للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>
مسار الصفحة الحالية:

فِي كُلِّ شَيْءٍ فَيَكُونُ فِي عَيْنِ نَاظِرِهِ جَمِيلًا، وَفِي كُلِّ صَوْتٍ فَيَكُونُ فِي سَمْعِ سَامِعِهِ مُطْرِبًا، فَلِسَانُ حَالِ الذَّاكِرِ يُنْشِدُ فِي هَذَا التَّجَلِّي قَوْلَ الشَّاعِرِ الذَّاكِرِ:

مِنْ كُلِّ مَعْنًى لَطِيفٍ أَجْتَلِي قَدَحًا ... وَكُلُّ حَادِثَةٍ فِي الْكَوْنِ تُطْرِبُنِي

فَإِذَا تَحَوَّلَ التَّجَلِّي عَنْ جَمَالِ الْأَكْوَانِ، وَتَفَكُّرِ الذَّاكِرِ فِي تَقْصِيرِهِ مِنْ حَيْثُ هُوَ إِنْسَانٌ عَنْ شُكْرِ الْمُنْعِمِ عَلَيْهِ بِكُلِّ شَيْءٍ يَتَمَتَّعُ بِهِ، وَعَنِ الْقِيَامِ بِمَا يَصِلُ إِلَيْهِ اسْتِعْدَادُهُ مِنْ مَعْرِفَتِهِ اسْتَوْلَى عَلَيْهِ سُلْطَانُ الْجَلَالِ فَتَعْلُو هِمَّتُهُ فِي طَلَبِ الْكَمَالِ فَيَنْطَلِقُ

لِسَانُهُ بِالدُّعَاءِ، وَالثَّنَاءِ، وَقَلْبُهُ بَيْنَ الْخَوْفِ وَالرَّجَاءِ

رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ أَيْ يَقُولُ الَّذِينَ يَجْمَعُونَ بَيْنَ التَّذَكُّرِ وَالتَّفَكُّرِ، مُعَبِّرِينَ عَنْ نَتِيجَةِ جَمْعِ الْأَمْرَيْنِ، وَالتَّأْلِيفِ بَيْنَ الْمُقَدِّمَتَيْنِ: رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا الَّذِي نَرَاهُ مِنَ الْعَوَالِمِ السَّمَاوِيَّةِ، وَالْأَرْضِيَّةِ بَاطِلًا، وَلَا أَبْدَعْتَهُ، وَأَتْقَنْتَهُ عَبَثًا، سُبْحَانَكَ وَتَنْزِيهًا لَكَ عَنَ الْبَاطِلِ، وَالْعَبَثِ بَلْ كُلُّ خَلْقِكَ حَقٌّ مُؤَيَّدٌ بِالْحُكْمِ، فَهُوَ لَا يَبْطُلُ وَلَا يَزُولُ، وَإِنْ عَرَضَ لَهُ التَّحَوُّلُ وَالتَّحْلِيلُ وَالْأُفُولُ، وَنَحْنُ بَعْضُ خَلْقِكَ لَمْ نُخْلَقْ عَبَثًا، وَلَا يَكُونُ وُجُودُنَا مِنْ كُلِّ وَجْهٍ بَاطِلًا، فَإِنْ فَنِيَتْ أَجْسَادُنَا، وَتَفَرَّقَتْ أَجَزَاؤُنَا بَعْدَ مُفَارَقَةِ أَرْوَاحِنَا لِأَبْدَانِنَا، فَإِنَّمَا يَهْلَكُ مِنَّا كَوْنُنَا الْفَاسِدُ، وَوَجْهُنَا الْمُمْكِنُ الْحَادِثُ، وَيَبْقَى وَجْهُكَ الْكَرِيمُ، وَمُتَعَلِّقُ عِلْمِكَ الْقَدِيمِ.

يَعُودُ بِقُدْرَتِكَ فِي نَشْأَةٍ أُخْرَى، كَمَا بَدَأْتَهُ فِي النَّشْأَةِ الْأُولَى، فَرِيقٌ ثَبَتَتْ لَهُمُ الْهِدَايَةُ، وَفَرِيقٌ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَةُ الضَّلَالَةِ، فَأُولَئِكَ فِي الْجَنَّةِ بِعِلْمِهِمْ، وَفَضْلِكَ، وَهَؤُلَاءِ فِي النَّارِ بِعِلْمِهِمْ وَعَدْلِكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ بِعِنَايَتِكَ وَتَوْفِيقِكَ لَنَا وَاجْعَلْنَا مَعَ الْأَبْرَارِ بِهِدَايَتِكَ إِيَّانَا وَرَحْمَتِكَ بِنَا.

