<<  <   >  >>

كذلك الدعوة الاسلامية التى تكلفتم بها والجهاد الذى أخذتموه على عواتقكم يفرض عليكم ـ أيها السادة ـ إنشاء جيل جديد للإسلام جديد فىقوة إيمانه جديد فى حماسته وثقته جديد فى أخلاقه جديد فى تفكيره وعقليته جديد فى كفايته العلمية واستعداده العقلى وإن نجاحكم فى هذا الانتاج البشرى مقياس نجاحكم فى مهمتكم ودعوتكم فكلما كان نجاكم كبيرا فى إيجاد هذا الجيل وتكوين هذا الشباب كان نجاحكم باهرا فى دعوتكم ورسالتكم ومعلوم عند حضراتكم أن إنشاء الجيل الجديد أو تقويم الجيل المعاصر ـ الذى لم يفقد صلاحيته ونموه ـ ليس بالأمر الهين إنها مهمة لتنوء بالعصبة أولى القوة إنها تحتاج الى تكريس الجهود وتركيز القوى على هذه الغاية والتفكير العميق الواسع والتعاون الشامل والتصميم الحكيم إنها تتطلب أساليب التربية الحكيمة العميقة الأثر وجهود عملية فى ميدان الدعوة والاصلاح إنها تتطلب حركة التأليف والانتاج الواسعة ومقدارا كبيرا من الابتكار إنها تتطلب وضع منهاج جديد على أساس جديد للدراسات ومثالا جديدا من المدارس والكليات والجامعات ومؤلفات ومنشورات جديدة فى شرح الدين الاسلامى وعرض الفكرة الاسلامية وتأليفات جديدة فى السيرة النبوية وتدوينا جديدا للتاريخ الاسلامى وسبكا جديدا للعلوم الاسلامية وتفسيرا جديدا للعلوم الكونية وتلقيحا علميا جديدا وطرازا جديدا للصحافة والادب والروايات والشعر إنكم ايها السادة أمام أنقاض عقلية وركام بشرى وخامات مهملة تبنون بها بيتا جديدا وتصنعون بها سفينة جديدة تمخر عباب الحوادث والموانع إنكم ستبدأون فى عمل جديد وجهاد جديد يستغرق منكم وقتا طويلا ويستنفد جهودا عظيمة وذلك وإن كان عملا شاقا طويلا متعبا مملا متشعبا ولكن لا بد من أنجاز هذا العمل ومن مواجهة هذه الحقيقة والتغلب على العقبات التى تعترض سبيلها.

هذه مزايا الدعوة النبوية أيها السادة ومزايا الدعوة التى تكون على قدم النبوة وواجباتها وبذلك تمتاز دعوتكم عن الحركات القومية والاصلاحات الاجتماعية والثورات السياسية والاقتصادية.

ومن هذه المنابع تستمد دعوتكم القوة والروح وتستحق من الله النصر وتجلب الرحمة فلنحافظ عليها محافظتنا على الشعائر والعقيدة ولنحرص عليها حرصنا على الحياة والقوة.

عندكم أيها السادة ثروة ضخمة من الصدق والايمان والحب والاخلاص ليست عند الدول الكبيرة والامم العظيمة عند كم أمانة مقدسة جدا أمانة القلوب التى تجتمع على حبكم وتدين بولائكم وتثق بقيادتكم هذه الأمانة التى خلفها لكم الإمام الراحل فأحسنوا القيام عليها واخلفوه فيها.

إن نكبة الدعوة بفقد داعيها الأول ومؤسسها العظيم كانت ـ من غير شك ـ نكبة عظيمة وخسارة فادحة ولكن كل نكبة أيسر وكل خسارة أهون من وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد أصيب بها المسلمون بما لم يصب به جماعة أو فرد لشدة تعلق قلوبهم برسولهم صلى الله عليه وسلم واجتمعت لهم يومئذ مصائب لم تجتمع قبل ولن تجتمع بعد فلننظر كيف تلقاها الصحابة رضى الله تعالى عنهم.

لقد أعد الله سبحانه وتعالى لهذه المرحلة القاسية والمحنة الشديدة الصحابة رضى الله تعالى عنهم من قبل سنين فلما طار فى الناس يوم أحد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد قتل سقط فى أيديهم وفقد كثير منهم شعورهم وخذلتهم قواهم ولم يستطيعوا أن يتحملوا هذه الصدمة ثم تحقق أن الشائعة كانت غير صحيحة ورسوله الله صلى الله عليه وسلم حى فانتعشت قواهم ولكن الله تعالى قد أعدهم فى ذلك الوقت ليتلقوا نبأ وفاة الرسول صلى الله عليه وسلم فى صبر وجلد وربطهم بالدعوة وذكر أن الداعى صلى الله عليه وسلم تجرى عليه سنة الله فى خلقه فيرحل عن هذا العالم كما رحل من قبله من المرسلين فقال: {وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل أفإن مات أو قتل انقلبتم على أعقابكم ومن ينقلب على عقبيه فلن يضر الله شيئا وسيجزى الله الشاكرين} [آل عمرآن:144]

وكان ذلك فلما حدث برسول الله صلى الله عليه وسلم حادث الوفاة تماسك المسلمون وعلى رأسهم خليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم أبو بكر الصديق فما وهنوا وما استكانوا ولم ينقلبوا على أعقابهم ولم يخذلوا الاسلام ولم يخذلوا الدعوة واجتمعت على الاسلام محن وخطوب لم تجتمع من قبل ولن تجتمع من بعد " فقد ارتدت العرب إما عامة وإما خاصة فى كل قبيلة ونجم النفاق وارأبت اليهود والنصارى والمسلمون كالغنم فى الليلة المطيرة الشاتية لفقد نبيهم صلى الله عليه وسلم وقلتهم وكثرة عددهم ".

<<  <   >  >>
تعرف على الموسوعة الشاملة للتفسير