للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

دراسات تربوية

من ثمرات اليقين باليوم الآخر

(٢)

بقلم:عبد العزيز بن ناصر الجليل

تطرق الكاتب في الحلقة الأولى إلى بعض ثمار الإيمان باليوم الآخر، وهي:

الإخلاص لله (تعالى) والمتابعة للرسول، والحذر من الدنيا، والزهد فيها، والصبر

على شدائدها، والتزود بالأعمال الصالحة وأنواع القربات، واجتناب المعاصي،

ويواصل الكاتب في هذه الحلقة ما تبقى من هذا الموضوع.

... ... ... ... ... ... ... ... - البيان -

٤- الدعوة إلى الله (عز وجل) والجهاد في سبيله:

وهذا يدخل في الثمرة السابقة، حيث إنه من أفضل القربات والأعمال

الصالحة، وقد أفردته هنا باعتباره ثمرة مستقلة من ثمار اليقين باليوم الآخر، وذلك

لما يلي:

(أ) فضل الجهاد والدعوة إلى الله (سبحانه) وأثرهما في إنقاذ الناس بإذن

ربهم من الظلمات إلى النور، ولذلك كان من أحب الأعمال إلى الله (عز وجل) ،

قال (تعالى) : [وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلاً مِّمَّن دَعَا إلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحاً وَقَالَ إنَّنِي مِنَ

المُسْلِمِينَ] [فصلت: ٣٣]

(ب) وصف الرسول للجهاد بأنه ذروة سنام الإسلام.

في الجهاد أيضاً: حقيقة الزهد في الحياة الدنيا، وفيه أيضاً: حقيقة الإخلاص؛ فإن الكلام فيمن جاهد في سبيل الله، لا في سبيل الرياسة، ولا في سبيل المال،

ولا في سبيل الحمية.. وهذا لا يكون إلا لمن قاتل ليكون الدين كله لله، ولتكون

كلمة الله هي العليا، وأعظم مراتب الإخلاص: تسليم النفس والمال للمعبود، كما

قال (تعالى) : [إنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ المُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُم بِأَنَّ لَهُمُ الجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ

فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْداً عَلَيْهِ حَقاً فِي التَّوْرَاةِ وَالإنجِيلِ وَالْقُرْآنِ وَمَنْ

أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَذِي بَايَعْتُم بِهِ وَذَلِكَ هُوَ الفَوْزُ العَظِيمُ]

[التوبة: ١١١] .

(ج) في الحديث عن الجهاد في سبيل الله (عز وجل) ومحاربة الفساد وتعبيد

الناس لرب العالمين أكبر رد على الذين يرون أن التعلق باليوم الآخر والاستعداد له

يعني اعتزال الناس، وترك الدنيا لأهلها، والاشتغال بالنفس وعيوبها، وترك

الحياة يأسن فيها أهلها.

نعم هذا ما يراه بعض المتصوفة وأصحاب الفهم المنحرف لحقيقة الدنيا

والآخرة.. ( [لقد كان] الناس في فترات من الزمان يعيشون سلبيين، ويَدَعون

الفساد والشر والظلم والتخلف والجهالة تغمر حياتهم الدنيا مع ادعائهم الإسلام هم

يصنعون ذلك كله أو بعضه لأن تصورهم للإسلام قد فسد وانحرف؛ ولأن يقينهم

في الآخرة قد تزعزع وضعف! لا لأنهم يدينون بحقيقة هذا الدين ... فما يستيقن

أحد من لقاء الله في الآخرة؛ وهو يعي حقيقة هذا الدين، ثم يعيش في هذه الحياة

سلبيّاً أو متخلفاً أو راضياً بالشر والفساد. إنما يزاول المسلم هذه الحياة الدنيا وهو

يشعر أنه أكبر منها وأعلى، ويستمتع بطيباتها أو يزهد فيها وهو يعلم أنها حلال في

الدنيا خالصة له يوم القيامة ... ، ويكافح الشر والفساد والظلم محتملاً الأذى

والتضحية حتى الشهادة، وهو إنما يقدم لنفسه في الآخرة ... إنه يعلم من دينه أن

الدنيا مزرعة الآخرة، وأن ليس هنالك طريق للآخرة لا يمر بالدنيا، وأن الدنيا

صغيرة زهيدة، ولكنها من نعمة الله التي يجتاز منها إلى نعمة الله الكبرى) [١] .

