للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

المارقة، ولكنك تحب طول بقائهم لتأكل الأرض حولك، وقد بعثت إليك البراء بن قبيصة لينهضك إليهم إذا قدم عليك بجميع المسلمين، ثم جاهدهم أشد الجهاد، وإياك والعلل.

فأخرج المهلب الكتائب، وأقام البراء على تل، وقاتل الخوارج من بكرة إلى نصف النهار، فقال له البراء: والله ما رأيت كتائب ككتائبك، ولا فرسانا كفرسانك، ولا رأيت مثل قوم يقاتلونك أصبر منهم، أنت والله المعذور. ثم عاد وقت العصر، فقاتل حتى حجز الليل بينهم.

وكتب المهلب إلى الحجاج: أتاني كتاب الأمير واتهامه إياي في هذه المارقة، وقد رأى الرسول ما فعلت، فو الله لو قدرت على استئصالهم ثم أمسكت عن ذلك لقد غششت المسلمين.

ثم قاتلهم المهلب ثمانية عشر شهرا، ثم إن رجلا منهم كان عاملا لقطري على ناحية من كرمان قتل رجلا كان ذا بأس من الخوارج، فوثب الخوارج إلى قطري وقالوا:

أمكنا منه لنقتله بصاحبنا، فقال: ما أرى أن أقتل رجلا تأول فأخطأ في التأويل، قالوا:

بلى، قال: لا، فوقع الاختلاف بينهم، فولوا عبد رب الكبير وخلعوا قطريا، فلم يبق معه إلا ربعهم أو خمسهم، فجعلوا يقتتلون فيما بينهم نحوا من شهر غدوة وعشية [فكتب بذلك المهلب إلى الحجاج وقال: إني أرجو أن يكون اختلافهم سببا لهلاكهم] [١] .

فكتب إليه الحجاج: ناهضهم على اختلافهم قبل أن يجتمعوا. فكتب إليه المهلب.

لست أرى أن أقاتلهم ما دام يقتل بعضهم بعضا، فإن أتموا على ذلك فهو الذي نريد، وإن اجتمعوا لم يجتمعوا إلا وقد رقق بعضهم بعضا، فيكونون أهون شوكة.

فسكت عنه الحجاج- ثم إن قطريا خرج بمن اتبعه نحو طبرستان، وبايع عامتهم عبد رب الكبير، فنهض المهلب فقاتلوه قتالا شديدا، ثم إن الله تعالى قتلهم فلم ينج منهم إلا القليل، وأخذ عسكرهم وما فيه.


[١] ما بين المعقوفتين: ساقط من الأصل، أوردناه من ت.

<<  <  ج: ص:  >  >>