للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

قراءة في مجلة المنار

سر تقدم الأمم

عبد القادر حامد

هناك قسمان من العلماء: قسم يعني بالأمور الكلية الأساسية التي تتفرع عنها

القضايا الجزئية، وآخر يشغل نفسه بالقضايا الجزئية التي تأكل عمره وجهده.

فبينما يرى الفريق الأول أنه من العبث إصلاح الفرع بينما الأصل فاسد لا سبيل

إلى معالجته؛ يرى الفريق الثاني أنه إذا صلحت الجزئيات فإنها ستشكل بمجموعها

مجموعاً صالحاً يضغط لإصلاح الأصل، لأنه من الصعب تجاهل هذا الضغط الذي

يتحول إلى قوة جبارة لا سبيل إلى مقاومتها. وقد يغرق هذا الفريق في الجزئيات

ولا يعنِّي نفسه بهذا النقاش أصلاً، لأنه يكون غير قادر إلا على هذا، ولا يملك ما

يؤهله على الاستشراف والنظرة الكلية الشمولية.

وقد كان رشيد رضا ممن تشغله الأمور الجوهرية في بناء الأمم، وتعنيه

الأسباب التي بوجودها يتقدم المجتمع، وبفقدانها يتخلف ويطويه الجهل ويضربه

الذل. وقد حرص على أن يقدم روئيته في ذلك منذ أنشأ مجلته. ولذلك فإننا نعثر

في فاتحة العدد الثاني الصادر في ٢٩ من شوال سنة١٣٥١ هـ (٢٢/٣/١٨٩٨ م)

على مقال مكثف يضمنه هذه الرؤية عن طريق حوار بينه وبين جمع من الناس.

وأول ما يلاحظ في هذا المقال شعوره بأهمية الكشف عن أسباب سعادة الأمم

وتقدمها، وعوامل تخلفها وانحطاطها، وقد بين بادئ ذي بدء أن التقدم والتخلف

ليست أقداراً ثابتة ولا أوصافاً موروثة لا سبيل إلى تجاوزها، (فالاستعداد الفطري

والقوى الطبيعية في تلك الأمم واحدة، وأن اختلاف الحالات لم يأت من اختلاف

المدارك، والتفاوت في الاستعداد.. وإنما جاء من أمور عارضة، وظروف

خارجية..) . وبذلك يعطي بحثه وتحليله نتيجة إيجابية فما دام مرجع سعادة الأمم

وشقائها (أموراً عارضة وظروفاً خارجية) فسيكون من الممكن البحث عن هذه

الأمور العارضة؛ والتحكم في الظروف الخارجية.

وأول ما يراه رشيد رضا حوله هو هذه السلبية والتواكل وفساد الاعتقاد التي

ألبسها المسلمون ثوب الدين، وهي ليست إلا بدعاً وأمراضاً قاتلة قضت على

الإسلام بالتشويه، وعملت على قتل عناصر الحيوية والطموح عند المسلمين. فقد

أصبحت نظرة المسلم إلى الكون والعالم خليطاً من أفكار القدرية والجبرية والمرجئة. فبينما ينظر المسلم إلى المسائل العامة والمصالح الوطنية بجبرية وتسليم يتجلى

في جواب المصري حين يناقش في تلك القضايا: (هو بيدنا إيه) ! وجواب الشامي: (شو طالع باليد) . ويحيل نتائج العجز على الله، وربما استشهد على هذا السلوك

الباطل بقوله تعالى: [لَيْسَ لَهَا مِن دُونِ اللَّهِ كَاشِفَةٌ..] بينما حاله في المسائل

العامة على هذه الصورة السلبية؛ تراه تحول إيجابياً وفاعلاً فيما يخص شؤونه

الخاصة وما يتعلق بمعيشته وهواه، ويعمل على جلب النفع لنفسه ودفع الضر عنها

بشتى الوسائل والأسباب بم ما كان مشروعاً، وما لم يكن، ولو أن يلجأ إلى عالم

الجن والشياطين، ويستعين بالأموات، ويطلب مشورة السحرة والعرافين

والمشعوذين.

وهكذا جمع المسلمون في عصورهم المتأخرة بين أطراف رؤوس البدع،

فأصبحوا جبرية فيما يخص المصالح العامة، وقَدَرية لا يؤمنون بالقدر عند

مصالحهم الخاصة.

