للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

عليه، فتقدّم وهم يستدرجونه، حتّى صار في وسط المصافّ [١] ، في طائفة قليلة، فانكشف أصحابه، وأسر منهم جماعة، وأبلى ابن ياقوت، وهارون بن غريب بلاء حسنا، وكان معظم جيش مؤنس الخادم البربر، فجاء علي بن بليق [٢] فترجّل وقال: مولاي أمير المؤمنين، وقبّل الأرض، فعطف جماعة [من البربر] [٣] إلى نحو المقتدر، فضربه رجل من خلفه ضربة سقط إلى الأرض، وقيل: رماه بحربة وحزّ رأسه بالسيف، وحمل على رمح، ثم سلب ما عليه، وبقي مهتوك العورة حتى ستر بالحشيش، ثم حفر له حفرة، فطم وعفا أثره، وذلك لثلاث بقين من شوال.

وهو أبو الفضل جعفر بن المعتضد بالله أحمد بن الموفق طلحة بن المتوكل بن المعتصم العباسي [٤] ، وفي أيامه اضمحلت دولة الخلافة العباسية وصغرت، وسمع أمير الأندلس بذلك، فقال: أنا أولى بإمرة المؤمنين، فلقّب نفسه أمير المؤمنين الناصر لدين الله عبد الرحمن، وبقي في الخلافة إلى سنة خمسين وثلاثمائة. ولا شك أن حرمته ودولته كانت أمتن من دولة المقتدر ومن بعده، وقد خلع المقتدر مرتين وأعيد، وكان ربعة جميل الصورة، أبيض مشربا حمرة، أسرع الشيب إلى عارضيه، وعاش ثمانيا وثلاثين سنة، وكانت خلافته خمسا وعشرين سنة إلا أياما، وكان جيد العقل والرأي، لكنه كان يؤثر اللعب والشهوات، غير ناهض بأعباء الخلافة. كانت أمّه، وخالته، والقهرمانة يدخلن في الأمور الكبار، والولايات، والحلّ، والعقد.


[١] قال ابن منظور: المصفّ: الموقف في الحرب، والجمع المصاف. انظر «لسان العرب» (صفف) .
[٢] تحرّف في «العبر» إلى «علي بن يلبق» فيصحح فيه، وانظر «الكامل في التاريخ» لابن الأثير (٨/ ٢٥١) و «صلة تاريخ الطبري» ص (٢٧٢ و ٢٧٣) .
[٣] ما بين حاصرتين زيادة من «العبر» .
[٤] للتوسّع في دراسة حياته راجع «مروج الذهب» للمسعودي (٤/ ٢٩٢- ٣١١) و «الأعلام» للزركلي (٢/ ١٢١) ومصادره.

<<  <  ج: ص:  >  >>