للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ص:  >  >>
مسار الصفحة الحالية:

"وبعد انتقال النبي ، كان علم عائشة قد بلغ ذروة الإحاطة والنضج، في كل ما اتصل بالدين من قرآن وحديث وتفسير وفقه. . . ومع حمل الأصحاب إلى الأمصار طائفة صالحة من الأحاديث والأحكام حتى كانوا ثمة مرجع طلاب العلم ورواة الحديث، بقيت المدينة - لأسباب أهمها وجود عائشة - دار الحديث ومنبع العلم. فحين يُشكل على أهل الأمصار أمر من الأمور، يكتبون إلى أصحاب رسول الله في الحجاز يسألونهم عن حكم الله فيه، فكان هؤلاء إذا فاتهم علم شيء، رجعوا إلى علماء بينهم اشتهروا بحمل العلم وفقهه كعبد الله بن عمر وأبي هريرة وعبد الله بن عمرو وعروة وعبد الله ابني الزبير. . . تروى عنهم الأحاديث وتنشر الأحكام، حتى صاروا مقصد الرواد. ومقام السيدة بينهم مقام الأستاذ من تلاميذه، فكان عمر بن الخطاب يحيل عليها كل ما تعلق بأحكام النساء أو بأحوال النبي البيتية، لا يضارعها في هذا الاختصاص أحد من الرجال ولا النساء.

ويصل إلى مسمع السيدة عن أولئك العلماء روايات وأحكام على غير وجهها، فتصحح لهم ما أخطؤوا فيه أو خفي عليهم، حتى عرف ذلك عنها فصار من شك في رواية أتى عائشة سائلا، وإن كان بعيدًا كتب إليها يسألها (١). ومن هنا طار لها ذلك الصيت في التمكن من العلم، ورجع إلى قولها كبار الصحابة كأبيها أبي بكر وعمر وابنه وأبي هريرة وابن عباس وابن الزبير. . . وصار معاوية في خلافته يكتب إليها سائلا عن حكم أو حديث أو شيء من فعل النبي ، ولا يطمئن إلى يقين مما يسمع من غيرها حتى يرد عليه جوابها فيبرد صدره (٢) وستجد أن خطأ الصحابة كثيرًا ما يرجع إلى أنهم حضروا آخر الحديث وفاتهم أوله. وسترى في كل ما تستدرك: صحة النظر وصواب النقد وحضور الحفظ وجودة النقاش. وأغلب الأسباب في تخبط الروايات أن الرواة يستنبطون الحكم من


(١) انظر مسند أحمد ج ٦
(٢) مسند أحمد ج ٦ ص ٨٧

<<  <   >  >>