للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

الرَّحِيمِ، مِنْ هَارُونَ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ إِلَى نِقْفُورَ كَلْبِ الرُّومِ، قَدْ قَرَأْتُ كِتَابَكَ يَا ابْنَ الْكَافِرَةِ، وَالْجَوَابُ مَا تَرَاهُ لا مَا [١] تَسْمَعُهُ» [٢] .

[مَسِيرُ الرَّشِيدِ إِلَى هِرَقْلَةَ]

ثُمَّ سَارَ لِيَوْمِهِ، فَلَمْ يَزَلْ حَتَّى نَازَلَ مَدِينَةَ هِرَقْلَةَ، وَكَانَتْ غَزْوَةً مَشْهُورَةً وَفَتْحًا مُبِينًا. فَطَلَبَ النِّقْفُورُ الْمُوَادَعَةَ، وَالْتَزَمَ بِخَرَاجٍ يَحْمِلُهُ كُلَّ سَنَةٍ، فَأُجِيبَ. فَلَمَّا رَجَعَ الرَّشِيدُ إِلَى الرَّقَّةِ نَقَضَ الْكَلْبُ الْعَهْدَ لِإِيَاسِهِ مِنْ كَرِّ الرَّشِيدِ فِي الْبَرْدِ، فَلَمْ يَجْسُرْ أَحَدٌ أَنْ يُبَلِّغَ الرَّشِيدَ نَقْضَهُ، بَلْ قَالَ فِي ذَلِكَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ التَّيْمِيُّ [٣] :

نَقَضَ الَّذِي أَعْطَيْتَهُ نِقْفُورُ ... فَعَلَيْهِ دَائِرَةُ الْبَوَارِ تَدُورُ [٤]

أَبْشِرْ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ فَإِنَّهُ ... غُنْمٌ أَتَاكَ بِهِ الإِلَهُ كَبِيرُ [٥]

وَقَالَ أَبُو الْعَتَاهِيَةِ أَبْيَاتًا [٦] ، وَعُرِضَتْ عَلَى الرَّشِيدِ، فَقَالَ: أَوَ قَدْ فَعَلَهَا؟

فَكَرَّ رَاجِعًا فِي مَشَقَّةٍ شَدِيدَةٍ حَتَّى أَنَاخَ بِفِنَائِهِ، فَلَمْ يَبْرَحْ حَتَّى بَلَغَ مُرَادَهُ، وَحَازَ جِهَادَهُ، وَفِي ذَلِكَ يَقُولُ أَبُو الْعَتَاهِيَةِ:

أَلا نَادَتْ هِرَقْلَةُ بِالْخَرَابِ ... مِنَ الْمَلِكِ الْمُوَفَّقِ للصواب


[١] عند الطبري وغيره: «ما تراه دون ما تسمعه» ، وهنا مثل الأغاني.
[٢] تاريخ الطبري ٨/ ٣٠٨، العيون والحدائق ٣/ ٣١٠، الكامل في التاريخ ٦/ ١٨٥، نهاية الأرب ٢٢/ ١٤٩، المختصر في أخبار البشر ٢/ ١٧، البداية والنهاية ١٠/ ١٩٤، دول الإسلام ١/ ١١٩، مآثر الإنافة ١/ ١٩٥، تاريخ الخلفاء ٢٨٨، تاريخ مختصر الدول ١٢٩، الأغاني ١٨/ ٢٣٩، مرآة الجنّان ١/ ٤٠٣.
[٣] يكنى أبا محمد، ويقال: هو الحجاج بن يوسف التيمي. (الطبري ٨/ ٣٠٨) .
[٤] بعد هذا البيت أورد ابن الأثير:
فتح يزيد على الفتوح يؤمّنا ... بالنصر فيه لواؤك المنصور
[٥] البيتان من أبيات كثيرة في تاريخ الطبري ٨/ ٣٠٨، ٣٠٩ ونهاية الأرب ٢٢/ ١٥٤، ١٥٥ ومروج الذهب ١/ ٣٣٠، ٣٣١، وأورد ابن الأثير في الكامل (٦/ ١٨٦) ثلاثة أبيات، وفي العيون والحدائق ٣/ ٣١٠ البيت الأول فقط، وفيه:
وعليه دائرة المنون تدور وفي نهاية الأرب ٢٢/ ١٥٠ ثلاثة أبيات مثل الكامل، وفيه «فتح أتاك» بدل «غنم أتاك» وفي تاريخ الخلفاء ٢٨٩ بيتان.
[٦] انظر الأبيات في: تاريخ الطبري ٨/ ٣٠٩، ٣١٠، والأغاني ١٨/ ٢٤٠.