للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

دراسات دعوية

[رصيد الداعية]

خالد أبو الفتوح

يعتقد بعض الشباب المتحمسين أنه يكفي لإقناع الآخرين بصحة دعوتهم أن

تكون الحجة جليّة واضحة وأن يكون البيان فصيحاً بليغاً، ولكنهم مع حرصهم على

إتقان ذلك قد يُفاجؤون بعدم استجابة مدعويهم، فيلقون التبعة من على أكتافهم ظانين

أنهم أدوا ما عليهم [وما على الرسول إلا البلاغ] و [ليس عليك هداهم، ولكن

الله يهدي من يشاء] ، ثم يحمّلون من كانوا محلاً لدعوتهم المسؤولية كاملة لعدم

استجابتهم للهدى؛ [بل اتبع الذين ظلموا أهواءهم بغير علم، فمن يهدي من أضل

الله؟] ، أو يسندون سبب إخفاقهم إلى محض المشيئة الإلهية [ولو شاء الله

لجمعهم على الهدى] [ولو شاء ربك لآمن من في الأرض كلهم جميعاً] .

ولا شك أنه لا يخرج شيء عن المشيئة الإلهية، وأن الذين لم يستجيبوا

لوضوح الحجة وبلاغة البيان ليسوا بمنجى عن المحاسبة والسؤال، ولكن لا شك

أيضاً أن هؤلاء المتحمسين الطيبين لم يلتفتوا إلى غاية الدعوة التي لا تقتصر فقط

على إقامة الحجة لاستحقاق الجزاء، بل تهدف بالمقام الأول إلى إخراج الناس من

عبادة العباد إلى عبادة رب العباد، وإنقاذهم من غضب الله (تعالى) وناره إلى رضاه

وجنته؛ قال -صلى الله عليه وسلم-: إن مثلي ومثل الناس كمثل رجل استوقد ناراً، فلما أضاء ما حوله جعل الفراش وهذه الدواب التي تقع في النار يقعن فيها،

فجعل الرجل ينزعهن ويغلبنه فيقتحمن فيها، فأنا آخذ بحجزكم عن النار وهم

يقتحمون فيها [١] ، وهذا المعنى هو ما وصف به الله (سبحانه) رسوله -صلى الله

عليه وسلم-؛ حيث يقول (عز وجل) : [لقد جاءكم رسول من أنفسكم عزيز عليه

ما عنتم حريص عليكم، بالمؤمنين رؤوف رحيم] [التوبة: ١٢٨] .

وغالباً ما يكون دافع هؤلاء المتحمسين هو الإخلاص ومحبة رؤية الخير

منتشراً بين الناس، ولكن.. هل يكفي هذا الدافع للتنصل من المشاركة في مسؤولية

الإخفاق؟

إن المدقق في عناصر (عملية الدعوة) يخرج ولابد بأن قيام أمر الدعوة لا

يقتصر على إيضاح حجة وبلاغة بيان، فهما بالرغم من أهميتهما يشتركان جنباً إلى

جنب مع عناصر أخرى عديدة لإنجاح حجية البلاغ من قِبَل الداعي.

ومن هذه العناصر ما يمكن أن نطلق عليه: (رصيد الداعي) لدى المدعو،

ونعني بذلك: رصيده من الثقة في أمانته وعلمه والطمأنينة إليه، ليكون هذا

الرصيد مُوَطّئاً لاستجابة المدعو إذا أراد الله له الهداية، أو أبلغ في استحقاق النقمة

إذا انتكس وأبى إلا الغواية.

