فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

عمر وقال: افتد نفسك وإلا أمرته أن يلطمك، فقال جبلة: كيف ذلك وأنا ملك وهو سوقة، فقال عمر: إِن الإسلام جمعكما وسوى بين الملك والسوقة في الحد. فقال جبلة: كنت أظن أني بالإسلام أعز مني في الجاهلية. فقال عمر: دع عنك هذا. فقال جبلة أتنصر. فقال عمر: إِن تنصرت ضربت عنقك. فقال أنظرني ليلتي هذه، فأنظره، فلما جاء الليل سار جبلة بخيله ورجاله إِلى الشام، ثم صار إِلى القسطنطينية، وتبعه خمس مائة رجل من قومه، فتنصروا عن آخرهم، وفرح هرقل بهم وأكرمه، ثم ندم جبلة على فعله ذلك وقال:

تنصرت الأشراف مِنْ عار لطمة ... وما كان فيها لو صبرت لها ضرر

تكنفنيَ فيها لجاج ونخوة ... وبعت لها العينَ الصحيحة بالعورْ

فيا ليتَ أمي لم تلدني وليتني ... رجعت إِلى القولِ الذي قاله عمرْ

وكان قد مضى رسول عمر إلى هرقل، وشاهد ما هو فيه جبلة من النعمة، فأرسل جبلة خمس مائة دينار لحسان ابن ثابت، وأوصلها عمر إليه، ومدحه حسان ابن ثابت بأبيات منها:

إِن ابن جفنة من بقية معشرِ ... لم يعرُّهم أباؤهم باللوم

لم ينسني بالشام إذ هَو ربها ... كلا ولا متنصراً بالروم

يعطي الجزيل ولا يراه عنده ... إِلا كبعض عطية المذموم

ثم دخلت سنة سبع عشرة فيها اختطت الكوفة، وتحوّل سعد إليها، وفي هذه السنة اعتمر عمر وأقام بمكة عشرين ليلة، ووسع في المسجد الحرام، وهدم منازل قوم أبوا أن يبيعوها، وجعل أثمانها في بيت المال، وتوج أم كلثوم بنت علي ابن أبي طالب، وأمها فاطمة رضي الله عنهما.

وفي هذه السنة كانت واقعة المغيرة بن شعبة، وهي أن المغيرة كان عمر قد ولاه البصرة، وكان في قبالة العليّة التي فيها المغيرة بن شعبة، علية فيها أربعة وهم: أبو بكرة مولى النبي صلى الله عليه وسلم، وأخوه لأمه زياد بن أبيه، ونافع بن كلدة، وشبل بن معبد، فرفعت الريح الكوة عن العلية، فنظروا إِلى المغيرة وهو على أم جميل بنت الأرقم بن عامر بن صعصعة، وكانت تغشى المغيرة، فكتبوا إلى عمر بذلك، فعزل المغيرة واستقدمه مع الشهود، وولى البصرة أبا موسى الأشعري، فلما قدم إِلى عمر، شهد أبو بكرة ونافع وشبل على المغيرة بالزنا، وأما زياد بن أبيه فلم يفصح شهادة الزنا، وكان عمر قد قال، قبل أن يشهد: أرى رجلاً أرجو أن لا يفضح الله به رجلا من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال زياد: رأيته جالساً بين رجلي امرأة ورأيت رِجلين مرفوعتين كأذني حمار، ونفساً يعلو وإستاً تنبو عن ذكر، ولا أعرف ما وراء ذلك. فقال عمر هل رأيت الميل في المكحلة؟ قال: لا. فقال: هل تعرف المرأة؟ قال: لا. ولكن أشبهها. فأمر عمر بالثلاثة الذين شهدوا بالزنا أن يحدوا حد القذف، فجلدوا، وكان زياد أخا أبي بكرة لأمه،

<<  <  ج: ص:  >  >>