للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

في دائرة الضوء

الحقيقة التي يتجاهلها العلمانيون:

الإسلام ليس كنيسة! !

بقلم: د. محمد يحيى

من الجوانب المهملة في السجال الدائر بين أصحاب الفكرالعلماني

(اللاديني) وأنصار الفكر الإسلامي سؤال يتجاهله الأولون عمداً ويسعون إلى

إخفائه من المناقشة، ألا وهو: إلى أين يكون مصير الإسلام؟ ومن يقوم به عندما

يفصل عن الدولة كما يطالبون؟ . وقد يتبادر إلى الذهن أن الإجابة هي: الناس

(أي جموع المسلمين) ، أو فئة العلماء والفقهاء، أو ما اصطلح على تسميته

بالمؤسسات الدينية وهي جامعات ومعاهد تعليمية في الأساس والأصل، لكن هذه

الإجابات خادعة؛ فالناس لا يقدرون على كفالة أو حمل دين والقيام به وبكل شؤونه

إذا ظلوا مجرد آحاد وأفراد متفرقين وإن كثروا، حيث لا تجعل منهم كيانات

مؤسسية قوية تعلو على مستوى الفرد المنعزل أو حتى الجماعة المفككة، والعلماء

والفقهاء مدرسون وباحثون وناقلو علم على أحسن الأحوال، وليسوا مؤهلين أو

قادرين على تولي شؤون الدين إذا ما فصل عن المؤسسة القادرة على ذلك وهي

الدولة. أما عن المؤسسات الدينية فهي الأخرى في أساسها معاهد تعليمية أضيفت

عليها في بعض الدول أوضاع رسمية بروتوكولية استجابة لسلطان الدين في نفوس

الشعوب، لكنها سرعان ما سحبت أو خبت أنوارها مع تدخلات دوائر الحكم

العلمانية فيها.

إننا عندما نتحدث عن القيام بشؤون الدين لا نقصد مجرد الإيمان به وتلقينه

للأبناء وهو ما قد تقوم به الأسر والأفراد، ولا نقصد مجرد البحث في جوانبه

ونقلها تعليماً إلى المجتمع المحيط مع الحفاظ على تراثه الفكري والعقدي، فالقيام

بشؤون الدين وكفالته بالمعنى الواسع يعني: وجود قوة حاملة بمصطلح علم

الاجتماع ترى نفسها مسؤولة عن الدين بحكم إيمانها به، كما تكون قادرة بفضل

إمكاناتها على تحقيق مطالب هذه المسؤولية: من نشر للدين في الخارج، وترسيخ

له في الداخل، ودفاع عنه بكل وسائل الدفاع، مع إعمال تعاليمه، وإنفاذ شريعته،

وتحقيق قيمه ومثله من خلال شتى السياسات، وعلى كل المستويات، هذه القوة

الحاملة ينبغي أن تتخذ من الدين المرجعية العليا لها أو (الأيديولوجية) والعقيدة

السياسية والاجتماعية والثقافية، ومن الجلي أن آحاد المسلمين أو حتى جماعاتهم

المحدودة ومؤسساتهم التعليمية لا تستطيع النهوض بهذه المسؤولية، ليس فقط

لافتقارهم إلى الإمكانات والسلطات التي تضمن لهم هذا الأداء، بل لسبب بسيط جدّاً، وهو أنهم لم يُعَدّوا للقيام بتلك المهمة.

كان للإسلام دائماً دولة تكفله وتقوم به، ويضعف كثيراً أو يختفي إن ضاعت

هذه الدولة، كما تشهد بذلك حالة الأندلس وحالة الدولة العثمانية لا سيما بالنسبة

للشعوب التابعة لها خارج نطاق شبه جزيرة الأناضول.

وسنوات البعثة النبوية في مكة كانت سنوات استضعاف، ولولا حفظ الله

الدينَ خلالها لضاع، ويجب ألا ننسى أن المسلمين الأوائل كانوا أيضاً جزءاً من

النسق الاجتماعي العربي، وإن كانوا خالفوه في قضية العقيدة الجوهرية، والدولة

أو الدول الإسلامية على مر التاريخ الإسلامي هي التي دفعت عن المسلمين غائلة

العدوان الخارجي من قوى الكفر، وهي التي أوجدت السبل والظروف لتستقر

المجتمعات الإسلامية على إيمانها وممارسته، وهي التي قامت على وظائف العدالة، كما وفرت القواعد المادية لتقوم المؤسسات التعليمية والعلمية بوظائفها الحيوية،

وإذا ضاعت الدولة الإسلامية كما حدث ويحدث في العصر الحديث سقطت كل هذه

المهام وبقي المسلمون ومعهم مؤسساتهم التعليمية والعلمية عارين عن أي حماية

ومعرضين لكل عوامل الغزو والاجتياح من أعداء الإسلام في الداخل والخارج دون

قوة تذود عنهم. ويزيد الأمر سوءاً عندما تحل محل الدولة الإسلامية الذاهبة دولة

يسيطر عليها إن صراحة أو ضمناً أصحاب الفكر العلماني ذي النزعة المتغربة على

اختلاف مشاربهم، هنا تتحول الدولة من الدفاع عن الإسلام والذب عنه والقيام

بشؤونه ورعاية مصالحه وتطبيق شريعته وأحكامه إلى العداء له والكيد وتحطيم

بنيانه وهدمه وتفريق جمعه وإضعاف شوكته، والواقع المشهود يدل على ذلك.

