للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

وقد قال تعالى لأفضل خلقه: {قُلْ إِنِّي لَا أَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلَا رَشَدًا (٢١)} إلى قوله: {قُلْ إِنْ أَدْرِي أَقَرِيبٌ مَا تُوعَدُونَ أَمْ يَجْعَلُ لَهُ رَبِّي أَمَدًا (٢٥) عَالِمُ الْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا (٢٦) إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَدًا} (١) [الجن: ٢١ - ٢٧]، وقال له: {قُلْ لَا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزَائِنُ اللَّهِ وَلَا أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلَا أَقُولُ لَكُمْ [م ٥] إِنِّي مَلَكٌ إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ} [الأنعام: ٥٠].

ثم لو قُدِّر أنَّ هذا الدعاء يَسُوغ (٢) أن يدعوَ به نبيٌّ ــ وإن كان هذا تقديرًا ممتنعًا ــ فهل يسوغ أن يُشرع (٣) لآحاد العامَّة أن يدعو بهذا؟ وهل هذا إلا كمن يقول: اللهم اجعلني أعلمُ ما تَعْلَم، واجعلني مثلك؟!

ولهذا كان طائفة من المنتسبين إلى الشاذلي يقولون: إنَّ الغَوثَ الفَرْدَ القطبَ الجامعَ يعلم ما يعلمه الله، ويَقْدر على ما يقدر عليه (٤)!!

ويقولون:


(١) سياق الآيات في (ت): {قُلْ إِنِّي لَنْ يُجِيرَنِي مِنَ اللَّهِ أَحَدٌ وَلَنْ أَجِدَ مِنْ دُونِهِ مُلْتَحَدًا} إلى قوله: {فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا (٢٦) إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ} الآية.
(٢) (ت): «يُشرع».
(٣) «أن يشرع» من (ت).
(٤) وقد نُقِل عن الشاذلي نفسه في أوصاف «الغوث الفرد ... » ما هو من صفات الألوهية، وما لا يمكن أن يكون في طاقة البشر. وقد وصف غير واحد من تلاميذ الشاذلي شيخَهم بذلك الوصف. انظر «لطائف المنن» (ص ٧٦ وما بعدها) لابن عطاء الله السكندري، و «الطبقات الكبرى»: (٢/ ٤، ٧) للشعراني، و «أبو الحسن الشاذلي»: (١/ ١٩٣) لعلي عمار.
وقيل: إن الشاذلي ادعى هذه المنزلة ــ أي: الغوث الفرد القطب الجامع ــ لنفسه، فنُقِل عنه أنه قال: سألت الله أن يكون القطب الغوث في بيتي إلى يوم القيامة، فسمعت النداء: يا علي قد اسْتُجِيب لك! انظر «المفاخر» (ص ١٠٥)، ونحوه في «لطائف المنن» (ص ٧٦).
قال شيخ الإسلام في «مجموع الفتاوى»: (٢٧/ ١٠٢): «وأما إن قصد القائل بقوله: «القطب الغوث الفرد الجامع» أنه رجل يكون أفضل أهل زمانه فهذا ممكن، لكن من الممكن أيضًا أن يكون في الزمان اثنان متساويان في الفضل وثلاثة وأربعة، ولا يجزم بأن لا يكون في زمان أفضل الناس إلا واحدًا، وقد تكون جماعة بعضهم أفضل من بعض من وجه دون وجه، وتلك الوجوه إما متقاربة وإما متساوية.

ثم إذا كان في الزمان رجل هو أفضل أهل الزمان، فتسميته بـ «القطب الغوث الجامع» بدعة ما أنزل الله بها من سلطان، ولا تكلم بهذا أحد من سلف الأمة وأئمتها، وما زال السلف يظنون في بعض الناس أفضل أو من أفضل أهل زمانه ولا يطلقون عليه هذه الأسماء التي ما أنزل الله بها من سلطان» اهـ. وانظر «فتوى في الغوث والقطب والأبدال والأوتاد - ضمن جامع المسائل»: (٢/ ٧١ وما بعدها).