وهناك إشارات عديدة في الكتاب والسنة إلى هذا العنصر الهام في (عملية

الدعوة) ؛ فمن ذلك:

*ما جاء في قصة نبي الله يوسف:

[ودخل معه السجن فتيان، قال أحدهما: إني أراني أعصر خمرا، وقال

الآخر: إني أراني أحمل فوق رأسي خبزاً تأكل الطير منه، نبئنا بتأويله إنا نراك

من المحسنين* قال: لا يأتيكما طعام ترزقانه إلا نبأتكما بتأويله قبل أن يأتيكما،

ذلكما مما علمني ربي، إني تركت ملة قوم لا يؤمنون بالله وهم بالآخرة هم

كافرون] [يوسف: ٣٦٣٧] ، فالملاحظ في الآية الأولى: أن الفتيين أقبلا على يوسف (عليه السلام) وهما في حالة تسليم بأمانته وإذعان لعلمه، ولكن هذا التسليم وذلك الإذعان لم ينشأ من العدم، بل كانا نتيجة ما رأوه من إحسان يوسف عليهم؛ [إنا نراك من المحسنين] ، وإذا تنبهنا إلى أن هذين الفتيين كانا على ملة الكفر لأدركنا أن الإحسان المقصود عندهم ليس هو الإحسان بالمصطلح الشرعي، ولكنه إحسان بالمعنى الذي تعارف عليه جميع الناس وهو فعل ما اتفقت العقول السديدة والفطر السليمة أنه حسن، ويلزم لنا أن نتخيل ما هي حياة السجون حتى نعرف قيمة الإحسان إلى الآخرين فيها، سواءً أكان إسداء جميل، أو بذل نصيحة، أو اهتمام عام بأمر الآخرين في مثل هذه المحنة [٢] .

وبعبارة أخرى نستطيع القول: إنه للوصول إلى هذه الثقة وهذا التسليم

والإذعان، فقد حدثت (عملية تفاعل اجتماعي إيجابي) بين يوسف (عليه السلام)

والمسجونين الآخرين، وذلك من خلال شبكة اجتماعية مصغرة كونها يوسف (عليه

السلام) مستغلاً قنوات الاتصال المتاحة والرابطة الاجتماعية الواقعية رابطة إحساس

السجين بالقهر.

وفي الآية الثانية: نلاحظ أن يوسف (عليه السلام) استثمر الموقف استثماراً

كاملاً، وقطف الثمرة في أوانها؛ فإنه لما رأى إتيانهما إليه واثقين فيه مسلّمين

بأمانته مذعنين لعلمه، أكد عليهما ما وقر في نفوسهما بأنه أهل لهذه الثقة ومحل

لهذا العلم مما يؤكد أهمية هذا العنصر في الدعوة، ثم أسند كل هذا الفضل إلى ربه، وبدأ عرض دعوته في وضوح وجلاء ويسر وسهولة.

*وما جاء في قصة موسى (عليه السلام) مع القبطي والإسرائيلي:

حيث يقول الله (عز وجل) : [فلما أراد أن يبطش بالذي هو عدو لهما،

قال: يا موسى أتريد أن تقتلني كما قتلت نفساً بالأمس؟ ، إن تريد إلا أن تكون جباراً في الأرض وما تريد أن تكون من المصلحين.] [القصص: ١٩] ، فاحتجاج القبطي بعدم ملاءمة هذا السلوك من موسى (عليه السلام) مع دعوى الإصلاح يدل على أن موسى (عليه السلام) كان معروفاً عنه أنه صاحب دعوة إصلاحية قبل نبوته؛ يقول الأستاذ سيد قطب (رحمه الله) : أما بقية عبارته [إن تريد إلا أن تكون جباراً في الأرض، وما تريد أن تكون من المصلحين] .. فتلهم أن موسى كان قد اتخذ له في الحياة مسلكاً يُعرف به أنه رجل صالح مصلح، لا يحب البغي والتجبر، فهذا القبطي يذكره بهذا ويورّي به، ويتهمه بأنه يخالف عما عرف عنه، يريد أن يكون جباراً لا مصلحاً، يقتل الناس بدلاً من إصلاح ذات البين وتهدئة ثائرة الشر [٣] ولعل هذا المسلك كان تمهيداً للدعوة الكبرى التي جاء بها موسى (عليه السلام) بعد إرساله بالنبوة.