إن أصل الخلط وسوء الفهم المتعمد يعود إلى الحديث عن الدين والدولة

والفصل بينهما بعمومية تتجاهل الفرق بين الإسلام والمسيحية كما تطورت تاريخيّاً، وهذا الفارق الجوهري والحيوي هو مؤسسة الكنيسة في مختلف مذاهبها،

فالكنيسة بوصفها بيتاً تاريخيّاً هي المؤسسة التي قامت على المسيحية من ناحية

النشر والترويج والمحافظة عليها ولمّ شعث المؤمنين بها، والكنيسة مؤسسة شاملة

حقّاً وذلك وفق المفهوم العلمي وهي ليست كذلك لأن لها ممتلكات وأراضي ومباني،

بل ومعاهد تعليمية وعلمية وهيئات إعلامية ودور نشر.. إلخ، فكل هذه قد تنزع

منها في فترات الانكسار والجَذْر التي قد تتعرض لها، والتي تعرضت لها فعلاً إبان

الثورة الفرنسية والثورة الروسية مثلاً، ولكن الكنيسة مؤسسة بمعنى: أنها تنظيم

هرمي يقوم على فئة منظمة ومنضبطة بلوائح وقوانين تحدد مهامها وواجباتها

وأدوارها، وهي فئة الكهنوت التي يحكمها القانون الكنسي. ووجود الكهنوت بهيكله

التنظيمي والهرمي وقانونه يُوجِد مؤسسة تعلو على الأفراد وتتوفر لها إمكانية

الاستمرارية وتجديد الذات والبقاء، دون أن تذهب وتموت بذهاب الأفراد المشكلين

لسلك الكهنوت وموتهم، الكنيسة وفق هذا التصور مؤسسة ذات نواة وهيكل أساس

قابل للتوسع والامتداد والامتلاء في فترات الاستقرار والظروف الاجتماعية المواتية

أو الانكماش والتقوقع على الذات مع الاحتفاظ بالدين المحمول، وذلك في فترات

القهر أو الاضطراب.

والكنيسة الحاملة للمسيحية ليست مجرد تجميع للمؤمنين داخل مبنى، وليست

مجرد هيئة تعليمية تلقن الأفراد تعاليم دينهم، لكنها بجانب ذلك كما أسلفنا مؤسسة

شاملة ترى نفسها حاملة وحامية للدين ومسؤولة عنه. صحيح أنه لا توجد للكنائس

جيوش، لكنها في فترات القوة تهيمن على الدولة التي تعمل في نطاقها، وتجعل

من جيشها جيشاً مدافعاً عن النصرانية ومهاجماً في سبيل فرضها بالقوة، أما في

فترات الضعف فهي لا تذوي أو تموت لعدم وجود جيش لها أو عدم وجود الإمكانات

والسلطات الأخرى للدولة؛ ذلك لأنها تبقى حتى في ظل أشد الأنظمة عداءً لها وكما

حدث في ظل بعض الأنظمة العلمانية الحديثة الشرسة في فرنسا الثورة أو في النظام

السوفييتي معترفاً بها رسميّاً وقانونيّاً بوصفها الجهة المسؤولة عن الدين النصراني

حتى لو أُضْعِفَتْ قوتها.

عندما يدور الحديث إذن في الغرب عن الفصل بين الدين (أو الكنيسة) والدولة

فإن ذلك الحديث لا يرمي إلى عداوة للدين أو ينوي تصفيته؛ لأن فصله عن الدولة

لا يعني ضياع وجوده أو قوامه، ولا يعني انعدام المؤسسة الحاملة والكافلة له؛ إذ

ستبقى الكنيسة هي ممثلة هذه القوة، وكل ما يرمي إليه حديث فصل الكنيسة عن

الدولة في الغرب هو إحداث إجراء تنظيمي إداري يفصل بين مجالات الاختصاص، وهو ما تتسع النصرانية له؛ لغياب الشريعة المفصلة بها، لكن العكس هو ما

يحدث في الإسلام عندما يفصل عن الدولة، إذ يفقد في هذه الحالة القوة الحاملة له

ولا يجد لها بديلاً كما قد يتصور بعضهم في عدد من المؤسسات الأخرى (جامعات

أو وزارات أوقاف وشؤون دينية) ؛ لأن هذه المؤسسات ليست بحكم النشأة والوظيفة

والتكوين مؤهلة لأن تكون قوة حاملة للإسلام، بل هي في أحسن الظروف حاملة

لبعض جوانب الإسلام العلمية أو الاجتماعية. ومما يلحظ: أن محاولات تحويل

بعض هذه الهيئات المحدودة إلى مؤسسات قائمة بالإسلام تُخفق لهذا السبب، ومع

ذلك: يصر العلمانيون على القيام بها؛ إما لإخفاء حقيقة ما يفعلونه بالإسلام لدى

فصله عن الدولة وهو في الحقيقة تضييع له وإما لإدراكهم أن حصر سعة الإسلام

وحبسها في هيئات ضيقة وجعله احتكاراً لهذه الهيئات يؤدي في الواقع إلى إضعاف

الإسلام بشدة، بل وإلى إنهائه؛ لأن الجماهير لا تؤمن بهذه المؤسسات قوًى حاملة

للإسلام.

إن فصل الإسلام عن الدولة يعد قتلاً له، ويزيد الأمر سوءاً كما قلنا عندما

تكون الدولة الآتية علمانية التوجه؛ لأنها في هذه الحالة تستغل كل القوى

والإمكانات والسلطات التي كانت تدافع عن الإسلام وتضعها ضده.