<<  <  ج: ص:  >  >>
مسار الصفحة الحالية:

الْيَوْمَ فَلَا يَحْتَاجُ إِلَى دِقَّةِ نَظَرٍ، وَلَفْظُ الْكِتَابَةِ آكَدُ مِنْ لَفْظِ الْحِفْظِ لِمَا فِيهِ مِنْ مَعْنَى الِاسْتِتْبَابِ، وَأَمْنِ النِّسْيَانِ. وَإِنَّمَا ضَمَّ قَتْلَ الْأَنْبِيَاءِ - وَهُوَ أَفْظَعُ جَرَائِمِ هَذَا الشَّعْبِ - إِلَى الْجَرِيمَةِ الَّتِي سَبَقَ الْوَعِيدُ لِأَجْلِهَا لِبَيَانِ أَنَّ مِثْلَ هَذَا الْكُفْرِ، وَالتَّهَوُّرِ لَيْسَ بِدَعًا مِنْ أَمْرِهِمْ، فَإِنَّهُ سَبَقَ لَهُمْ أَنْ قَتَلُوا الْهُدَاةَ الْمُرْشِدِينَ بَعْدَ مَا جَاءُوهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ، فَهُمْ يَجْرُونَ فِي هَذَا عَلَى عِرْقٍ وَلَيْسَ هُوَ بِأَوَّلِ كَبَائِرِهِمْ، وَلِلْإِيذَانِ بِأَنَّ الْجَرِيمَتَيْنِ سِيَّانِ فِي الْعِظَمِ، وَاسْتِحْقَاقِ الْعِقَابِ (كَمَا قَالَ صَاحِبُ الْكَشَّافِ) .

وَأَمَّا إِضَافَةُ الْقَتْلِ إِلَى الْحَاضِرِينَ فَقَدْ تَقَدَّمَتْ حِكْمَتُهُ فِي سُورَةِ الْبَقَرَةِ، وَيُشِيرُ إِلَيْهِ قَوْلُ الْمُفَسِّرِينَ: إِنَّهُمْ يُعَدُّونَ قَتَلَةً لِرِضَاهُمْ بِمَا فَعَلَهُ سَلَفُهُمْ، وَهَذَا تَحْوِيمٌ حَوْلَ الْمَعْنَى الَّذِي أَوْضَحْنَاهُ هُنَاكَ، وَهُوَ أَنَّ الْأُمَمَ مُتَكَافِلَةٌ فِي الْأُمُورِ الْعَامَّةِ إِذْ يَجِبُ عَلَى الْأُمَّةِ الْإِنْكَارُ عَلَى فَاعِلِ الْمُنْكَرِ مِنْ أَفْرَادِهَا، وَتَغْيِيرُهُ، أَوِ النَّهْيُ عَنْهُ لِئَلَّا يَفْشُوَ فِيهَا، فَيَصِيرَ خُلُقًا مِنْ أَخْلَاقِهَا، أَوْ عَادَةً مِنْ عَادَاتِهَا، فَتَسْتَحِقَّ عُقُوبَتَهُ فِي الدُّنْيَا كَالضَّعْفِ، وَالْفَقْرِ، وَفَقْدِ الِاسْتِقْلَالِ، كَمَا تَسْتَحِقُّ عُقُوبَتَهُ فِي الْآخِرَةِ بِمَا دَنَّسَ نُفُوسَهَا ; وَلِذَلِكَ لَعَنَ اللهُ - تَعَالَى - الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ، وَبَيَّنَ سَبَبَ

ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: كَانُوا لَا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ [5: 79] .