*وفي قصة نبي الله صالح (عليه الصلاة والسلام) :

يقول الله (سبحانه) حاكياً عن قوم صالح: [قالوا: يا صالح قد كنت فينا

مرجواً قبل هذا ... ] (هود: ٦٢) ، جاء في محاسن التأويل: ... أي: كانت

تلوح فيك مخايل الخير وأمارات الرشد، فكنا نرجوك لننتفع بك وتكون مشاوَراً في

الأمور، ومسترشداً في التدابير، فلما نطقت بهذا القول انقطع رجاؤنا عنك وعلمنا

أن لا خير فيك [٤] . وهذا من أبلغ التناقض في منطق الكافرين، إذ إن اعترافهم

بأن صاحب الدعوة هو الذي كان يُعد للخير والرشد فيهم لما ظهر عليه من أمارات

ذلك كان يقتضي تسليم قيادهم له وإذعانهم لدعوته، ولكنهم ارتكسوا وكفروا به

وبدعوته.

*وفي سيرة المصطفى صلى الله عليه وسلم أوضح الدلالات

على أهمية (رصيد الداعية) :

حيث يقول الله (سبحانه) : [قل لو شاء الله ما تلوته عليكم ولا أدراكم به،

فقد لبثت فيكم عمراً من قبله، أفلا تعقلون؟ !] [يونس: ١٦] ، ففي قوله [أفلا

تعقلون] توبيخ شديد لهم وتسفيه لعقولهم؛ لأنهم لم يلتفتوا إلى قوة الحجة الملزمة

لهم، وذلك أنهم شهدوا لرسول الله -صلى الله عليه وسلم- بما يوجب تصديقه

والإيمان به، ولم يكن ذلك عن موقف واحد أو أكثر، بل كان على امتداد عمره -

صلى الله عليه وسلم- مما يكون أبلغ وأوكد في الإلزام بالحجة؛ يقول ابن القيم

(رحمه الله) : ... الحجة الثانية [في الآية] : أني قد لبثت فيكم عمري إلى حين

أتيتكم به، وأنتم تشاهدونني، وتعرفون حالي، وتصحبونني حضراً وسفراً،

وتعرفون دقيق أمري وجليله، وتتحققون سيرتي ... ثم جئتكم بهذا النبأ العظيم الذي

فيه علم الأولين والآخرين، وعلم ما كان وما سيكون على التفصيل، فأي برهان

أوضح من هذا؟ ! [٥] .

وقد استعمل رسول الله -صلى الله عليه وسلم- هذا الرصيد لديهم، وأكد عليه، بل استنطقهم به، وذلك عندما جهر بالدعوة إليهم كافة، فقد قال لهم -صلى الله

عليه وسلم- بعد أن اجتمعت بطون قريش على جبل الصفا إثر دعوته لهم بالحضور: أرأيتكم لو أخبرتكم أن خيلاً بالوادي تريد أن تغير عليكم، أكنتم مصدقيّ؟ قالوا:

نعم، ما جربنا عليك إلا صدقاً، قال: فإني نذيرٌ لكم بين يدي عذاب شديد [٦] ،

فقد أبى -صلى الله عليه وسلم- أن يدعوهم إلى الدعوة الجديدة عليهم قبل أن

يستخرج منهم رصيد الثقة فيه.

وهذا الهدي النبوي من نور الوحي القرآني؛ حيث كان إيذان التحرك العلني

بالدعوة هو قوله (تعالى) : [وأنذر عشيرتك الأقربين] [الشعراء: ٢١٤] ، فإن

(العشيرة الأقربين) أدعى إلى الثقة فيمن هم يعرفون سيرته ويخبرون طويته لما

بينه وبينهم من صلة القربى والنسب، ولا شك أنه لابد لبناء هذا الرصيد من كمال

في المحاسن وسلامة من النقائص وحضور ومتابعة في الواقع، وتتراكم آثار كل

ذلك لصنع هذا الرصيد لدى المدعوين، وهذا ما تشهد به سيرة المصطفى -صلى

الله عليه وسلم-.