قَالَ الْأُسْتَاذُ الْإِمَامُ فِي تَفْسِيرِ: رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا إلخ: هَذَهِ حِكَايَةٌ لِقَوْلِ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ يَجْمَعُونَ بَيْنَ تَفَكُّرِهِمْ وَذِكْرِ اللهِ - عَزَّ وَجَلَّ - وَيَسْتَنْبِطُونَ مِنَ اقْتِرَانِهِمَا الدَّلَائِلَ عَلَى حِكْمَةِ اللهِ، وَإِحَاطَةِ عِلْمِهِ - سُبْحَانَهُ - بِدَقَائِقِ الْأَكْوَانِ الَّتِي تَرْبُطُ الْإِنْسَانَ بِرَبِّهِ حَقَّ الرَّبْطِ. وَقَدِ اكْتَفَى بِحِكَايَةِ مُنَاجَاتِهِمْ لِرَبِّهِمْ عَنْ بَيَانِ نَتَائِجِ ذِكْرِهِمْ، وَفِكْرِهِمْ، فَطَيُّ هَذِهِ، وَذِكْرُ تِلْكَ مِنْ إِيجَازِ الْقُرْآنِ الْبَدِيعِ، وَفِيهِ تَعْلِيمُ الْمُؤْمِنِينَ كَيْفَ يُخَاطِبُونَ اللهَ - تَعَالَى - عِنْدَمَا يَهْتَدُونَ إِلَى شَيْءٍ مِنْ مَعَانِي إِحْسَانِهِ وَكَرَمِهِ، وَبَدَائِعِ خَلْقِهِ، كَأَنَّهُ يَقُولُ: هَذَا هُوَ شَأْنُ الْمُؤْمِنِ الذَّاكِرِ الْمُتَفَكِّرِ، يَتَوَجَّهُ إِلَى اللهِ فِي هَذِهِ الْأَحْوَالِ بِمِثْلِ هَذَا الثَّنَاءِ وَالدُّعَاءِ وَالِابْتِهَالِ، وَكَوْنُ هَذَا ضَرْبًا مِنْ ضُرُوبِ التَّعْلِيمِ، وَالْإِرْشَادِ لَا يَمْنَعُ أَنَّ بَعْضَ الْمُؤْمِنِينَ قَدْ نَظَرُوا، وَذَكَرُوا، وَفَكَّرُوا، ثُمَّ قَالُوا هَذَا أَوْ مَا يُؤَدِّي مَعْنَاهُ، فَذَكَرَ اللهُ حَالَهُمْ، وَابْتِهَالَهُمْ، وَلَمْ يَذْكُرْ قِصَّتَهُمْ، وَأَسْمَاءَهُمْ لِأَجْلِ أَنْ يَكُونُوا قُدْوَةً لَنَا فِي عِلْمِهِمْ، وَأُسْوَةً فِي سِيرَتِهِمْ، أَيْ لَا فِي ذَوَاتِهِمْ، وَأَشْخَاصِهِمْ، إِذْ لَا فَرْقَ فِي هَذَا بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ.

قَالَ: أَمَّا مَعْنَى كَوْنِ هَذَا الْخَلْقِ لَا يَكُونُ بَاطِلًا، فَهُوَ أَنَّ هَذَا الْإِبْدَاعَ فِي

الْخَلْقِ، وَالْإِتْقَانَ لِلصُّنْعِ لَا يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ مِنَ الْعَبَثِ وَالْبَاطِلِ، وَلَا يُمْكِنُ أَنْ يَفْعَلَهُ الْحَكِيمُ الْعَلِيمُ لِهَذِهِ الْحَيَاةِ الْفَانِيَةِ فَقَطْ، كَمَا أَنَّ الْإِنْسَانَ الَّذِي أُوتِيَ الْعَقْلَ الَّذِي يَفْهَمُ هَذِهِ الْحِكَمَ، وَدَقَائِقَ

<<  <  ج: ص:  >  >>