للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

خواطر في الدعوة

[ولكن حمزة لا بواكي له]

محمد العبدة

إن الظلم الواقع على المسلمين في كثير من بقاع العالم لا نظير له؛ فهذا

المجتمع الدولي الظالم الكنود قد تحالف حلف الشيطان ضد كل حق وفضيلة، وضد

كل من يريد عبادة الله وحده، وترك ما دونه من الأصنام، ويريد هذا الحلف

الشيطاني جرّ البشرية إلى مهاوٍ سحيقة من الضلال والفسق، ومن يقول له: لا،

فهذه جريمة العصر.

إن ما يجري في البوسنة مثال صارخ على النفاق الدولي وتظاهره بالإنسانية، وهو يخفي مُرّ العذاب بسكوته عما يقع من جرائم بحق المسلمين، وهذا واضح

يعرفه كل إنسان، بل ويتألم له أناس من غير المسلمين الذين عندهم بقية من ضمير

أو حب للحق. ولكن الذي نريد الوصول إليه هو: أين علماء المسلمين؟ ! وأين

دورهم في التخفيف عن إخوانهم؟ وأخص بالذكر العلماء الذين لهم مكانة متميزة،

لماذا لا يمارسون الضغوط على هذه الحكومات كي تقوم بعملٍ ما؟ ! فالغرب لا

يفهم إلا لغة القوة، ولو كانت قوة معنوية، ولكن عندما لا يرى شيئاً ولا يحس بأي

معارضة لما يفعل، فسوف لا يرى إلا مصالحه القريبة والبعيدة.

لقد تدخل بابا النصارى مباشرة وبقوة في مسألة كرواتيا وسلوفينيا؛ يقول

هنجتون صاحب مقال صراع الحضارات [١] : وكنتيجة لإصرار البابا على تأمين

دعم قوي للبلدين الكاثوليكيين، اعترف الفاتيكان بكل من سلوفينيا وكرواتيا حتى

قبل المجموعة الأوروبية، وحذت الولايات المتحدة حذو أوروبا، وهكذا تجمع

الممثلون الرئيسيون في الحضارة الغربية وراء إخوانهم في الدين.

هل بابا النصارى أحرص على رعاياه من حرص العلماء على إخوانهم في

الدين؟ ! أليس من العجيب أن هذه النصرانية التي تقول في كتبها المحرفة: دع ما

لقيصر لقيصر وما لله لله تتدخل في السياسة وتستجيب الدول لاقتراحات وضغوط

البابا، وديننا الذي يقول: [وهو الذي جعلكم خلائف الأرض..] [الأنعام:

١٦٥] ، والذي يقول: [ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف

وينهون عن المنكر..] [آل عمران: ١٠٤] ، لا يتدخل علماؤه في شؤون

إخوانهم، ومن العجيب أيضاً أن النصرانية المحرفة تقول في كتبها: من ضربك

على خدك الأيمن فأدر له خدك الأيسر تجد رجالها من أشد الناس إيماناً بمبدأ القوة،

وأنه هو الذي يحل المشاكل العالمية، وديننا الذي يقول: [وقاتلوا في سبيل الله

الذين يقاتلونكم ولا تعتدوا، إن الله لا يحب المعتدين] [البقرة: ١٩٠] لا نجد من

يدافع عنه ولا عن رعاياه، أيكون عمر بن الخطاب (رضي الله عنه) مسؤولاً عن

شاة إذا عثرت بشط الفرات ولا يكون العلماء مسؤولين عن دماء المسلمين؟ ! لا

شك أنهم مسؤولون ويستطيعون فعل شيء يخفف الآلام.

إن الواجب يدعو علماء المسلمين أن يجتمعوا على كلمة يستطيعون بها رفع

الظلم عن إخوانهم في البوسنة أو الهند أو كشمير، هل نأمل بأن يكون هناك دور

للأزهر وأمثاله؟ ! هذه القلاع التي كانت حصناً لردع أعداء الدين، وهل نأمل بأن

يأخذوا بنصيحة عمر حين قال: يعجبني الرجل إذا سيم خطة ضيم أن يقول: (لا)

بملء فيه.


(١) نشر هذا المقال في مجلة (Foreign Affairs) صيف ١٩٩٢، وقد أحدث ضجة كبيرة، وترجم إلى العربية عدة مرات.