للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

ثمّ تركّب تلك الفضائل بحسب الصّور المطلوبة. وهو في كلّ ذلك يحاول بصنعته إعداد تلك الفصائل بالانتظام إلى أن تصير أعضاء لذلك الشّكل المخصوص. والقائم على هذه الصّناعة هو النّجّار وهو ضروريّ في العمران. ثمّ إذا عظمت الحضارة وجاء التّرف وتأنّق النّاس فيما يتّخذونه من كلّ صنف من سقف أو باب أو كرسيّ أو ماعون، حدث التّأنّق في صناعة ذلك واستجادته بغرائب من الصّناعة كماليّة ليست من الضّروريّ في شيء مثل التّخطيط في الأبواب والكراسيّ ومثل تهيئة القطع من الخشب بصناعة الخرط يحكم بريها وتشكيلها ثمّ تؤلّف على نسب مقدّرة وتلحم بالدّسائر فتبدو لرأي [١] العين ملتحمة وقد أخذ منها اختلاف الأشكال على تناسب. يصنع هذا في كلّ شيء يتّخذ من الخشب فيجيء آنق ما يكون. وكذلك في جميع ما يحتاج إليه من الآلات المتّخذة من الخشب من أيّ نوع كان. وكذلك قد يحتاج إلى هذه الصّناعة في إنشاء المراكب البحريّة ذات الألواح والدّسر وهي أجرام هندسيّة صنعت على قالب الحوت واعتبار سبحه في الماء بقوادمه وكلكله ليكون ذلك الشّكل أعون لها في مصادمة الماء وجعل لها عوض الحركة الحيوانيّة الّتي للسّمك تحريك الرّياح. وربّما أعينت بحركة المقاذيف كما في الأساطيل. وهذه الصّناعة من أصلها محتاجة إلى أصل [٢] كبير من الهندسة في جميع أصنافها لأنّ إخراج الصّور من القوّة إلى الفعل على وجه الإحكام محتاج إلى معرفة التّناسب في المقادير إمّا عموما أو خصوصا وتناسب المقادير لا بدّ فيه من الرّجوع إلى المهندس. ولهذا كانت أئمّة الهندسة اليونانيّون كلّهم أئمّة في هذه الصّناعة فكان أوقليدوس صاحب كتاب الأصول في الهندسة نجّارا وبها كان يعرف. وكذلك أبلّونيوس صاحب كتاب المخروطات وميلاوش وغيرهم. وفيما يقال: أنّ معلّم هذه الصّناعة في الخليقة هو نوح عليه السّلام وبها أنشأ سفينة النّجاة الّتي كانت بها معجزته عند الطّوفان. وهذا الخبر وإن كان


[١] وفي نسخة أخرى: بالدساتر فتبدو لمرأى.
[٢] وفي نسخة أخرى: جزء.

<<  <  ج: ص:  >  >>