وقد طرح أسئلة يبرز من خلالها فكرته عن السر الذي يحوّل الأمة من حال

الشقاء الى حال السعادة، وعرض من خلال هذه الأسئلة تصوره للمشكلات التي

يعيشها المسلمون في عصره، ثم حدد جواباً واحداً لمجموع هذه الأسئلة، وهذه

الأسئلة هي:

١- كيف يحصل التجاذب والالتحام بين العناصر المتفرقة في الأمة لتكون

منها أمة واحدة؟

٢- ما الذي يمحو الأثرة والفردية من نفوس أفراد الأمة، حتى يرى كل فرد

مصلحته في مصلحتها، ومضرته في مضرتها؟ وهذه الأثرة والفردية قد أصبحت

مرضاً في المجتمع الإسلامي، فانفرط عقده، وأصبح الناس فيه: (بأسهم بينهم

شديد تحسبهم جميعاً وقلوبهم شتى) .

٣- كيف تعاد الثقة إلى الفرد والجماعة بأن الله لم يحرم جماعة من الجماعات

من المواهب الفطرية والعقلية، بل إن هذه المواهب والقدرات مودعة وكامنة فيها

كمون النار في الزِّناد، ولا ينقصها حتى تظهر إلا أن تستعمل فيما خلقت له؟

٤- ما السبيل إلى انتزاع اليأس والقنوط من نفوس الذين يستبعدون الشقة

بينهم وبين الأمم المتقدمة؟ ويشملهم ذلك اليأس عن الحركة؟

٥- كيف يمكن إقناع أهل التقليد الأعمى بخطأ ما هم عليه من التقليد

بالمظاهر وثمرات الحضارة فقط؛ من تشييد القصور، وتزيينها وفرشها بالغالي من

الأثاث الذي أنتجته الشعوب المتقدمة، مما يعود بزيادة الفقر والإفلاس على الأمم

المتخلفة؟

٦- ما سبيل النجاة من سطوة العادات التي يحملها المتغلّب؛ وسبيل الإبقاء

على الدين واللغة والعادات النافعة التي يسلِّط هذا المتغلب قواه ضدها، وكيف لا

نأخذ العبرة في مجال حفظ لغتنا العربية من اليهود، الذين احتفظوا بلغتهم مع ما

ابتلوا فيه من الذل والمسكنة والضعف وفقدان السلطة، والتشتت في الأرض، ومع

ذلك ظلوا يتكلمون ويقرؤون كتابهم بالعبرية، ولم يمنعهم من ذلك معرفتهم لغات

الشعوب التي عاشوا بينها.

وكيف لا نجد هذه الغيرة على لغة القرآن من المسلمين وبخاصة من أكثر

شيوخ العلم في بقاع العالم الإسلامي الذين إن ناشدتهم بذل الجهد ومضاعفة الوسع

والتحرك في الحفاظ على اللغة العربية، تملصوا بالاحتجاج بأن الله حافظ دينه

وكتابه حيث قال: [إنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وإنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ] .