ذَلِكَ بِأَنَّ مَنْ أَقَرَّ فَاعِلَ الْمُنْكَرِ فَلَمْ يَنْهَهُ وَلَمْ يَسْخَطْ عَلَيْهِ تَكُونُ نَفْسُهُ مُشَاكِلَةً لِنَفْسِهِ، تَأْنَسُ بِمَا تَأْنَسُ بِهِ، ثُمَّ لَا يَلْبَثُ أَنْ يَفْعَلَ الْمُنْكَرَ، وَلَوْ بَعْدَ حِينٍ مَا لَمْ يَكُنْ عَاجِزًا عَنْ ذَلِكَ بِسَبَبٍ مِنَ الْأَسْبَابِ الْحِسِّيَّةِ، كَضَعْفِ الْجِسْمِ، أَوْ قِلَّةِ الْمَالِ، أَيْ إِنَّ مِثْلَ هَذَا لَا يَتْرُكُ الْمُنْكَرَ لِأَنَّهُ رَذِيلَةٌ تُدَنِّسُ نَفْسَ فَاعِلِهَا، فَيَكُونُ بَعِيدًا مِنَ الْخَيْرِ غَيْرَ مُسْتَحِقٍّ لِرِضْوَانِ اللهِ - عَزَّ وَجَلَّ -. قَالَ الْأُسْتَاذُ الْإِمَامُ: وَثَمَّ وَجْهٌ آخَرُ يَجْعَلُ إِسْنَادَ الْمُنْكَرِ إِلَى مُقِرِّهِ، وَالرَّاضِي بِهِ إِسْنَادًا قَرِيبًا مِنَ الْحَقِيقَةِ، وَهُوَ أَنَّ عَدَمَ النَّهْيِ عَنِ الْمُنْكَرِ هُوَ السَّبَبُ فِي انْتِشَارِهِ وَشُيُوعِهِ ; لِأَنَّ الْمَيَّالِينَ إِلَى الْمُنْكَرِ لَوْ عَلِمُوا أَنَّ النَّاسَ يَمْقُتُونَهُمْ، وَيُؤَاخِذُونَهُمْ عَلَيْهِ لَمَا فَعَلُوهُ إِلَّا مَا يَكُونُ مِنَ الْخِلَسِ الْخَفِيَّةِ، وَلِذَلِكَ كَانَ السَّاكِتُ عَلَى الْمُنْكَرِ شَرِيكَ الْفَاعِلِ فِي الْإِثْمِ، قَالَ: كُلُّ هَذَا ظَاهِرٌ فِيمَنْ يُفْعَلُ الْمُنْكَرُ فِي زَمَنِهِ، وَلَا يُنْكِرُهُ، وَأَمَّا مَنْ يَقَعُ الْمُنْكَرُ مِنْ قَوْمِهِمْ قَبْلَ زَمَنِهِمْ كَالْيَهُودِ الَّذِينَ نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ وَأَمْثَالُهَا فِيهِمْ كَقَوْلِهِ: فَلِمَ قَتَلْتُمُوهُمْ؟ فَهُمْ يَتَّفِقُونَ مَعَ مَنْ سَبَقَهُمْ فِي عِلَّةِ الْجَرِيمَةِ، وَمَبْعَثِهَا مِنَ النَّفْسِ، وَهُوَ عَدَمُ الْمُبَالَاةِ بِالدِّينِ، وَقَدْ كَانَ هَذَا الْخَلَفُ مُتَّفِقِينَ مَعَ مَنْ سَبَقَهُمْ فِي الْأَخْلَاقِ، وَالسَّجَايَا، وَيَنْتَسِبُونَ إِلَيْهِمُ انْتِسَابَ حَسَبٍ وَتَشَرُّفٍ، أَيْ فَهُمْ جَدِيرُونَ بِأَنْ يَكُونُوا عَلَى شَاكِلَتِهِمْ.

وَأَقُولُ: إِنَّ الْمُتَأَخِّرَ رُبَّمَا كَانَ أَضْرَى بِالشَّرِّ مِنَ الْمُتَقَدِّمِ لِتَمَكُّنِ دَاعِيَةِ الشَّرِّ مِنْ نَفْسِهِ بِالْوِرَاثَةِ وَالْقُدْوَةِ جَمِيعًا. وَقَدْ حَاوَلَ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنَ الْيَهُودِ قَتْلَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَمَا كَانَ

<<  <  ج: ص:  >  >>