للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

يمكن أحدا [٣٥٥] تلافيه وردّهم عنه. وكان مضطرّا إلى فعل ذلك لأنّه لم يكن من أهل بيت الملك ولا كانت له بين الديلم حشمة من يمتثل جميع أمره، وإنّما يرأس عليهم بسماحة كثيرة كانت فيه ومسامحة فى أشياء لا يحتملها أمير عن مأمور.

وهذه سيرة إذا عوّدها الجند لم يمكن أن يفطموا [١] عنها بل تزداد على الأيام وتتمادى حتى ينتهى إلى ما انتهى إليه جند عصرنا من تسحّبهم [٢] على الملوك واقتراحاتهم ما لا يفي به دخل المملكة وخروجهم فى سوء الأدب إلى ما يخرج إليه السباع التي تضرأ ولا تقبل الأدب.

ثم كان الأستاذ الرئيس ابن العميد رحمه الله مع هذه السيرة قد دارى جنده ورعيته وصاحبه مداراة لو ادّعى له فيها المعجزة لاشتبه على قوم.

وذلك أنّه لمّا استوزر لركن الدولة كان تقدّمه قوم عجزة وباشروا مع عجزهم أمورا مضطربة وجندا متحكمين والدنيا فى أيديهم يملكونها كيف شاءوا لا يمنعهم أحد منها وإنّما أميرهم يسمى بالأمرة ما دام يستجيب لهم إلى اقتراحاتهم ومتى خالفهم استبدلوا به.

وكان ركن الدولة وقبله عماد الدولة يوسعان عليهم فى الإقطاعات ويبذلان لهم من الرغائب ما لا يبقى لهم معها حجة ولا موضع طلبة وهم مع ذلك يتحكمون ويبسطون أيديهم ويطمعون فيما لا مطمع فيه وكان قصارى الوزير والمدبر أن يقيم [٣٥٦] كل يوم وجها لنفقة الأمير يومه ذلك من مصادرة العامة أو قرض من الخاصة أو حيلة على من يتهم بيسار كائنا من كان، وربما تعذّر عليهم قضيم الكراع يوما ويومين. فاما نفقات الحشم وجراياتهم وما يقيم أرماقهم فكانت تتمحّل وربما امتنع عليهم إقامتها أياما،


[١] . فى مط: أن يعظموا. وهو تصحيف.
[٢] . كذا فى الأصل. تسحّبهم. فى مط: تشحبهم. تسحّب عليه: تدلّل.

<<  <  ج: ص:  >  >>