٧- كيف نتخلص من عاداتنا الرديئة التي تمكنت منا حتى صار يحسبها

الكثيرون أنها من الدين وهي ليست من الدين في شيء؟

٨- ما السر الذي يجعل اختلاف رجال العلم والسياسة في أمم أوربا مثمراً،

والمحن التي تمر بهم يستخلصون منها النتائج الإيجابية والدروس النافعة؛ على

حين نرى اختلاف أمثالهم من رجال العلم والسياسة المسلمين اختلافاً عقيماً وتنازعاً

مهلكاً، ولا يكادون يجنون مما يمر بهم من الفتن إلا فتناً جديدة وخلافات تعصف

بالجهود ويعاني من ثمراتها الصغير والكبير، والغني والفقير، والجاهل والعالم؟

٩- ما الذي يغسل النفوس من الوهم الذي يجعلها تخاف مما لا يخيف،

وتتطلع إلى ما لا فائدة منه من الأفكار والأشخاص؟

١٠- ما القياس الذي يقاس به النفع والضرر، ويميز به بين المجد الصحيح

والمجد الكاذب، وبذلك يمكن أن توجه النفقات الطائلة التي تنفق على المظاهر

الفارغة، كالولائم والمآتم وما يتعلق بها من تشييد القبور.. إلى التربية والتعليم

والأمور التي تعود بالنفع العام؟

١١- ما هو الدواء الشافي لأمراض الفساد والمآثم والموبقات؟

١٢- متى يمكن القضاء على الأمراض الجسدية والأوبئة أو التقتيل منها على

الأقل؟

١٣- كيف نعمل على رفع نسبة الدخل القومي للأفراد في أمة يوجد فيها قلة

من الأغنياء - وأكثرهم حصل على ثروته من طرق غير مشروعة - وكثير من

الفقراء فقراً مدقعاً؟

١٤- كيف تتحسن الزراعة، ولماذا كان أهالي فرنسا ونيوزلندة أكثر ثروة

زراعية من أهل مصر، مع أن أرض مصر أخصب.، ورجالها أكثر صبراً

وجلداً على العمل، وعندهم النيل الذي ليس له في العالم نظير؟

١٥- كيف يمكننا إتقان الصناعة والتفنن في تنويعها حسب حاجات الأمة

لتحفظ ثرواتها من استغلال الأجانب لها، وجعلها دائماً عالة عليهم؟

١٦- ما هي الطريقة للنهوض بالتجارة التي هي بمثابة إدارة لثمار الزراعة

والصناعة؟

١٧- كيف لنا أن نتحرر من سيطرة الأجانب على أبسط المرافق العامة كالماء

(احتكار شركات أجنبية في ذلك الوقت لتوريد ماء النيل ونهر الكلب في بيروت،

مما يدل على انحطاط أمة تسمح بهذا، ومما لو وجد خبره في كتب التاريخ القديم

لكان من الخرافات والأساطير وهذيان القصاص الذي لا يصدق!)

١٨- كيف حصلت دول مثل انكلترا وفرنسا وغيرها من الدول المسيحية على

القوة التي مكنتها من احتلال وإخضاع تلك الممالك الشاسعة في جنبات الأرض؟

١٩- كيف يتسنى لنفر قليل الاستيلاء على شعب كبير يصرفونه في

مصالحهم ويستخدمون أفراده كما تستخدم الدواب، ويديرونه كما تدار الآلة الصماء، وهو لا يعرف سبب هذه السلطة وقد لا يفكر في ذلك أصلاً كأنما فقد العقل

والشعور؟

٢٠- كيف تمكنت الولايات المتحدة الأمريكية أن تتحرر من حكم الإنكليز،

وأن تتحد تحت لواء واحد، وتصبح قوة تخشاها أوربا؟ [١]

٢١- وباختصار: ما الآلة الرافعة للمتطوحين في مهاوي التعاسة والشقاء

للخروج مما هم فيه وتحسين أحوالهم حسياً ومعنوياً، ديناً ودنيا؟

كانت هذه جملة الأسئلة المنتزعة من الواقع المعاش في ذلك الزمان وقد

عرضناها جميعاً ليدرك قارئ اليوم بالمقارنة كم من تلك الاسئلة ما زال يبحث عن

جواب؟ وقد حاول رشيد رضا الرد على ما اعتقد أنه مزاعم قد يظن أنها تمثل

إجابات أو حلولاً للمشكلات التي تعكسها هذه التساؤلات ومن ذلك:

الزعم أن سر التقدم والخروج من مأزق التخلف يكمن في الأمراء والحكام.

فلو افترض أن الحكومة غنية، ورعاياها فقراء فقراً مادياً وأدبياً وأمكن هذه

الحكومة أن تجري الإصلاحات المادية جميعها، فهل تستطيع أن تقتلع من نفوس

الأمة الأخلاق السيئة والعادات الرديئة وتزرع فيها ضدها من الأخلاق الفاضلة؟

كلا. وهو ينعى على ما صار إليه أمر المسلمين من هذا الاعتماد الكامل الشامل

على الحاكم، حتى أصبحوا لا يرون لأنفسهم وجوداً إلا بالحكام، ويرون أن صلاح

الأمة وفسادها، وغيها ورشادها وصحتها ومرضها، وغناها وفقرها، بل محياها

ومماتها كل ذلك بيد الحاكم، كأن بيده ملكوت كل شيء، وهو يجير ولا يجار عليه، وكأن هذا الوهم متسلسل فيهم بالإرث من عهد من قال: (أنا أحيي وأميت) وعهد

من قال: (أنا ربكم الأعلى) [٢] وجهلوا أن الحاكم ليس إلا رجلاً من الأمة، وأن

الحاكمية ما زادت في فضائله، ولا منحته قوة فوق القوى البشرية، بل ربما

أفسدت أخلاقه وأسقمت مداركه.. (نعم، إن الحاكم إذا ساعد الشعب يكون

الإصلاح أسرع وأقرب إلى النجاح.

