<<  <  ج: ص:  >  >>
مسار الصفحة الحالية:

الْقُرَّاءِ، وَالْجُمْهُورِ يَصِلُونَ فَيَفْتَحُونَ الْمِيمَ وَيَطْرَحُونَ الْهَمْزَةَ مَنْ لَفْظِ

الْجَلَالَةِ لِلتَّخْفِيفِ، وَقَرَأَ أَبُو جَعْفَرٍ وَالْأَعْشَى وَالْبَرْجَمِيُّ عَنْ أَبِي بَكْرٍ عَنْ عَاصِمٍ بِسُكُونِ الْمِيمِ وَقَطْعِ الْهَمْزَةِ.

اللهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ تَقْرِيرٌ لِحَقِيقَةِ التَّوْحِيدِ الَّذِي هُوَ أَعْظَمُ قَوَاعِدِ الدِّينِ، وَتَقَدَّمَ تَفْسِيرُهُ فِي أَوَّلِ آيَةِ الْكُرْسِيِّ بِالْإِسْهَابِ نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ أَيْ أَوْحَى إِلَيْكَ هَذَا الْقُرْآنَ الْمَكْتُوبَ بِالتَّدْرِيجِ مُتَّصِفًا بِالْحَقِّ مُتَلَبِّسًا بِهِ، وَإِنَّمَا عَبَّرَ عَنِ الْوَحْيِ بِالتَّنْزِيلِ وَبِالْإِنْزَالِ كَمَا فِي آيَاتٍ أُخْرَى لِلْإِشْعَارِ بِعُلُوِّ مَرْتَبَةِ الْمُوحِي عَلَى الْمُوحَى إِلَيْهِ، وَيَصِحُّ التَّعْبِيرُ بِالْإِنْزَالِ عَنْ كُلِّ عَطَاءٍ مِنْهُ تَعَالَى، كَمَا قَالَ: وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ [57: 25] وَأَمَّا التَّدْرِيجُ فَقَدِ اسْتُفِيدَ مِنْ صِيغَةِ التَّنْزِيلِ، وَكَذَلِكَ كَانَ، فَقَدْ نَزَلَ الْقُرْآنُ نُجُومًا مُتَفَرِّقَةً بِحَسَبِ الْأَحْوَالِ وَالْوَقَائِعِ.

وَمَعْنَى تَنْزِيلِهِ بِالْحَقِّ أَنَّ فِيهِ مَا يُحَقِّقُ أَنَّهُ مِنْ عِنْدِ اللهِ - تَعَالَى -، فَلَا يَحْتَاجُ إِلَى دَلِيلٍ مِنْ غَيْرِهِ عَلَى حَقِّيَّتِهِ، أَوْ مَعْنَاهُ: أَنَّ كُلَّ مَا جَاءَ بِهِ مِنَ الْعَقَائِدِ وَالْأَخْبَارِ وَالْأَحْكَامِ وَالْحُكْمِ حَقٌّ، وَقَدْ يُوصَفُ الْحُكْمُ بِكَوْنِهِ حَقًّا فِي نَفْسِهِ إِذَا كَانَتِ الْمَصْلَحَةُ وَالْفَائِدَةُ تَتَحَقَّقُ بِهِ، وَفِي أَشْهَرِ التَّفَاسِيرِ: أَنَّ الْمُرَادَ بِالْحَقِّ الْعَدْلُ أَوِ الصِّدْقُ فِي الْأَخْبَارِ، أَوِ الْحُجَجِ الدَّالَّةِ عَلَى كَوْنِهِ مِنْ عِنْدِ اللهِ، وَمَا قُلْنَاهُ أَعَمُّ وَأَوْضَحُ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ أَيْ مُبَيِّنًا صِدْقَ مَا تَقَدَّمَهُ مِنَ الْكُتُبِ الْمُنَزَّلَةِ عَلَى الْأَنْبِيَاءِ، أَيْ كَوْنُهَا وَحْيًا مِنَ اللهِ - تَعَالَى -، وَذَلِكَ أَنْ أَثْبَتَ الْوَحْيَ وَذَكَرَ أَنَّهُ - تَعَالَى - أَرْسَلَ رُسُلًا أَوْحَى إِلَيْهِمْ، فَهَذَا تَصْدِيقٌ إِجْمَالِيٌّ لِأَصِلِ الْوَحْيِ لَا يَتَضَمَّنُ تَصْدِيقَ مَا عِنْدَ الْأُمَمِ الَّتِي تَنْتَمِي إِلَى أُولَئِكَ الْأَنْبِيَاءِ مِنَ الْكُتُبِ بِأَعْيَانِهَا وَمَسَائِلِهَا. وَمِثَالُهُ تَصْدِيقُنَا لِنَبِيِّنَا - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي جَمِيعِ مَا أَخْبَرَ بِهِ فَهُوَ لَا يَسْتَلْزِمُ تَصْدِيقَ كُلِّ مَا فِي كُتُبِ الْحَدِيثِ الْمَرْوِيَّةِ عَنْهُ، بَلْ مَا ثَبَتَ مِنْهَا عِنْدَنَا فَقَطْ.

