<<  <   >  >>

[الفصل الثاني: الفصحى بين الجمود والتحرر]

العربية الفصحى لها ظرف خاص، لم يتوفر لأية لغة من لغات العالم. وهذا الظرف يجعلنا نرفض ما ينادي به بعض الغافلين -عن حسن نية، أو سوء نية أحيانا- من ترك الحبل على الغارب للعربية الفصحى، لكي تتفاعل مع العاميات، تأخذ منها وتعطي، كما يحدث في اللغات كلها.

حقا أن اللغة كائن حي، تتطور على ألسنة المتكلمين بها، فينشأ من هذا التطور، اختلاف بين لغة عصر والعصر الذي سبقه. وهنا يحدث الصراع بين أنصار الشكل القديم وأنصار الشكل الجديد، وبعد فترة يصبح قديما ما كان بالأمس جديدا، فيتصارع مع جديد آخر، وتضمحل لغة العصر الأسبق أو تندثر. غير أن كل جديد لا يظهر فجأة، ولا يقضي على القديم بين يوم وليلة، بل يظل الصراع بينهما لفترة قد تطول أو تقصر، غير أن الانتصار يكون في النهاية للشكل الجديد، تلك سنة الحياة، وتاريخ اللغات جميعها يشهد بهذا، ولا نعرف لغة على ظهر الأرض، جمدت على شكل واحد مئات السنين.

غير أن العربية الفصحى، لها كما قلنا، ظرف لم يتوفر لأية لغة من لغات العالم، ذلك أنها ارتبطت بالقرآن الكريم، منذ أربعة عشر قرنا، ودون بها التراث العربي الضخم، الذي كان محوره هو القرآن الكريم، في كثير من مظاهره. وقد كفل الله لها الحفظ ما دام يحفظ دينه، فقال عز وجل: {إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ} . ولولا أن شرفها الله عز وجل فأنزل بها كتابه، وقيض له من خلقه من يتلوه صباح مساء، ووعد بحفظه على تعاقب

<<  <   >  >>
تعرف على الموسوعة الشاملة للتفسير