للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ص:  >  >>

من الكافر الإيمان وإن لم يقع إلا الكفر، إن وقع، وكذا أراد من الفاسق الطاعة لا الفسق، حتى زعموا أن أكثر ما يقع من عباده على خلاف مراد الله، تعالى عن ذلك.

وظاهر عقيدتهم إرادة تنزيه الله تعالى، ولكننا سنعرف عندما نعرض لآراء أهل السنة، كم أخطأوا وشذوا، لأنهم لم ينتبهوا إلى التمييز بين الأمر والرضا والمحبة إذ الأخيرة لا تكون إلا في الخير، ولكن الإرادة قد تكون في غيره فهي تتعلق بكل ممكن كما يذكر ابن تيمية. قال الله تعالى: (وَلَا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ) [الزمر، الآية: ٧] ، (إِنَّ اللَّهَ لَا يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ) [الأعراف، الآية: ٢٨] فإن قيل، قد قال الله تعالى (يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ) [البقرة، الآية: ١٨٥] وقال: (وَإِذَا أَرَدْنَا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا) [الإسراء، الآية: ١٦] ، فالمقصود هنا أن الإرادة التي تعنيها هي الإرادة الكونية المتصلة بالحكمة من خلق العالمين.

وأما الإرادة الدينية المتصلة بالأوامر الشرعية فهي ترادف الرضا والمحبة.

وربما يلخص لنا موقف المعتزلة عبارة القاضي عبد الجبار في قوله: (سبحان من تنزه عن الفحشاء) ، بينما يعبر عن اتجاه أهل السنة والجماعة رد أبي إسحاق السفاريني "سبحان من لا يقع في ملكه إلا ما يشاء) (١) وللقارئ مزيد إيضاح: الإيمان بالقدر وعلاقته بالإرادة الإنسانية:

من أفضل ما نستهل به هذا الموضوع، هو إجابة السؤال الذي وجه إلى جعفر الصادق رضي الله عنه عندما سئل عن قول الله تعالى: (أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ) [المؤمنون، الآية: ١١٥] لم خلق الله الخلق؟

فأجاب: لأن الله كان محسنًا بما لم يزل فيما لم يزل، فأراد الله أن يفيض إحسانه إلى خلقه وكان غنيًا عنهم، لم يخلقهم لجر منفعة ولا لدفع مضرة، ولكن خلقهم وأحسن إليهم فأرسل إليهم الرسل ليفصلوا بين الحق والباطل فمن أحسن كافأه الجنة ومن عصى كافأه النار (٢) .

ويشرح "ابن القيم" أنواع الابتلاءات التي يتعرض لها الإنسان أثناء حياته في


(١) شرح عقيدة السفاريني ص ٢٣١: ٢٣٢.
(٢) ابن تيمية: شرح حديث النزول ص ١٥٩ منشورات المكتب الإسلامي ١٣٨٩ هـ / ١٩٦٩ م.

<<  <   >  >>