للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

وأما رأيي في الاتفاق فهو قاعدة المنار الذهبية التي بيناها مرارًا وهي:

(أن نتعاون على ما نتفق عليه، ويعذر بعضنا بعضًا فيما نختلف فيه) (١)

، فأهل السنة متفقون مع الشيعة على أركان الإسلام الخمسة، وعلى تحريم الفواحش ما ظهر منها وما بطن، وعلى محبة آل البيت عليهم السلام وتعظيمهم، وعلى جميع المصالح الوطنية من سياسية واقتصادية، وفي البلاد العربية على إعلاء شأن الأمة العربية ولغتها.. إلخ واستقلال بلادها وعمرانها، فيجب أن يتعاونوا على ذلك كله.

وهم يختلفون في مسألة الإمامة (وقد مضى وانقضى الزمن الذي كان فيه هذا الخلاف عمليًّا) وفي المفاضلة بين الخلفاء الراشدين رضي الله عنهم، وفي عصمة الأئمة الاثني عشر، مع مسائل أخرى تتعلق بصفات الله تعالى وفيما دون ذلك من الفروع العملية، فلكلٍّ من الفريقين أن يعتقد ما يطمئن إليه قلبه، ويعمل بما يقوم عنده الدليل على ترجيحه أو يقلد فيه من يثق بهم من العلماء، وأن يبين ذلك قولاً وكتابةً من غير طعن في عقيدة الآخر ولا في الصحابة وأئمة العلماء المجتهدين والمحدثين.

كما فعل بعض


(١) نعم يجب أن نتعاون فيما اتفقنا عليه من نصر الحق والدعوة إليه والتحذير مما نهى الله عنه ورسوله، أما عذر بعضنا لبعض فيما اختلفنا فيه فليس على إطلاقه بل هو محل تفصيل، فما كان من مسائل الاجتهاد التي يخفى دليلها فالواجب عدم الإنكار فيها من بعضنا على بعض، أما ما خالف النص من الكتاب والسنة، فالواجب الإنكار على من خالف النص بالحكمة والموعظة الحسنة والجدال بالتي هي أحسن عملا بقوله تعالى {وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلاَ تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ} وقوله سبحانه {وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ الآية} وقوله عز وجل {ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ} وقول النبي صلى الله عليه وسلم كما في صحيح مسلم (٤٩) : ((من رأى منكم منكرا فليغيره بيده فإن لم يستطع فبلسانه فإن لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الإيمان)) ، وقوله صلى الله عليه وسلم كما في صحيح مسلم أيضاً (١٨٩٣) : ((من دل على خير فله مثل أجر فاعله أخرجهما مسلم في صحيحه)) . والآيات والأحاديث في هذا المعنى كثيرة.
وإذا كان العاقل هو من يتلمح العواقب؛ فكيف يُسكت - إذا كان السكوت هو مقتضى المعذرة - عن خلاف يُفضي لرواج البدع والأهواء والأخطاء والضلالات؟! قال ابن قتيبة رحمه الله: ((وإنما يقوى الباطل بالسكوت عنه)) ، فالوحدة والجماعة في شرعنا لا ينبغي أن تبنى على مداراة الباطل وكتمان الحق حفاظاً على المشاعر، فيكون التسالم على ترك المعروف وإقرار المنكر. بل على العكس؛ فإن هذا هو أساس الفرقة مهما بدا أصحابه في ظاهرهم مجتمعين موحدين! ورحم الله القائل:
لا تطمعوا أن تهينونا ونكرمكم ... وأن نكف الأذى عنكم وتؤذونا

<<  <  ج: ص:  >  >>