للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

اللّثام، لأنه كان يلبس لثامين ولا يفارقهما، ولم يتزوج قطّ، واشتهر بالعطّاب لكثرة عطب من يؤذيه [ثمّ لزم الصّمت، فكان لا يتكلّم إلّا بإشارة وتولّه، فحصل له جمعية على الحقّ فاستغرق إلى الأبد] [١] . وكان عظيم الفتوة.

قال المتبولي [٢] : قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ما في أولياء مصر بعد محمد بن إدريس [٣] أكبر فتوّة منه، ثمّ نفيسة [٤] ثم شرف الدّين الكردي ثم المنوفيّ» [٥] انتهى. وكان يمكث أربعين يوما لا يأكل ولا يشرب ولا ينام، وأكثر أوقاته شاخصا ببصره نحو السماء، وعيناه كالجمرتين، ثم سمع هاتفا يقول ثلاثا: قم واطلب مطلع الشّمس، فإذا وصلته، فاطلب مغربها، وسر إلى طندتا [٦] فإن فيها مقامك أيّها الفتى، فسار إلى العراق، فتلقاه العارفان الكيلاني، والرّفاعي- أي بروحانيتهما- فقالا: يا أحمد! مفاتيح العراق، والهند، واليمن والشرق والغرب [٧] بيدنا فاختر أيّها شئت. فقال: لا آخذ


[١] ما بين الحاصرتين لم يرد في «ط» و «المنتخب» لابن شقدة.
[٢] هو إبراهيم بن علي بن عمر الأنصاري المتبولي، برهان الدّين، صالح مصري. كان للعامة فيه اعتقاد وغلوّ. كانت شفاعته عند السلطان والأمراء لا تردّ، وله برّ ومعروف. أنشأ جامعا كبيرا بطنطا (طندتا) وأنشأ برجا بدمياط، وأنشأ ببركة الخبّ حوضا وسبيلا وبستانا. فال ابن إياس: كان نادرة عصره وصوفيّ وقته. توفي سنة (٨٧٧ هـ) عن نحو ثمانين سنة وخلّف كتابا سمّاه «الأخلاق المتبولية» . انظر «بدائع الزهور» (٣/ ٨٨) بتحقيق الأستاذ محمد مصطفى، و «الضوء اللّامع» (١/ ٨٥- ٨٦) و «الأعلام» (١/ ٥٢) الطبعة الرابعة.
[٣] يعني الإمام محمد بن إدريس الشافعي رحمه الله تعالى.
[٤] يعني السيدة نفيسة بنت الحسن بن زيد بن الحسن بن علي بن أبي طالب، صاحبة المشهد المعروف بمصر، رحمها الله تعالى. انظر «الأعلام» (٨/ ٤٤) .
[٥] أقول: هذا وما يتلوه في هذه القصة من شطحات الصّوفية التي ما أنزل الله بها من سلطان. (ع) .
[٦] وهي المعروفة الآن ب «طنطا» وقد تحرفت في «الضوء اللّامع» (١/ ٨٥) إلى «طنتدا» وتبعه على ذلك العلّامة الزركلي في «الأعلام» (١/ ٥٢) فتصحح. انظر «بدائع الزهور» (١/ ١/ ٣٣٦ و ٤٦٣) والقسم الثالث من فهارسه صفحة (٢٨٩) .
[٧] كذا في «آ» و «المنتخب» لابن شقدة (١٨٧/ ب) : «والشرق والغرب» وفي «ط» : «والمشرق والمغرب» .

<<  <  ج: ص:  >  >>