فصول الكتاب

<<  <   >  >>

وأهل هلال ذي القعدة ليلة السبت، وسافرنا منه ضحوة يوم السبت، ونزلنا منازل بالطريق إلى أن وافينا تبوك ظهر يوم الجمعة السابع لذي قعدة، وهي أدنى أرض الشام إلى المدينة، وضبط هذا الاسم بفتح التاء المثناة من فوق في أوله، وهي أقصى أثر رسول الله صلى الله عليه وسلم، وحين دنونا منها بأميال خمسة أو ستة عبأ الناس الجيش وتزينوا بالأسلحة، ورتبت الرجال والفرسان وخلفهم الرواحل ونزل كثير من الناس عن رواحلهم، وساروا بها يسوقونها منتسقة، وعبؤوها بجزل الحطب حتى كأنها مراكب بحرية موسقة، وذلك لتعذر الحطب بأرض تبوك إلا على بعد منها.

ويذكر الناس أنهم يعبئون الجيش عند دخولها، عادة لهم يزعمون فيها الاقتداء لأنه صلى الله عليه وسلم دخلها كذلك، والله أعلم.

ولا شك أنه انتهى إليها صلى الله عليه وسلم وأقام بها ولم يتجاوزها، وكانت مدة إقامته بها فيما ذكر الرواة عشرين ليلة، وهي آخر غزوة غزاها رسول الله صلى الله عليه وسلم بنفسه سنة تسع من الهجرة، أذن فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم للمسلمين في غزو الروم، وذلك في شهر رجب من السنة، وعاد صلى الله عليه وسلم إلى المدينة في شهر رمضان ولم يلق حربا.

وكانت له بهذه الوجهة صلى الله عليه وسلم معجزات: منها المعجزة الباقية آثارها ما بقي الدهر، وهي

أَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عِنْدَمَا شَارَفَهَا أَوْ دَنَا مِنْهَا، قَالَ: " إِنَّكُمْ

سَتَأْتُونَ غَدًا إِنْ شَاءَ اللَّهُ عَيْنَ تَبُوكَ، وَإِنَّكُمْ لَنْ تَأْتُوهَا حَتَّى يَضْحَى النَّهَارُ، فَمَنْ جَاءَهَا فَلا يَمَسَّنَّ مِنْ مَائِهَا شَيْئًا حَتَّى آتِيَ، فَجِئْنَاهَا وَقَدْ سَبَقَنَا إِلَيْهَا رَجُلانِ، وَالْعَيْنُ مِثْلُ الشِّرَاكِ تَبُضُّ بِشَيْءٍ مِنْ مَاءٍ، فَسَأَلَهُمَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: هَلْ مَسَسْتُمَا مِنْ مَائِهَا شَيْئًا؟ فَقَالا: نَعَمْ.

<<  <   >  >>