٥- اجتناب الظلم بشتى صوره:

نظراً لكثرة الظلم والشحناء بين المسلمين في عصرنا الحاضر، وأنه لا شيء

يمنع النفس من ظلم غيرها في نفس أو مال أو عرض: كاليقين بالرجوع إلى الله

(عز وجل) ، وإعطاء كل ذي حق حقه، وإنصاف المظلوم ممن ظلمه، فإذا تذكر

العبد هذا الموقف العصيب الرهيب، وأنه لا يضيع عند الله شيء، كما قال (تعالى) : [وَنَضَعُ المَوَازِينَ القِسْطَ لِيَوْمِ القِيَامَةِ فَلا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئاً وَإن كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِّنْ

خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ] [الأنبياء: ٤٧] وقوله (تعالى) [وَقَدْ خَابَ مَنْ

حَمَلَ ظُلْماً] [طه: ١١١] ، إذا تذكر هذه المواقف واتعظ بهذه الآيات، وأيقن

بتحققها فلا شك أن ذلك سيمنعه من التهاون في حقوق الخلق، والحذر من ظلمهم

في دم أو مال أو عرض، خاصة وأن حقوق العباد مبنية على المشاحة والحرص

على استيفاء الحق من الخصم، وبالذات في يوم الهول الأعظم الذي يتمنى العبد فيه

أن يكون له مظلمة عند أمه وأبيه وصاحبته وبنيه، فضلاً عن غيرهم من الأباعد،

ومعلوم أن التقاضي هنالك ليس بالدينار والدرهم ولكن بالحسنات والسيئات.

فياليتنا نتذكر دائماً يوم الفصل العظيم، يوم يفصل الحكم العدل بين الناس،

ويقضي بين الخصماء بحكمه وهو أحكم الحاكمين، ليتنا لا نغفل عن هذا المشهد

العظيم، حتى لا يجور بعضنا على بعض، ولا يأكل بعضنا لحوم بعض، ولا

نتكلم إلا بعلم وعدل، إنه لا شيء يمنع من ذلك كله إلا الخوف من الله (عز وجل)

وخوف الوقوف بين يديه، واليقين الحق بأن ذلك كائن في يوم لا ريب فيه؛ قال

(تعالى) : [إنَّكَ مَيِّتٌ وَإنَّهُم مَّيِّتُونَ (٣٠) ثُمَّ إنَّكُمْ يَوْمَ القِيَامَةِ عِندَ رَبِّكُمْ تَخْتَصِمُونَ]

[الزمر: ٣٠، ٣١] .

٦- حصول الأمن والاستقرار، والألفة بين الناس بالحكم بشريعة الله:

إن مجتمعاً يسود بين أهله الإيمان بالله (عز وجل) واليقين بالآخرة والجزاء

والحساب، لا شك أنه مجتمع تسوده المحبة ويعمه السلام؛ لأن تعظيم الله (سبحانه)

سيجعل هذه النفوس لا ترضى بغير شرع الله (عز وجل) بديلاً، ولا تقبل

الاستسلام إلا لحكمه، وهذا بدوره سيضفي الأمن والأمان على مثل هذه المجتمعات، لأن أهلها يخافون الله ويخافون يوم الفصل والجزاء، فلا تحاكم إلا لشرع الله،

ولا تعامل إلا بأخلاق الإسلام الفاضلة: فلا خيانة ولا غش ولا ظلم، ولا يعني هذا

أنه لا يوجد في المجتمعات المسلمة من يظلم أو يخون أو يغش، فهذا لم يسلم منه

عصر النبوة ولا الخلافة الراشدة، لكن هذه المعاصي تبقى فردية، يؤدّب أفرادها

بحكم الله (عز وجل) وحدوده، إذا لم يردعهم وازع الدين والخوف من الله،

والحالات الفردية تلك ليست عامة، أما عندما يقل الوازع الديني والخوف من

الآخرة، ويكون التحاكم إلى أهواء البشر وحكمهم فهذا هو البلاء العظيم والفساد

الكبير: حيث تداس القيم والحرمات، ويأكل القوي الضعيف، وبالتالي: لا يأمن

الناس على أديانهم ولا أنفسهم ولا أموالهم ولا أعراضهم، وكفى بذلك سبباً في عدم

الأمن والاستقرار، وانتشار الخوف، واختلال حياة الناس.

٧- تقصير الأمل وحفظ الوقت:

إن من أخطر الأبواب التي يدخل منها الشيطان على العبد: طول الأمل،

والأماني الخادعة التي تجعل صاحبها في غفلة شديدة عن الآخرة، واغترار بزينة

الحياة الدنيا، وتضييع ساعات العمر النفيسة في اللهث وراءها حتى يأتي الأجل

الذي يقطع هذه الآمال، وتذهب النفس حسرات على ما فرطت في عمرها،

وأضاعت من أوقاتها. ولكن اليقين بالرجوع إلى الله (عز وجل) والتذكر الدائم

لقصر الحياة وأبدية الآخرة وبقائها، هو العلاج الناجع لطول الأمل وضياع الأوقات.

