للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ص:  >  >>

واجتمع إليهم ناس كثيرون، وقصدوا دار الإمارة فتحصّن منهم عاملها، فكسروا السّجون وأخرجوا من بها. وبويع الحسين بن عليّ- عليه السّلام- ثمّ نما أمرهم، فأرسل إليهم محمّد بن سليمان- وقالوا: سليمان بن المنصور- في عسكر فالتقوا بموضع يقال له فخّ بين مكّة والمدينة، فاقتتلوا قتالا شديدا، ثمّ قتل الحسين بن عليّ- رضي الله عنه- وحمل رأسه إلى موسى الهادي، فلمّا وضع الرأس بين يديه قال لمن أحضره: كأنكم قد جئتم برأس طاغوت من الطواغيت! إنّ أقلّ ما أجزيكم به حرمانكم. ولم يطلق لهم شيئا.

وكان الحسين بن عليّ- رضي الله عنه- صاحب فخّ شجاعا كريما. قدم على المهديّ فأعطاه أربعين ألف دينار، ففرّقها في الناس ببغداد والكوفة، وخرج من الكوفة لا يملك ما يلبسه إلا فروا ما تحته قميص (رضي الله عنه وسلّم عليه) .

ولم تطل مدّة الهادي، فيقال: إن أمّه الخيزران أمرت جواريها بقتله، فجلسوا على وجهه حتّى مات. وسبب ذلك قد اختلف فيه، فقيل. إنّ الخيزران كانت متبسّطة [١] في دولة المهديّ تأمر وتنهى، وتشفع وتبرم وتنقض، والمواكب تروح وتغدو إلى بابها. فلمّا ولي الهادي وكان شديد الغيرة كره ذلك، وقال لها: ما هذه المواكب التي يبلغني أنها تغدو وتروح إلى بابك؟ أما لك مغزل يشغلك، أو مصحف يذكّرك، أو بيت يصونك؟ والله- وإلا أنا نفي من قرابة رسول الله- صلى الله عليه وسلّم- لئن بلغني أنه وقف ببابك أحد قوّادي وخاصّتي لأضربنّ عنقه ولأقبضنّ ماله. ثمّ قال لأصحابه: أيّما خير، أنا وأمّي أم أنتم وأمّهاتكم؟

قالوا: بل أنت وأمّك، قال: فأيّكم يحبّ أن يتحدّث الرّجال بخبر أمّه فيقال: فعلت


[١] متبسّطة: متسلّطة، متحكّمة.

<<  <   >  >>