى قَاعِدَةِ ارْتِكَابِ أَخَفِّ الضَّرَرَيْنِ، وَأَيُّ ضَرَرٍ أَشُدُّ مَنْ فَسْخِ الْعَزِيمَةِ وَمَا فِيهِ مِنَ الضَّعْفِ وَالْفَشَلِ وَإِبْطَالِ الثِّقَةِ؟

وَإِنَّنَا نَرَى أَهْلَ السِّيَاسَةِ وَالْحَرْبِ يَجْرُونَ عَلَى هَذِهِ الْقَاعِدَةِ فِي هَذَا الْعَصْرِ، وَمِنَ الْوَقَائِعِ الَّتِي تُوجِبُ الْعِبْرَةَ فِي ذَلِكَ أَنَّ الْأُسْتَاذَ الْإِمَامَ لَمَّا كَانَ فِي لُنْدُرَةَ عَاصِمَةِ انْكِلْتِرَا سَنَةَ 1301هـ.

ذَاكَرَهُ وُزَرَاءُ الْإِنْكِلِيزِ فِي أُمُورِ مِصْرَ وَالسُّودَانِ الْتِمَاسَ خِدْمَتِهِ لِبِلَادِهِ وَقَدْ سَأَلَهُ يَوْمَئِذٍ رَئِيسُ الْوُزَرَاءِ أَوْ غَيْرُهُ مِنْهُمْ (الشَّكُ مِنِّي) عَنْ رَأْيِهِ فِي حَمْلَةِ هكس بَاشَا الَّتِي أَرْسَلُوهَا لِمُحَارَبَةِ مَهْدِيِّ السُّودَانِ الَّذِي ظَهَرَ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ فَبَيَّنَ لَهُ بَعْدَ مُرَاجَعَةٍ طَوِيلَةٍ أَنَّ هَذِهِ الْحَمْلَةَ لَا تَنْجَحُ بَلْ يَقْضِي عَلَيْهَا السُّودَانِيُّونَ. ثُمَّ عَادَ الْأُسْتَاذُ مِنْ أُورُبَّا إِلَى بَيْرُوتَ، وَبَعْدَ عَوْدَتِهِ جَاءَتِ الْأَخْبَارُ بِقَتْلِ هكس بَاشَا وَتَنْكِيلِ السُّودَانِيِّينَ بِحَمْلَتِهِ، فَبَعَثَ الْأُسْتَاذُ الْإِمَامُ بِرِسَالَةٍ " بَرْقِيَّةٍ " إِلَى الْوَزِيرِ الْإِنْكِلِيزِيِّ يُذَكِّرُهُ فِيهَا بِرَأْيِهِ وَكَيْفَ صَدَقَ. فَجَاءَهُ الْجَوَابُ فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ مِنَ الْوَزِيرِ وَمَعْنَاهُ: قَدْ عَلِمْنَا أَنَّ مَا قُلْتَهُ لَنَا مَعْقُولٌ وَجِيهٌ وَلَكِنَّ السِّيَاسَةَ مَتَى قَرَّرَتْ شَيْئًا وَشَرَعَتْ فِيهِ وَجَبَ إِمْضَاؤُهُ وَامْتَنَعَ نَقْضُهُ وَالرُّجُوعُ عَنْهُ وَإِنْ كَانَ خَطَأً.

إِنْ يَنْصُرْكُمُ اللهُ فَلَا غَالِبَ لَكُمْ الْكَلَامُ اسْتِئْنَافٌ مَسُوقٌ لِبَيَانِ وَجْهِ وُجُوبِ التَّوَكُّلِ عَلَى اللهِ - تَعَالَى - بَعْدَ الْمُشَاوَرَةِ وَالْعَزِيمَةِ الْمَبْنِيَّةِ عَلَى أَخْذِ الْأُهْبَةِ وَالِاسْتِعْدَادِ بِمَا يُسْتَطَاعُ مِنْ حَوْلٍ وَقُوَّةٍ، أَيْ إِنْ يَنْصُرْكُمُ اللهُ بِالْعَمَلِ بِسُنَنِهِ وَمَا يَكُونُ لَكُمْ مِنَ الْقُوَّةِ وَالثَّبَاتِ بِالِاتِّكَالِ عَلَى تَوْفِيقِهِ وَمَعُونَتِهِ، فَلَا غَالِبَ لَكُمْ مِنَ النَّاسِ الَّذِينَ نَصَبَهُمْ حِرْمَانُهُمْ مِنَ التَّوَكُّلِ عَلَيْهِ - تَعَالَى - غَرَضًا لِلْقُنُوطِ وَالْيَأْسِ وَإِنْ يَخْذُلْكُمْ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ مِنَ الْفَشَلِ وَعِصْيَانِ الْقَائِدِ فِيمَا حَتَّمَهُ مِنْ عَمَلٍ - كَمَا جَرَى لَكُمْ فِي أُحُدٍ - أَوْ بِالْإِعْجَابِ بِالْكَثْرَةِ، وَالِاعْتِمَادِ عَلَى الِاسْتِعْدَادِ وَالْقُوَّةِ، وَهُوَ مُخِلٌّ بِالتَّوَكُّلِ - كَمَا جَرَى يَوْمَ حُنَيْنٍ - فَمَنْ ذَا الَّذِي يَنْصُرُكُمْ مِنْ بَعْدِهِ أَيْ مِنْ بَعْدِ خِذْلَانِهِ ; أَيْ لَا أَحَدَ يَمْلِكُ لَكُمْ حِينَئِذٍ نَصْرًا، وَلَا أَنْ يَدْفَعَ عَنْكُمْ ضُرًّا

<<  <  ج: ص:  >  >>