وَأَنْزَلَ التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ مِنْ قَبْلُ هُدًى لِلنَّاسِ التَّوْرَاةُ: كَلِمَةٌ عِبْرَانِيَّةٌ مَعْنَاهَا الْمُرَادُ الشَّرِيعَةُ أَوِ النَّامُوسُ، وَهِيَ تُطْلَقُ عِنْدَ أَهْلِ الْكِتَابِ عَلَى خَمْسَةِ أَسْفَارٍ يَقُولُونَ إِنَّ مُوسَى كَتَبَهَا، وَهِيَ سِفْرُ التَّكْوِينِ وَفِيهِ الْكَلَامُ عَنْ بَدْءِ الْخَلِيقَةِ وَأَخْبَارِ بَعْضِ الْأَنْبِيَاءِ، وَسِفْرُ الْخُرُوجِ، وَسِفْرُ اللَّاوِيِّينَ أَوِ الْأَخْبَارِ، وَسِفْرُ الْعَدَدِ، وَسِفْرُ تَثْنِيَةِ الِاشْتِرَاعِ وَيُقَالُ التَّثْنِيَةُ فَقَطْ. وَيُطْلِقُ النَّصَارَى لَفْظَ التَّوْرَاةِ عَلَى جَمِيعِ الْكُتُبِ الَّتِي يُسَمُّونَهَا الْعَهْدَ الْعَتِيقَ، وَهِيَ كُتُبُ الْأَنْبِيَاءِ وَتَارِيخُ قُضَاةِ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَمُلُوكِهِمْ قَبْلَ الْمَسِيحِ وَمِنْهَا

مَا لَا يَعْرِفُونَ كَاتِبَهُ، وَقَدْ يُطْلِقُونَهُ عَلَيْهَا وَعَلَى الْعَهْدِ الْجَدِيدِ مَعًا، وَهُوَ الْمُعَبَّرُ عَنْهُ بِالْإِنْجِيلِ وَسَيَأْتِي تَفْسِيرُهُ. أَمَّا التَّوْرَاةُ فِي عُرْفِ الْقُرْآنِ فَهِيَ مَا أَنْزَلَهُ اللهُ - تَعَالَى - مِنَ الْوَحْيِ عَلَى مُوسَى - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - لِيُبَلِّغَهُ قَوْمَهُ لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ بِهِ، وَقَدْ بَيَّنَ - تَعَالَى - أَنَّ قَوْمَهُ لَمْ يَحْفَظُوهُ كُلَّهُ إِذْ قَالَ فِي سُورَةِ الْمَائِدَةِ: وَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ [5: 13] كَمَا أَخْبَرَ عَنْهُمْ فِي آيَاتٍ أَنَّهُمْ حَرَّفُوا الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ، وَذَلِكَ فِيمَا حَفِظُوهُ وَاعْتَقَدُوهُ. وَهَذِهِ الْأَسْفَارُ الْخَمْسَةُ الَّتِي فِي أَيْدِيهِمْ تَنْطِقُ بِمَا يُؤَيِّدُ ذَلِكَ، وَمِنْهُ مَا فِي سِفْرِ التَّثْنِيَةِ مِنْ أَنَّ مُوسَى كَتَبَ

<<  <  ج: ص:  >  >>