*وهذا ما نشاهده في قصة الصحابي نعيم ابن النحام:

حيث رُوي أنه حين أراد أن يهاجر جاءه قومه بنو عدي، فقالوا له: أقم

عندنا وأنت على دينك، ونحن نمنعك ممن يريد أذاك، واكفنا ما كنت تكفينا وكان

يقوم بأيتام بني عدي وأراملهم، فتخلف عن الهجرة مدة ثم هاجر بعد ذلك [٧] ،

فنعيم (رضي الله عنه) كان له من أعمال الخير لدى قومه ما جعله أحد المكونات

الرئيسة لنسيج مجتمعه، بحيث يتهتك هذا النسيج إذا تخلى عن أفراد مجتمعه، فلا

يستطيع هؤلاء الاستغناء عنه، مع استطاعته هو تركهم والهجرة عنهم، أو

استغلال هذه المكانة وهذا الرصيد في الدعوة لما يؤمن به دون أن يكون عنصراً

بنّاءً لدعوى الجاهلية في المجتمع الذي يعيش فيه.

*معالم أخرى:

هذا.. وقد يستدعي الداعية ما تركه دعاة آخرون من رصيد محفور في أذهان

المدعوين الجدد مستفيداً من ظلال المواقف الناصعة والدعوة الواضحة لهؤلاء الدعاة، معتبراً نفسه امتداداً طبيعيّاً لهم وإن باعدت بينهم السنون والأيام؛ وذلك كما فعل

ونطق مؤمن آل فرعون: [ولقد جاءكم يوسف من قبل بالبينات، فما زلتم في شك

مما جاءكم به، حتى إذا هلك قلتم لن يبعث الله من بعده رسولا، كذلك يضل الله من

هو مسرف مرتاب] [غافر: ٣٤] ، فلقد اقتبس مؤمن آل فرعون الذكرى الطيبة

ليوسف (عليه السلام) ؛ ذكرى العفة والعلم والأمانة والكفاءة، مذكّراً إياهم بوضوح

سابق دعوته، فلقد جاءهم (بالبينات) ليربط بينه وبين صاحب الدعوة المعاصر لهم

موسى (عليه السلام) الذي [جاءكم بالبينات من ربكم] [غافر: ٢٨] ، كما أوضح

المؤمن لهم من قبل، فهو يربط بين الداعيين نسباً ودعوة لتكون محصلة الدفع

النهائية في أقوى صورها.

فعلى ذلك يستطيع المسلم توظيف (الرصيد الإيجابي الجمعي للدعوة) في

دعوته الآخرين، كما يحسن له أن يشارك في بناء رصيد الثقة لدى آخرين قد لا

يستطيع دعوتهم ليأتي مسلم آخر فيستثمر هذا الرصيد مباشرة حين تحين فرصة

الدعوة.

وكما أنه قد يُستدعى رصيد الدعوة لصالح داعية ما، فإنه قد يبدده أفراد

منتسبون إلى الدعوة، وذلك بسوء سلوكهم الشخصي أو الدعوي أو عدم اتباعهم

للحكمة في الدعوة، كما يحدث أحياناً في واقعنا المعاصر، فعلى المسلم الواعي أن

يحرص ألا يكون معول هدم لما شيده الآخرون إذا لم يستطع أن يكون لبنة في

صرح الدعوة المباركة.


(١) أخرجه البخاري ومسلم والترمذي وأحمد.
(٢) لك أن تتأمل قوله (تعالى) : [ادفع بالتي هي أحسن فإذا الذي بينك وبينه عداوة كأنه ولي حميم] [فصلت: ٣٤] ، لتعرف أثر الإحسان إلى الآخرين في كسب حبهم وولائهم.
(٣) في ظلال القرآن، م٥، ص٢٦٨٤.
(٤) محاسن التأويل للشيخ محمد جمال الدين القاسمي، ج٩، ص١٤٥.
(٥) بدائع التفسير، جمع يسري السيد محمد، ج٢، ص٣٩٥.
(٦) أخرجه البخاري ومسلم وأحمد، وانظر الرحيق المختوم، ص٧٩، ط مكتبة السلام.
(٧) انظر المغني لابن قدامة المقدسي، ج٢، ص٨٦٨.