للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

الافتتاحية

[من للمسلمين؟]

حملت لنا الأنباء المذابح المروعة التي وقعت ولا تزال على مسلمي البوسنة

والهرسك الذين كانوا إلى وقت قريب جزءاً من يوغسلافيا، هذه المذابح الوحشية

التي يمارسها الصرب المتعصبون والتي فاقت بكثير ما فعله إخوان لهم من الموارنة

بحق المسلمين الفلسطينيين في (صبرا وشاتيلا) . مئات الألوف شردوا وقرى

بكاملها أتى عليها الذبح فلم ينج منهم شيخ ولا وليد، كل هذا لم يحرك ساكناً من

أكثر الدول التي تحكم المسلمين، لم يحتجوا، ولم يشجبوا ولم يسحبوا

سفراءهم [١] بَلْه أن نتكلم عن الدعم المادي لمسلمين يتعرضون لأبشع أنواع الظلم.

كما حملت لنا الأنباء خبر هجوم نصارى الأرمن على قرى المسلمين في إقليم

(ناخيتشفان) واحتلالهم لهذا الإقليم لعزل تركيا عن الاتصال بمسلمي أذربجيان،

وللوصول إلى مناطق الأرمن في أذربجيان ومع أن تركيا لها حق قانوني في إقليم

(ناخيتشفان) نتيجة معاهدة مع (ستالين) روسيا، ولكنها لم تحرك ساكناً لقمع الأرمن

وإبعادهم عن إيذاء المسلمين، واكتفت بالتهديد، حتى لا يقال عنها بأنها دولة

متعصبة تحمي المسلمين.

أما في (البوسنة والهرسك) فقد بلغت وحشية الصرب إلى درجة جعلت الدول

الغربية في موقف حرج أمام العالم فاضطرت إلى استخدام قرارات الأمم المتحدة

لمقاطعة الصرب اقتصادياً كما استخدمتها سابقاً مع غير الصرب، وربما كانت

الدول الغربية أسرع من غيرها في مقاطعة الصرب والكلام عن وحشيتهم.

تأثرت الشعوب الإسلامية لما يحدث، وتجاوبت مع مسلمين خرجوا لتوهم من

جحيم الديكتاتورية الاشتراكية، وبدأت حملات التأييد المادي والمعنوي، واستطاع

المحسنون والمؤسسات الإسلامية إيصال هذا الدعم إلى مسلمي البوسنة. وهذا شيء

يبعث على الارتياح، فالشعوب الإسلامية بدأت تدرك حجم التحدي الذي يتعرض له

المسلمون في العالم.

هذا جانب من الصورة والجانب الآخر هو خروج بلاد بكاملها من ربقة

الشيوعية والاستعباد ومحاولة الرجوع إلى الإسلام، وهؤلاء بحاجة شديدة إلى العلم

والدعوة بين صفوفهم. هذه الأوضاع لا تحتمل التأجيل، بل هي بحاجة إلى (غرفة

عمليات) دائمة الاجتماع لبحث أوضاع المسلمين ومساعدتهم. فمن يتبنى هذه

الأوضاع؟ ليس هناك إلا العلماء والدعاة الذين هم قادة الأمة، وهم المكلفون بما

يجري الآن على الساحة الإسلامية، وباجتماعهم واتحادهم سيسمع الناس كلمتهم

ويستطيعون تقديم العون المادي ونشر العلم، والدعوة بين صفوف الجهلة من

المسلمين.

هذا المكان شاغر لهم، وإذا كان علماء الملل الأخرى هم شرارها وآكلو

أموالها، فإن العلماء في الملة الإسلامية هم خيارها وقادتها المتبوعون فليتصدوا لهذه

المهمة التي هي من عمل الأنبياء والمرسلين.

وفي هذه الأيام التي يمارس فيها المسلمون شعائر عبادة عظيمة وهي الحج

فإننا نتذكر أبا الأنبياء، إبراهيم -عليه السلام-، الذي كان أمة وحده وقد تصدى

للشرك وحده، وهاجر وحده وبنى أول مسجد للتوحيد.

إنه موسم مناسب لأن يتذكر الدعاة والعلماء أن دورهم المطلوب منهم كبير

وخطير، وأنهم يستطيعون فعل الكثير، فالساحة مفتوحة والشعوب متلهفة، تنتظر

القيادة الحكيمة والعلماء الأتقياء، الذين يتفانون في مصلحة الدعوة، ويعلمون أن

التحدي الكبير لا يقابل إلا بالعمل الكبير ألا وهو اجتماع الكلمة.


(١) بعضهم سحب سفيره بعد قرار الأمم المتحدة بمقاطعة الصرب.