زعم طائفة أن الطريق لنهضة الأمة هو تسليم أمرها إلى الأجانب حيث هم -

على عيوبهم - أقدر على بسط العدل، ومحاربة الرشوة، وغل أيدي المتسلطين،

وإنشاء المرافق الحديثة التي يعود خيرها على المجموع.. وهذا الزعم كثير التردد

منذ ذلك الوقت إلى اليوم، فكثير من الناس يتمنون الآن أن لو عاد المستعمر -

فرنسياً أو إنكليزياً أو أمريكياً - وخلص البلاد والعباد من الظروف المأساوية التي

تلفها، وكثير من المخضرمين الذين عاصروا مرحلة الاستعمار ومرحلة ما سمي

بالتحرر آل بهم الأمر إلى أن (يترحموا) على عهد المستعمرين، ويحنوا إلى ذلك

العصر الذي لم يذوقوا منه ما ذاقوه على أيدي أبناء جلدتهم. ولماذا نذهب بعيداً

ونحن نرى شعوباً وجماعات بكاملها تستنجد بأمريكا وبريطانيا وفرنسا وبالعفاريت

والشياطين لتنجو من سوء ما وقعت فيه من جور وظلم ونكبات؟ !

لكن رشيد رضا يسفِّه هذا التفكير، ويعده استشفاءً من الداء بداء أقتل منه.

وهو أن ساسة هذه الأمم قد تربوا في بلادهم على حب أوطانهم ووقفوا حياتهم على

نفع أمتهم، وأصبح ذلك طبعاً فيهم، وأن ما يبدو من أعمالهم نفعاً للشعوب والأمم

الأخرى في الظاهر؛ إنما باطنه مضاعف النفع لأممهم، لأن تصرفاتهم تقوم على

مبدأ (النفعية) الأنانية المقيتة، ويدرك ذلك كل ذي لبّ، فلا ينشرون من المعرفة

في غير بلادهم إلا ما يؤدي إلى حبهم واعتقاد عظمتهم، ويفسد على الآخرين لغاتهم

وأديانهم وتاريخهم وثقافاتهم. ولا يقدمون من المعونة لغيرهم باليمين إلا ليأخذوا

أضعافاً بالشمال، فمثلهم كمثل الذي يعطي كِسرة خبزٍ ليأخذ رغيفاً، وقد يعملون

على جلب الرخاء والرفاهية لأمة من الأمم بعد فقر وشدة، ولكن أي رخاء وأي

رفاهية؟ الرفاهية التي تزيد في الكسل والترهل، وتسخر الكثرة لخدمة القلة.

رد رشيد رضا أيضاً على زعم من يزعم أن الصحافة هي المخرج، وبين أن

الصحافة -. مع مالها من شأن عظيم وأهمية لا تنكر- لكنها لا توجد المدنية بل

هي أثر من آثارها وثمرة من ثمراتها.

وبعد أن استنفد ما يُتَصور من الأجوبة وناقشها ختم بجواب هو عنده الوسيلة

الصحيحة التي ترجع إليها كل الأسباب لتحقيق التقدم والارتقاء وهو (تعميم التربية

والتعليم) بين أفراد الأمة. فهل هذا هو الجواب الفاصل؟ ! قد لا يكون هناك

إجماع على هذه النتيجة التي وصل إليها، فقد عممت التربية والتعليم، وأصبح

التعليم مجانياً لدى أكثر الشعوب العربية، وكثر الأطباء والمهندسون والخبراء،

فهل أدى ذلك إلى التقدم الذي نشده رشيد رضا من التربية والتعليم؟ لا أحد يرى

ذلك.

أين الخلل إذن؟ هل هو في المناهج التعليمية؟ أم في الإدارات التي تديرها؟

أم في المصدر الذي يوجه هذه الإدارات، ويرسم سياستها؟ أم في علة أخرى..

الأجوبة كثيرة والحاصل واحد!


(١) لم تكن أمريكا حينذاك قد أصبحت قوة عظمى فاعلة على المسرح العالمي.
(٢) أي النمرود وفرعون.