للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

ويعاين من آثار فضل اللَّه أشياء: فشق في صغره بطنه واستخرج ما في قلبه من الغل والدنس، فكان يعاين الأمر معاينة ثم كان لا يمر بحجر ولا شجر إلا سلم عليه فقال: السلام عليك يا رسول اللَّه. فكان يلتفت يمينا ويسارا فلا يرى أحدا [ (١) ] .

وكانت الأمم تتحدث بمبعثه وتخبر علماء كل أمة قومها بذلك. ثم كان لا يرى رؤيا إلا جاءت مثل فلق الصبح [ (٢) ] . فكان أول شيء رآه من النبوة في المنام بطنه طهّر وغسل ثم أعيد كما كان.

[تحنثه بحراء وبدء الوحي]

وحبّب إليه الخلاء فكان يخلو بغار حراء كما كان يفعل ذلك متعبدو [ (٣) ] ذلك الزمان، فيقيم فيه الليالي ذوات العدد، ثم يرجع إلى أهله فيتزود لمثلها يتحنث [ (٤) ] بحراء ومعه خديجة، فيقال: إنه أول ما رأى جبريل عليه السلام بأجياد [ (٥) ] فصرخ به: يا محمد يا محمد.

[بعثته]

ثم فجأة [ (٦) ] الحق وهو بغار حراء [ (٧) ] يوم الاثنين لثمان عشرة خلت من رمضان


[ (١) ] أخرج الترمذي نحوه في صحيح سنن الترمذي للألباني ج ٣ ص ١٩٢ حديث رقم ٣٨٨٥ وقال في آخره: «صحيح» .
[ (٢) ] المرجع السابق حديث رقم ٣٨٩٣، وقال في آخره: «حسن صحيح» .
[ (٣) ] في (خ) «متعبدوا» بألف بعد الواو، والمعروف عند أهل اللغة أن جمع المذكر السالم تحذف منه ألف واو الجماعة إذا أضيف.
[ (٤) ] تحنّث: تعبد، وفعل ما يخرج به الحنث، والحنث: الذنب (المعجم الوسيط ج ١ ص ٢٠١) (وهذه اللفظة في (خ) : يتجنب» ) .
[ (٥) ] قال أبو القاسم الخوارزمي: أجياد موضع بمكة يلي الصفا، وهو أحد جبال مكة غربيّ المسجد الحرام.
وقال الأصمعي: هو الموضع الّذي كانت به الخيل التي سخرها اللَّه لإسماعيل عليه السلام (معجم البلدان ج ١ ص ١٣٠) .
[ (٦) ] قوله: «فجأه الحق وهو بغار حراء» أي جاءه بغتة على غير موعد كما قال تعالى: وَما كُنْتَ تَرْجُوا أَنْ يُلْقى إِلَيْكَ الْكِتابُ إِلَّا رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ آية ٨٦/ القصص، (البداية والنهاية ج ٣ ص ٦) ، وفي (ط) «فجئه» والتصويب من (المعجم الوسيط) : «فجأه الأمر فجأ، وفجأة، وفجاءة: بغته (ج ٢ ص ٦٧٤) .
[ (٧) ] وحراء: يقصر ويمد، ويمنع ويصرف، وهو جبل بأعلى مكة على ثلاثة أميال منها عن يسار المار إلى منى، له قلة مشرقة على الكعبة منحنية، والغار في تلك الحنية. (معجم البلدان ج ٢ ص ٢٦٩) .