للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

وأهل تونس، وكان في ابن الأبار أنفة وبأو [١] وضيق خلق، فكان يزري على المستنصر في مباحثه ويستقصره في مداركه، فخشن له صدره مع ما كان يسخط به السلطان من تفضيل الأندلس وولايتها عليه.

وكانت لابن أبي الحسين فيه سعاية لحقد قديم، سببه أن ابن الأبار لما قدم في الأسطول من بلنسية نزل ببنزرت، وخاطب ابن أبي الحسن بغرض رسالته، ووصف أباه في عنوان مكتوبة بالمرحوم. ونبّه على ذلك فاستضحك وقال: إن أبا لا تعرف حياته من موته لأب خامل. ونميت إلى ابن أبي الحسين فأسرّها في نفسه، ونصب له إلى أن حمل السلطان على إشخاصه من بجاية. ثم رضي عنه واستقدمه ورجّعه إلى مكانه من المجلس. وعاد هو إلى مساءة السلطان بنزعاته إلى أن جرى في بعض الأيام ذكر مولد الواثق وساءل عنه السلطان فاستبهم، فعدا عليه ابن الأبار بتاريخ الولادة وطالعها، فاتّهم بتوقّع المكروه للدولة والتربّص بها كما كان أعداؤه يشنّعون عليه، لما كان ينظر في النجوم فتقبّض عليه. وبعث السلطان إلى داره فرفعت إليه كتبه أجمع، وألقى أثناءها فيما زعموا رقعة بأبيات أوّلها:

طغى بتونس حلف سموه ظلما خليفة

فاستشاط لها السلطان وأمر بامتحانه، ثم بقتله قعصا بالرماح، وسط محرم من سنة ثمان وخمسين وستمائة، ثم أحرق شلوه وسيقت مجلدات كتبه وأوراق سماعه ودواوينه فأحرقت معه.

[(الخبر عن مقتل اللياني وأوليته وتصاريف أحواله)]

أصل هذا الرجل من لليانة قرية من قرى المهديّة، مضمومة اللام مكسورة الثانية، وكان أبوه عاملا بالمهديّة، وبها نشأ ابنه أبو العبّاس. وكان ينتحل القراءة والكتاب حتى حذق في علوم اللسان. وتفقّه على أبي زكريّا البرقي، ثم طالع مذاهب الفلاسفة، ثم صار إلى طلب المعاش من الإمارة فولي أعمال الجباية. ثم صودر في ولايته على مال أعطاه وتخلّص من نكبته، فنهض في الولايات حتى شارك كل عامل


[١] بأي، بأوا- عليهم: فخر، تكبر- قاموس.

<<  <  ج: ص:  >  >>