للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

ولقد أجاد القائل:

الأمر أعظم من مقالة قائل ... إن رقّق البلغاء أو إن أفحموا

ماذا يقول المادحون ومدحه ... حقّا به نطق الكتاب المحكم

ويحكى أن العارف الكبير أبا حفص عمر بن الفارض رحمه الله تعالى قيل له: لم لا مدحت النبى صلّى الله عليه وسلّم؟! فأنشد قائلا:

أري كلّ مدح في النبيّ مقصّرا ... وإن بالغ المثني عليه وأكثرا

إذا الله أثني بالذي هو أهله ... عليه، فما مقدار ما يمدح الوري؟

فمن تمام الإيمان به صلّى الله عليه وسلّم: اعتقاد أنه لم يجتمع في بدن ادمى من المحاسن الظاهرة ما اجتمع في بدنه الشريف صلّى الله عليه وسلّم، فيكون ما يشاهد من محاسنه الظاهرة علامة على محاسنه الباطنة، ولا أكمل منه صلّى الله عليه وسلّم، ولا مساو له في هذا المدلول، فكذلك في الدّالّ، ولذا نقل القرطبى عن بعضهم أنه قال: لم يظهر لنا في الدنيا تمام حسنه صلّى الله عليه وسلّم وإلا لما طاقت أعين الصحابة النظر إليه صلّى الله عليه وسلّم»

فإذا كان في الآخرة ظهر تمام ذلك، ولذا قال صاحب البردة:

فهو الذي تمّ معناه وصورته ... ثم اصطفاه حبيبا بارئ النّسم

منزّه عن شريك في محاسنه ... فجوهر الحسن فيه غير منقسم

وقد جمع الله له صلّى الله عليه وسلّم محاسن السير وأحاسن السياسة والخبر، مع أنه أمّيّ لا يكتب ولا يقرأ، ولا معلّم له من البشر، نشأ بين جهّال، يتيما من أبويه، فعلّمه الله مكارم الأخلاق، وجعل له من أكارم الاداب أوفر خلاق.

وما أحسن قول القائل:

أخذ الإله أبا الرسول ولم يزل ... برسوله الفرد اليتيم رحيما

نفسي الفداء لمفرد في يتمه ... والدرّ أحسن ما يكون يتيما


(١) ولذا ثبت عن عمرو بن العاص وغيره أنه ما كان يستطيع أن يثبت نظره في وجه رسول الله صلّى الله عليه وسلّم إذ قال: «والله ما ملأت عينى من رسول الله صلّى الله عليه وسلّم قط» .