يقول ابن قدامة (رحمة الله) : (واعلم أن السبب في طول الأمل شيئان:

أحدهما: حب الدنيا، والثاني: الجهل.

أما حب الدنيا: فإن الإنسان إذا أنس بها وبشهواتها ولذاتها وعلائقها، ثقل

على قلبه مفارقتها، فامتنع من الفكر في الموت، الذي هو سبب مفارقتها، وكل من

كره شيئاً دفعه عن نفسه.

السبب الثاني: الجهل، وهو أن الإنسان يعول على شبابه، ويستبعد قرب

الموت مع الشباب، أو ليس يتفكر المسكين في أن مشايخ بلده لو عدوا كانوا أقل

من العشرة؟ وإنما قلوا لأن الموت في الشباب أكثر، وإلى أن يموت شيخ قد يموت

ألف صبي وشاب، وقد يغتر بصحته، ولا يدري أن الموت يأتي فجأة، وإن

استبعد ذلك) [٢] .

٨- سلامة التفكير وانضباط الموازين وسمو الأخلاق:

لا يستوي من يؤمن بالله واليوم الآخر ويوقن بيوم الحساب والجزاء ولا يغفل

عنه، ومن لا يؤمن بالآخرة، أو يؤمن بها ولكنه في لهو وغفلة عنها، لا يستويان

أبداً في الدنيا ولا في الآخرة، أما في الآخرة فيوضحه قوله (تعالى) : [لا يَسْتَوِي

أَصْحَابُ النَّارِ وَأَصْحَابُ الجَنَّةِ أَصْحَابُ الجَنَّةِ هُمُ الفَائِزُونَ] [الحشر: ٢٠] .

وأما في الحياة الدنيا فلا يلتقي أبداً من يعلم أن له غاية عظيمة في هذا الحياة،

وأن مرده إلى الله (عز وجل) في يوم الجزاء والحساب والنشور، مع من لا يعلم

من هذه الحياة الدنيا إلا ظاهرها، وأنها كل شيء عنده، وهو عن الآخرة من

الغافلين.

إنهما لا يلتقيان في التفكير، ولا في الميزان الذي توزن به الأشياء والأحداث، ولا في الأحكام، وبالتالي: فبقدر ما تسمو أخلاق الأول وتعلو همته لسمو منهجه

وميزانه بقدر ما تسفل وترذل أخلاق الآخر لسفالة تصوره وفساد ميزانه. قال

(تعالى) في وصف أهل الدنيا: [يَعْلَمُونَ ظَاهِراً مِّنَ الحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ الآخِرَةِ

هُمْ غَافِلُونَ] [الروم: ٧] .

٩- الفوز برضا الله (سبحانه) وجنته، والنجاة من سخطه والنار:

وهذه ثمرة الثمار، وغاية الغايات، ومسك الختام في مبحث الثمار، قال

(تعالى) : [كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ المَوْتِ وَإنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ القِيَامَةِ فَمَن زُحْزِحَ عَنِ

النَّارِ وَأُدْخِلَ الجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ وَمَا الحَيَاةُ الدُّنْيَا إلاَّ مَتَاعُ الغُرُورِ] [آل عمران: ١٨٥] .

يقول الشيخ السعدي (رحمه الله تعالى) عند قوله (تعالى) : [فَمَن زُحْزِحَ عَنِ

النَّارِ وَأُدْخِلَ الجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ] : (أي: حصل له الفوز العظيم بالنجاة من العذاب

الأليم، والوصول إلى جنات النعيم، التي فيها: ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر؛ ومفهوم الآية: أن من لم يزحزح عن النار، ويدخل

الجنة، فإنه لم يفز، بل قد شقي الشقاء الأبدي، وابتلي بالعذاب السرمدي، وفي

هذه الآية إشارة لطيفة إلى نعيم البرزخ وعذابه، وأن العاملين يجزون فيه بعض

الجزاء مما عملوه، ويقدم لهم أنموذج مما أسلفوه) [٣] .

اللهم إنا نسألك بأن لك الحمد، أنت المنان، بديع السموات والأرض، يا ذا

الجلال والإكرام، نسألك الجنة وما قرب إليها من قول وعمل، ونعوذ بك من النار

وما قرب إليها من قول وعمل، ونسألك أن لا تجعل الدنيا أكبر همنا، ولا مبلغ

علمنا، يا حي يا قيوم، يا أرحم الراحمين.


(١) اليوم الآخر في ظلال القرآن، ص٦.
(٢) مختصر منهاج القاصدين، ص٣٦٧ ٣٦٨.
(٣) تفسير السعدي، ج١ ص ٤٦٧ ٤٦٨.