<<  <  ج: ص:  >  >>
مسار الصفحة الحالية:

الْأَشْيَاءِ عَلَى ظَاهِرِهَا مِنْ غَيْرِ بَحْثٍ عَنْ أَسْبَابِهَا، وَعِلَلِهَا، وَالْغَوْصِ عَلَى بُطُونِهَا، وَدَخَائِلِهَا، كَمَا يُطْوَى الثَّوْبُ عَلَى غَرِّهِ، وَكَمَا يَنْظُرُ الْغِرُّ إِلَى ظَوَاهِرِ الْأَشْيَاءِ دُونَ بَوَاطِنِهَا. وَمَنِ اكْتَنَهَ حَالَهُمْ الِاجْتِمَاعِيَّةَ عَلِمَ أَنَّ تَقَلُّبَهُمْ فِي الْبِلَادِ وَتَمَتُّعَهُمْ بِالْأَمْنِ، وَالنِّعْمَةِ فِيهَا لَيْسَ قَائِمًا عَلَى أَسَاسٍ مَتِينٍ، وَلَا مَرْفُوعًا عَلَى رُكْنٍ رَكِينٍ، وَإِنَّمَا هُوَ مِنْ قَبِيلِ حَرَكَةِ الِاسْتِمْرَارِ لِمُحَرِّكٍ مِنَ الْبَاطِلِ سَابِقٍ لَمْ يَكُنْ لَهُ مُعَارِضٌ، فَإِذَا عَارَضَهُ مَا عَلَيْهِ الْمُؤْمِنُونَ مِنَ الْحَقِّ لَا يَلْبَثُ أَنْ يَزُولَ بِالنِّسْبَةِ إِلَى مَجْمُوعِهِمْ، وَأَمَّا مَنْ يَمُوتُ مِنْ أَفْرَادِهِمْ عَلَى فِرَاشِ نَعِيمِهِ، وَلَمْ يُنْسَأْ لَهُ فِي أَجْلِهِ إِلَى أَنْ يَظْهَرَ أَمْرُ الْمُؤْمِنِينَ فَمَا يَسْتَقْبِلُهُ مِنْ عَذَابِ الْآخِرَةِ أَعْظَمُ مِمَّا نَالَهُ مِنْ نَعِيمِ الدُّنْيَا، وَالنَّتِيجَةُ أَنَّ ذَلِكَ كَمَا قَالَ: مَتَاعٌ قَلِيلٌ ثُمَّ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمِهَادُ أَيْ ذَلِكَ التَّقَلُّبُ فِي الْبِلَادِ الَّذِي يَتَمَتَّعُونَ بِهِ مَتَاعٌ

قَلِيلٌ عَاقِبَتُهُ هَذَا الْمَأْوَى الَّذِي يَنْتَهُونَ إِلَيْهِ فِي الْآخِرَةِ، فَيَكُونُونَ خَالِدِينَ فِيهِ، سَوَاءٌ مِنْهُمْ مَنْ مَاتَ مُتَمَتِّعًا بِدُنْيَاهُ، وَمَنْ أُنْسِئَ لَهُ فِي عُمُرِهِ حَتَّى أَدْرَكَهُ الْخِذْلَانُ بِنَصْرِ اللهِ الْمُؤْمِنِينَ فَسَلَبَ مِنْهُ مَتَاعَهُ، أَوْ نَغَّصَهُ عَلَيْهِ، وَأَمَّا الْمُؤْمِنُونَ فَسَيَأْتِي مَا لَهُمْ فِي مُقَابَلَةِ هَذَا فِي الْآيَةِ الْآتِيَةِ. وَجَهَنَّمُ: اسْمٌ لِلدَّارِ الَّتِي يُجَازَى فِيهَا الْكَافِرُونَ فِي الْآخِرَةِ. قِيلَ: إِنَّهَا أَعْجَمِيَّةٌ مُعَرَّبَةٌ، وَقِيلَ: بَلْ هِيَ عَرَبِيَّةٌ مِنْ قَوْلِهِمْ: رَكِيَّةٌ جِهِنَّامٌ (بِكَسْرِ الْجِيمِ وَالْهَاءِ وَالتَّشْدِيدِ) أَيْ بِئْرٌ بَعِيدَةُ الْقَعْرِ، فَجَهَنَّمُ إِذًا بِمَعْنَى الْهَاوِيَةِ. وَالْمِهَادُ: الْمَكَانُ الْمَهْدُ الْمُوَطَّأُ كَالْفِرَاشِ، قِيلَ: سُمِّيَتِ النَّارُ مِهَادًا تَهَكُّمًا بِهِمْ. وَقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُ الْكَلِمَتَيْنِ فِي الْبَقَرَةِ [2: 206 - فَرَاجِعْ ص201 وَمَا بَعْدَهَا ج 2 ط الْهَيْئَةِ الْمِصْرِيَّةِ الْعَامَّةِ لِلْكِتَابِ] .

