<<  <  ج: ص:  >  >>
مسار الصفحة الحالية:

فَإِنَّ الزِّنَا لَيْسَ مِنَ التَّقْوَى بَلْ هُوَ هَدْمٌ لَهَا، وَإِنَّمَا مَعْنَى هَذَا الْأَمْرِ وَالنَّهْيِ: فَأَجْمِعُوا بِمَا أَمَرْتُكُمْ بِهِ بَيْنَ تَقْوَى

اللهِ بِاجْتِنَابِ الْفَاحِشَةِ، وَبَيْنَ حِفْظِ كَرَامَتِي وَعَدَمِ إِذْلَالِي وَامْتِهَانِي بِفَضِيحَتِي فِي ضَيْفِي، فَإِنَّ فَضِيحَةَ الضَّيْفِ فَضِيحَةٌ لِلْمُضِيفِ وَإِهَانَةٌ لَهُ. وَلَفْظُ الضَّيْفِ يُطْلَقُ عَلَى الْوَاحِدِ وَالْمُثَنَّى وَالْجَمْعِ: - أَلَيْسَ مِنْكُمْ رَجُلٌ رَشِيدٌ - ذُو رُشْدٍ يَعْقِلُ هَذَا فَيُرْشِدَكُمْ إِلَيْهِ؟

- قَالُوا لَقَدْ عَلِمْتَ مَا لَنَا فِي بَنَاتِكَ مِنْ حَقٍّ - فَإِنَّهُنَّ مُحَرَّمَاتٌ عَلَيْنَا فِي دِينِكَ، أَوْ يَعْنُونَ أَنَّ الْحَقَّ عِنْدَهُمْ نِكَاحُ الذُّكُورِ مُسْتَشْهِدِينَ بِعِلْمِهِ بِهِ تَهَكُّمًا، أَوِ الْحَقُّ هُنَا الْحَاجَةُ وَالْأَرَبُ، وَالْمَعْنَى: لَقَدْ عَلِمْتَ مِنْ قَبْلُ أَنَّهُ لَيْسَ لَنَا فِي بَنَاتِكَ مِنْ حَاجَةٍ أَوْ رَغْبَةٍ فِي تَزَوُّجِهِنَّ فَتَصْرِفَنَا بِعَرْضِهِنَّ عَلَيْنَا عَمَّا نُرِيدُهُ، أَوْ لَقَدْ عَلِمْتَ الَّذِي لَنَا فِي نِسَائِنَا اللَّوَاتِي تُسَمِّيهِنَّ بَنَاتَكَ مِنْ حَقِّ الِاسْتِمْتَاعِ وَمَا نَحْنُ عَلَيْهِ مَعَهُنَّ، فَلَا مَعْنَى لِعَرْضِكَ إِيَّاهُنَّ عَلَيْنَا لِصَرْفِنَا عَمَّا نُرِيدُهُ - وَإِنَّكَ لَتَعْلَمُ مَا نُرِيدُ - مِنَ الِاسْتِمْتَاعِ بِالذُّكْرَانِ، وَأَنَّنَا لَا نُؤْثِرَ عَلَيْهِ شَيْئًا. أَيْ: تَعْرِفُ ذَلِكَ حَقَّ الْمَعْرِفَةِ لَا تَرْتَابُ فِيهِ، فَلِمَ تُحَاوِلُ صَدَّنَا عَنْهُ؟ فَعَلِمَ أَنَّهُمْ مُصِرُّونَ عَلَى إِرَادَتِهِمْ فَمَاذَا فَعَلَ؟ . - قَالَ لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً - أَيْ: قَالَ لُوطٌ لِأَضْيَافِهِ حِينَئِذٍ: لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً تُقَاتِلُ مَعِي هَؤُلَاءِ الْقَوْمَ وَتَدْفَعُ لَقَاتَلْتُهُمْ، أَوْ أَتَمَنَّى لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً أَلْقَاهُمْ بِهَا، أَوْ قَالَ هَذَا لِقَوْمِهِ، وَالْمَعْنَى كَمَا قَالَ فِي الْكَشَّافِ: لَوْ قَوِيتُ عَلَيْكُمْ بِنَفْسِي - أَوْ آوِي إِلَى رُكْنٍ شَدِيدٍ - مِنْ أَصْحَابِ الْعَصَبِيَّاتِ الْقَوِيَّةِ الَّذِينَ يَحْمُونَ اللَّاجِئِينَ وَيُجِيرُونَ الْمُسْتَجِيرِينَ (كَزُعَمَاءِ الْعَرَبِ) تَمَنَّى ذَلِكَ لِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ مِنْهُمْ فَيَعْتَزُّ بِهِمْ، وَإِنْ سَمَّاهُمْ قَوْمَهُ بِمَعْنَى أَهْلِ جِوَارِهِ وَوَطَنِهِ الْجَدِيدِ، وَإِنَّمَا هُوَ غَرِيبٌ جَاءَ مَعَ عَمِّهِ مِنْ أَوْرِ الْكَلْدَانِيِّينَ فِي الْعِرَاقِ.

وَيُرَجِّحُ الْأَوَّلَ جَوَابُ الْمَلَائِكَةِ لَهُ وَقَدْ رَأَوْا شِدَّةَ كَرْبِهِ وَمَا آلَتْ إِلَيْهِ حَالُهُ وَهُوَ:

قَالُوا يَالُوطُ إِنَّا رُسُلُ رَبِّكَ لَنْ يَصِلُوا إِلَيْكَ فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ بِقِطْعٍ مِنَ اللَّيْلِ وَلَا يَلْتَفِتْ مِنْكُمْ أَحَدٌ إِلَّا امْرَأَتَكَ إِنَّهُ مُصِيبُهَا مَا أَصَابَهُمْ إِنَّ مَوْعِدَهُمُ الصُّبْحُ أَلَيْسَ الصُّبْحُ بِقَرِيبٍ فَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا جَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهَا حِجَارَةً مِنْ سِجِّيلٍ مَنْضُودٍ مُسَوَّمَةً عِنْدَ رَبِّكَ وَمَا هِيَ مِنَ الظَّالِمِينَ بِبَعِيدٍ.

<<  <  ج: ص:  >  >>