للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

الموحّدين بمراكش، وانتظامه في أمره، وسلّما لارتقاء ما يسمو إليه من ملكه، وبابا لولوج المغرب على أهله، فحرّكه إملاؤهم وهزّه إلى النعرة [١] صريخهم، وأهاب بالموحّدين وسائر الأولياء والعساكر إلى الحركة على تلمسان. واستنفر لذلك سائر البدو من الأعراب الذين في طاعته من بني سليم ورياح بظعنهم، فاهطعوا لداعيه [٢] .

ونهض سنة تسع وثلاثين وستمائة في عساكر ضخمة وجيوش وافرة. وسرّح إمام حركته عبد القوي بن العبّاس وأولاد منديل بن محمد لحشد من وافى بأوطانهم من أحياء زناتة وذؤبان قبائلهم، وأحياء زغبة أحلافهم من العرب. وضرب معهم موعدا لموافاتهم في تخوم بلادهم. ولما نزل صحراء زاغر قبلة تيطري منتهى مجالات رياح وبني سليم من المغرب، تثاقل العرب عن الرحلة بظعنهم في ركاب السلطان، وتلووا بالمعاذير فألطف الأمير أبو زكريا الحيلة. زعموا في استنهاضهم وتنبيه عزائمهم، فارتحلوا معه حتى نازل تلمسان بجميع عساكر الموحّدين وحشود زناتة وظعن العرب بعد أن كان قدم إلى يغمراسن الرسل من مليانة بالأعذار والدعاء إلى الطاعة، فرجّعهم بالخيبة. ولما حلّت عساكر الموحّدين بساحة البلد، وبرز يغمراسن وجموعه للّقاء بصحبتهم ناشية السلطان بالنبل، فانكشفوا ولاذوا بالجدران وعجزوا عن حماية الأسوار، فاستمكنت المقاتلة من الصعود. ورأى يغمراسن أن قد أحيط بالبلد فقصد باب العقبة من أبواب تلمسان ملتفا في ذويه وخاصته. واعترضه عساكر الموحدين فصمم نحوهم وجندل بعض أبطالهم فأفرجوا له، ولحقوا بالصحراء وتسللت الجيوش إلى البلد من كل حدب، فاقتحموه وعاثوا فيه بقتل النساء والصبيان واكتساح الأموال.

ولما تجلى غشي تلك الهيعة، وخسر تيّار الصدمة، وخمدت نار الحرب، راجع الموحدون بصائرهم وأنعم الأمير أبو زكريا نظره فيمن يقلّده أمر تلمسان والمغرب الأوسط، وينزله بثغرها لإقامة دعوته الدائلة من دعوة بني عبد المؤمن والمدافعة عنها.

واستكبر ذلك أشرافهم وتدافعوه وتبرّأ أمراء زناتة ضعفا عن مقاومة يغمراسن علما بأنّه الفحل الّذي لا يقرع أنفه، ولا يطرق غيله ولا يصد عن فريسته.

وسرّح يغمراسن الغارات في نواحي المعسكر فاختطف الناس من حوله، واطلعوا من


[١] وفي نسخة أخرى: النفرة.
[٢] وفي نسخة أخرى: فأهبطوا الحامية.

<<  <  ج: ص:  >  >>