للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

العرب. وأمّا غيرها من اللّغات فكلّ معنى أو حال لا بدّ له من ألفاظ تخصّه بالدّلالة ولذلك نجد كلام العجم من مخاطباتهم أطول ممّا تقدّره بكلام العرب.

وهذا هو معنى قوله صلّى الله عليه وسلّم: «أوتيت جوامع الكلم واختصر لي الكلام اختصارا» . فصار للحروف في لغتهم. والحركات والهيئات أي الأوضاع اعتبار في الدّلالة على المقصود غير متكلّفين فيه لصناعة يستفيدون ذلك منها. إنّما هي ملكة في ألسنتهم يأخذها الآخر عن الأوّل كما تأخذ صبياننا لهذا العهد لغاتنا.

فلمّا جاء الإسلام وفارقوا الحجاز لطلب الملك الّذي كان في أيدي الأمم والدّول وخالطوا العجم تغيّرت تلك الملكة بما ألقى إليها السّمع من المخالفات الّتي للمستعربين [١] . والسّمع أبو الملكات اللّسانيّة ففسدت بما ألقي إليها ممّا يغايرها لجنوحها إليه باعتياد السّمع. وخشي أهل العلوم منهم أن تفسد تلك الملكة رأسا ويطول العهد بها فينغلق القرآن والحديث على المفهوم فاستنبطوا من مجاري كلامهم قوانين لتلك الملكة مطّردة شبه الكلّيّات والقواعد يقيسون عليها سائر أنواع الكلام ويلحقون الأشباه بالأشباه مثل أنّ الفاعل مرفوع والمفعول منصوب والمبتدأ مرفوع. ثمّ رأوا تغيّر الدّلالة بتغيّر حركات هذه الكلمات فاصطلحوا على تسميته إعرابا وتسمية الموجب لذلك التّغيّر عاملا وأمثال ذلك. وصارت كلّها اصطلاحات خاصّة بهم فقيّدوها بالكتاب وجعلوها صناعة لهم مخصوصة.

واصطلحوا على تسميتها بعلم النّحو. وأوّل من كتب فيها أبو الأسود الدّؤليّ من بني كنانة، ويقال بإشارة عليّ رضي الله عنه لأنّه رأى تغيّر الملكة فأشار عليه بحفظها ففزع إلى ضبطها بالقوانين الحاضرة المستقرأة. ثمّ كتب فيها النّاس من بعده إلى أن انتهت إلى الخليل بن أحمد الفراهيديّ أيّام الرّشيد وكان النّاس أحوج ما كان الناس إليها لذهاب تلك الملكة من العرب. فهذّب الصّناعة وكمّل أبوابها. وأخذها عنه سيبويه فكمّل تفاريعها واستكثر من أدلّتها وشواهدها ووضع


[١] وفي نسخة أخرى: للمتعربين من العجم.

<<  <  ج: ص:  >  >>