<<  <  ج: ص:  >  >>
مسار الصفحة الحالية:

ثَالِثُهَا: مَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ، وَهُوَ مَا أَوْحَاهُ اللهُ - تَعَالَى - إِلَى أَنْبِيَائِهِمْ. وَلَا يُنَافِي ذَلِكَ ضَيَاعَ وَنِسْيَانَ بَعْضِهِ، وَطُرُوءَ التَّحْرِيفِ بِالتَّرْجَمَةِ، وَالنَّقْلِ بِالْمَعْنَى عَلَى الْبَعْضِ الْآخَرِ، فَإِنَّ الْمُرَادَ هُوَ الْإِيمَانُ بِهِ إِجْمَالًا، وَاتِّبَاعُ مَا أَرْشَدَ إِلَيْهِ الْقُرْآنُ فِيهِ تَفْصِيلًا، وَالْقُرْآنُ هُوَ الْعُمْدَةُ فَلَا يُعْتَدُّ بِإِيمَانِ مَنْ خَالَفَهُ بَعْدَ الْعِلْمِ بِهِ عَلَى مَا سَيَأْتِي قَرِيبًا. وَقَدْ تَقَدَّمَ بَيَانُ حُكْمِ الْقُرْآنِ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ فِي تَفْسِيرِ الْآيَةِ الْأُولَى مِنْ هَذِهِ السُّورَةِ فَرَاجِعْهُ [ص129 - 132 ج 3 ط الْهَيْئَةِ الْمِصْرِيَّةِ الْعَامَّةِ لِلْكِتَابِ] .

رَابِعُهَا: الْخُشُوعُ وَهُوَ ثَمَرَةُ الْإِيمَانِ الصَّحِيحِ الَّذِي يُعِينُ عَلَى اتِّبَاعِ مَا يَقْتَضِيهِ الْإِيمَانُ مِنَ الْعَمَلِ، فَالْخُشُوعُ أَثَرُ خَشْيَةِ اللهِ - تَعَالَى - فِي الْقَلْبِ تَفِيضُ عَلَى الْجَوَارِحِ، وَالْمَشَاعِرِ، فَيَخْشَعُ الْبَصَرُ بِالسُّكُونِ وَالِانْكِسَارِ، وَيَخْشَعُ الصَّوْتُ بِالْمُخَافَتَةِ وَالتَّهَدُّجِ، كَمَا يَخْشَعُ غَيْرُهَا.

خَامِسُهَا: وَهِيَ أَثَرٌ لِمَا قَبْلَهُ عَدَمُ اشْتِرَاءِ شَيْءٍ مِنْ مَتَاعِ الدُّنْيَا بِآيَاتِ اللهِ كَمَا هُوَ فَاشٍ فِي أَصْحَابِ الْإِيمَانِ التَّقْلِيدِيِّ الْجِنْسِيِّ مِنْ عُلَمَاءِ مِلَّتْهِمْ، وَيَقَعُ مِثْلُهُ مِنْ أَمْثَالِهِمْ فِي سَائِرِ الْمِلَلِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ بَيَانُهُ فِي هَذِهِ السُّورَةِ وَمَا قَبْلَهَا.

قَالَ - تَعَالَى -: أُولَئِكَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ أَيْ أُولَئِكَ الْمُتَّصِفُونَ بِمَا ذُكِرَ مِنَ الصِّفَاتِ لَهُمْ أَجْرُهُمُ اللَّائِقُ بِهِمْ عِنْدَ رَبِّهِمُ الَّذِي رَبَّاهُمْ بِنِعَمِهِ، وَهَدَاهُمْ إِلَى الْحَقِّ ;

أَيْ فِي دَارِ الرِّضْوَانِ الَّتِي نَسَبَهَا الرَّبُّ - عَزَّ وَجَلَّ - إِلَيْهِ تَشْرِيفًا لَهَا وَلِأَهْلِهَا، بِخِلَافِ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ مِثْلُ هَذِهِ الصِّفَاتِ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ الْمَغْرُورِينَ بِأَنْفُسِهِمْ، وَسَلَفِهِمْ عِنَادًا حَمَلَهُمْ عَلَى كِتْمَانِ الْحَقِّ الَّذِي هُوَ نُبُوَّةُ مُحَمَّدٍ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَهُمْ يَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ، فَأُولَئِكَ هُمُ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ إِلَّا النَّارُ، فَإِنَّ كُلَّ مَنْ بَلَغَتْهُ دَعْوَةُ مُحَمَّدٍ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَظَهَرَتْ لَهُ حَقِيقَتُهَا كَمَا ظَهَرَتْ لَهُمْ، وَحَجَدَ وَعَانَدَ كَمَا جَحَدُوا وَعَانَدُوا فَلَا يُعْتَدُّ بِإِيمَانِهِ بِالْأَنْبِيَاءِ السَّابِقِينَ، وَكُتُبِهِمْ، وَلَا يَكُونُ إِيمَانُهُ بِاللهِ - تَعَالَى - إِيمَانًا صَحِيحًا مَقْرُونًا بِالْخَشْيَةِ، وَالْخُشُوعِ ; وَلِذَلِكَ لَا يَخْشَاهُ فِي مُكَابَرَةِ الْحَقِّ وَالْإِصْرَارِ عَلَى الْبَاطِلِ. وَلَا يُنَافِي هَذَا مَا فِي آيَةِ إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا [2: 62] مِنَ الْإِطْلَاقِ ; لِأَنَّ تِلْكَ الْآيَةَ فِيمَنْ لَمْ تَبْلُغْهُمْ دَعْوَةُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَلَى حَقِيقَتِهَا، وَلَمْ تَظْهَرْ لَهُمْ حَقِيقَتُهَا كَالَّذِينِ كَانُوا قَبْلَهُ.

إِنَّ اللهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ يُحَاسِبُ الْخَلْقَ كُلَّهُمْ فِي وَقْتٍ وَاحِدٍ قَصِيرٍ بِمَا يَكْشِفُ لَهُمْ مِنْ تَأْثِيرِ أَعْمَالِهِمْ فِي نُفُوسِهِمْ بِحَيْثُ يَتَمَثَّلُ لَهُمْ فِيهَا كُلُّ عَمَلٍ سَبَقَ مِنْهُمْ كَالصُّوَرِ الْمُتَحَرِّكَةِ الَّتِي تُمَثِّلُ الْوَقَائِعَ فِي هَذَا الْعَصْرِ. وَقَدْ سَبَقَ تَقْرِيرُ ذَلِكَ.

ثُمَّ خَتَمَ - سُبْحَانَهُ - السُّورَةَ بِهَذِهِ الْوَصِيَّةِ لِلْمُؤْمِنِينَ ; لِأَنَّهَا هِيَ الَّتِي تَتَحَقَّقُ بِهَا اسْتِجَابَةُ ذَلِكَ الدُّعَاءِ، وَإِيفَاءُ الْوَعْدِ بِالنَّصْرِ فِي الدُّنْيَا، وَحُسْنُ الْجَزَاءِ فِي الْآخِرَةِ، فَقَالَ: يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ قَالَ الْأُسْتَاذُ الْإِمَامُ: أَيِ اصْبِرُوا

<<  <  ج: ص:  >  >>