قِيلَ: إِنَّ الْآيَةَ نَزَلَتْ فِي مُشْرِكِي مَكَّةَ إِذْ كَانُوا يَضْرِبُونَ فِي الْأَرْضِ يَتَّجِرُونَ وَيَكْسِبُونَ، عَلَى حِينِ لَا يَسْتَطِيعُ الْمُسْلِمُونَ ذَلِكَ لِوُقُوفِ الْمُشْرِكِينَ لَهُمْ بِالْمِرْصَادِ، وَإِيقَاعِهِمْ بِهِمْ أَيْنَمَا ثَقِفُوهُمْ، وَعَجْزِ هَؤُلَاءِ عَنْ مُقَاوَمَتِهِمْ إِذَا خَرَجُوا مِنْ دَارِهِمْ لِلتِّجَارَةِ، أَوْ غَيْرِ التِّجَارَةِ، وَيُرْوَى أَنَّ بَعْضَ الْمُؤْمِنِينَ قَالَ: إِنَّ أَعْدَاءَ اللهِ فِيمَا نَرَى مِنَ الْخَيْرِ، وَقَدْ هَلَكْنَا مِنَ الْجُوعِ، وَالْجُهْدِ، فَنَزَلَتِ الْآيَةُ. وَقَالَ الْفَرَّاءُ: كَانَتِ الْيَهُودُ تَضْرِبُ فِي الْأَرْضِ فَتُصِيبُ الْأَمْوَالَ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ فِي ذَلِكَ.

ثُمَّ بَيَّنَ - تَعَالَى - فِي مُقَابَلَةِ ذَلِكَ مَأْوَى الْمُؤْمِنِينَ لِيَعْلَمُوا أَنَّهُمْ فِي الْقِسْمَةِ غَيْرُ مَغْبُونِينَ، فَقَالَ: لَكِنِ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا نُزُلًا مِنْ عِنْدِ اللهِ قَالُوا: إِنَّ النُّزُلَ مَا يُهَيَّأُ لِلضَّيْفِ النَّازِلِ، وَقِيلَ: أَوَّلُ مَا يُهَيَّأُ بِهِ، وَخَصَّهُ الرَّاغِبُ بِالزَّادِ. قَالَ الْفَرَّاءُ: نُصِبَ نُزُلًا عَلَى التَّفْسِيرِ كَمَا تَقُولُ: هُوَ لَكَ هِبَةً وَبَيْعًا وَصَدَقَةً. وَإِذَا كَانَتِ الْجَنَّاتُ نُزُلًا - وَهِيَ النَّعِيمُ الْجُسْمَانِيُّ - فَلَا جَرَمَ أَنْ يَكُونَ النَّعِيمُ الرُّوحَانِيُّ بِرِضْوَانِ اللهِ الْأَكْبَرِ أَعْظَمَ مِنَ الْجَنَّةِ، وَنَعِيمًا أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً، وَقَدْ وَعَدَهُمْ هَذَا الْجَزَاءَ عَلَى التَّقْوَى الَّتِي يَتَضَمَّنُ مَعْنَاهَا تَرْكَ الْمَعَاصِي، وَفِعْلَ الطَّاعَاتِ، ثُمَّ أَشَارَ إِلَى أَنَّ النَّعِيمَ الرُّوحَانِيَّ يَكُونُ بِمَحْضِ الْفَضْلِ، وَالْإِحْسَانِ لِلْأَبْرَارِ، فَقَالَ: وَمَا عِنْدَ اللهِ مِنَ الْكَرَامَةِ الزَّائِدَةِ عَلَى هَذَا النُّزُلِ الَّذِي هُوَ بَعْضُ مَا عِنْدَهُ

<<  <  ج: ص:  >  >>