للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

مقال

كلمة في تقويم الرجال

خالد بن عثمان السبت

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين،

نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

وبعد:

فقد كثر الكلام وتقابلت الآراء في مسألة دقيقة مهمة، وهي: المنهج الصحيح

في الكلام على الطوائف والأفراد والكتب.

وصار كثير من الناس في هذه المسألة على طرفين متباعدين:

الأول: من يرى أن العدل الواجب أن تُذكر الحسنات مع السيئات ويستدل

على ذلك بأدلة يمكن أن يُستدل على رأي الطرف الآخر بمثلها أو أقوى منها. وقد

يرى هؤلاء أن الكلام إن عري من ذكر الحسنات فهو يدل على تحامل قائله أو

كاتبه.

والطرف الآخر: يُشنع على هؤلاء ويرى أن لا وجه لذكر الحسنات بل تُذكر

المثالب فحسب، إذ المقام مقام نقد.

ولا ريب أن موقف كل واحد من هؤلاء فيه نظر، لأنه أطلق وأجمل

والصواب في مثل هذه المسائل يلزم التفصيل الذي به تتبين كثير من الأمور.

قال ابن القيم - رحمه الله -:

فعليك بالتفصيل والتبيين فالـ ... إطلاق والإجمال دون بيان

قد أفسدا هذا الوجود وخبّطا الـ ... آراء والأذهان كل أوان

وحاصل الكلام في هذه المسألة هو أن الكلام في الآخرين له ثلاثة مقامات:

المقام الأول: وهو الذي تُذكرُ فيه الحسنات والسيئات. ويكون هذا في

الحالات الآتية:

١ - إذا تعادلت الأقوال (أعني أقوال المجرحين والمعدلين) في الراوي، فهنا

يُذكر هذا وهذا.

٢ -عند دراسة طائفة أو شخص أو كتاب أو منهج من المناهج يُذكر ما له ما

عليه.

٣ - حينما يكون القصد من الكلام مجرد الترجمة والتعريف فيذُكر ما للرجل

وما عليه. وهذا واضح جداً في كتب التراجم.

٤ - إذا كانت الكتابة موجهة للطائفة نفسها أو للرجل ذاته أو إذا كان له أتباع

كثر ويُراد ردهم إلى الحق فعند ذلك يُذكر شيء من فضائل الرجل ومحاسن الطائفة

كما فعل شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله- لما كتب الوصية الكبرى لاتباع عدي

بن مسافر.

المقام الثاني: وهو الذي تُذكر فيه الحسنات فحسب ويكون هذا في حالتين:

١ - إذا كان الرجل من أهل السنة وله من الفضائل ما يربو على سيئاته فلا

وجه لذكر المثالب في مثل هذه الحال إلا إن دعت الحاجة إلى ذلك من أجل التنبيه

حتى لا يغتر السامع بهذا القول. لكن لا يُذكر الغلط ليكون سبباً في التنقص من

قائله. (أما ترى أن الماء إذا بلغ القلتين لم يحمل الخبث) .

٢ - في الكلام على الرواة إذا كان الغالب على الرجل التعديل وكان هو

المختار فلا وجه لذكر أقوال المجرحين حينما نعرض للرجل بل يكفي أن نقول

(ثقة) مثلاً.

المقام الثالث: وهو الذي يُذكر فيه الجرح فقط ويكون هذا في الحالات الآتية:

١ - في مقام التحذير. فإن المطلوب هو ذكر ما ينفّر من المتكلم عليه

وبالتالي لا تُذكر محاسنه.

٢ - إذا غلب على الراوي الجرح وكان هو المختار فلا حاجة لذكر أقوال

المعدلين.

٣ - إذا كان الغالب على الطائفة أو الفرد الانحرافات والمخالفات التي

تتضاءل معها حسناتهم فهم بحسب ما غلب عليهم.

هذه خلاصة القول - فيما أظن - في هذا الموضوع ويوجد من الأدلة

والشواهد من كلام الله تعالى وكلام رسوله -صلى الله عليه وسلم- وكلام السلف

شيء كثير يدل على ما سبق. لعله يتيسر فسحة من الوقت فتبسط هذه المسألة

بشكل أكبر مدعمة بشواهدها.

والله من وراء القصد.