للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

الافتتاحية

صحَوْنا ... فلْنَنْهض!

ونحن على مشارف العقد الثالث من القرن الهجري الخامس عشر.. في حاجة

إلى وقفة تأمل في حصاد عقدين ماضيين من عمر (الصحوة الإسلامية) اللذيْن كانا

ظرفين للنشأة والتفاعل إقليمياً وعالمياً.

ماذا حصدت الصحوة من ثمار خلال هذين العقدين؟ وفيم نجحت؟ وفي أي

شيء أخفقت..؟ الحديث في ذلك يطول؛ ولكن لا بد من تناوله، وطرح محاوره، وشرح ملابساته.. وبما أن هذه العجالة ليست كافية لتوفيته حقه في التناول؛

فإننا نشير في إلماحات قصيرة ومختصرة إلى بعض المعالم البارزة لعلنا نطلق بها

الدعوة إلى فتح النقاش العام حول هذه الطروحات في المنتديات الدعوية في كل

مكان.

لقد نجحت الصحوة برغم كل العقبات الكؤود والعداوات النكدة أن تثبت بفضل

من الله وحده وجوداً وتفاعلاً على مختلف الأصعدة، بما ينفي بوجه قاطع تهمة

عجز المسلمين عن النهوض لتوجيه الحياة وصناعة التاريخ.

ومن الأهمية بمكان أن نتساءل اليوم ونحن نبدأ عقداً جديداً في قرننا الهجري: ماذا أنجزت الدعوة في مرحلة (الصحوة) ؟ وما الذي عليها أن تستعين بالله في

إنجازه فيما يستقبل من المراحل؟

يمكننا أن نتلمس الجواب في النقاط الآتية:

أولا: على المستوى الدعوي:

نجحت الصحوة بمعونة الله في استنقاذ شريحة كبيرة من الجماهير التائهة في

الجاهلية المعاصرة؛ حيث عادت روح التدين بشكل لافت وبنسب متفاوتة في كل

قطر من أقطار الإسلام، هذا فيما مضى من القرن.

والأمة الآن في حاجة إلى النهوض بمستوى تلك الشرائح بجهد مضاعف

للانتقال بها من مرحلة (الكم) إلى مرحلة (الكيف) وإلا فقدنا الكم والكيف معاً،

فأنصارُ الدعوة وجدانياً كثيرون، ولكن نصرتهم العملية للدعوة لا تزال دون القليل، والسبب في ذلك أن هناك جهوداً كبيرة لا تزال مدّخرة يمكن أن تعمل على تأهيل

وتخريج القطاعات الدعوية القادرة على توجيه السفينة.

ثانياً: على المستوى العلمي:

لا شك أنه قد وجدت كفاءات علمية متخصصة ومتنوعة بعد حركة الانتعاش

العلمي بعد مقدم القرن الخامس عشر. ومعالم هذا الانتعاش ظاهرة؛ ولكن هذه

الحركة في أمسّ الحاجة إلى التحول إلى (مؤسسات) علمية قادرة على تشكيل

مرجعية علمية وعالمية لتوجيه المد الإسلامي المائج في لجج الحياة، دون أن

يستطيع الوصول إلى منارات تهديه أو أفق يأوي إليه، بسبب قصور غير مقصود

في إيصال نور العلم الصحيح إليه.

ثالثاً: على المستوى الفكري:

طرحت في الساحة الإسلامية عبر عقدين ماضيين مختلف القضايا الفكرية

التي كانت محل أخذ ورد عبر عقود متطاولة مضت، وقد أُنهكت بعض هذه

القضايا بحثاً وسُطّح بعضها وتفلّت آخر عن البحث، وتجوهل آخر فلم يُبحث،

والأسباب كثيرة، ولكن كان هناك غائب مشترك في أكثر الأحايين وهو فصل الفكر

عن الفقه، وخاصة الفقه الأكبر، فقه الاعتقاد، مما أنتج تلك الفوضى الفكرية

المسؤولة عن تفريق الصفوف والقلوب.

نحن في مسيس الحاجة إلى منظومة فكرية متكاملة لمختلف نواحي التصور

والسلوك تستقي من منهج القرآن والسنة، وتتخلص إلى غير رجعة من اللوثات

الاعتزالية أو الرافضية أو الخارجية أو الصوفية التي تسللت إلى كثير من

الطروحات الفكرية المعروضة باسم أهل السنة. وما يطرح في الساحة الآن على

أنه (فكر إسلامي) يحتاج في الحقيقة وبكل هدوء إلى إعادة توصيف، حتى لا نقول

تصنيفاً، وحتى يذهب الزَبد جفاء، وتبقى الزبدة لنفع الناس.

رابعاً: على المستوى السياسي والإعلامي:

الصحوة الإسلامية فتحت بلا جدال أعيناً للرؤية السياسية الواضحة، كان

الناس قبلها أتباعاً لكل ناعق، ليست لهم آذان إلا الإذاعات ولا أعين إلا الشاشات،

وقد أثبتت الصحوة قدرتها على صناعة (رأي عام) في كثير من القضايا؛ بالرغم

من الحصار المفروض عليها في البر والبحر والجو.

واليوم، وقد سقط جدار الحصار بظهور التقنية الإعلامية الحديثة؛ فالمسلمون

يدخلون بهذا في مرحلة جديدة من مراحل (البلاغ) للعالمين، تحتاج إلى فهم جديد

ماهر في العمل الدعوي: السياسي والإعلامي يشيع النظرة الإسلامية فيما يجد من

أمور انطلاقاً من ثوابت الإسلام العقدية والشرعية، من خلال تحليلات متعمقة

وطروحات هادئة تثبت جدارة الإسلام بقيادة شعوب المسلمين، بل بقيادة العالمين.

خامساً: على المستوى الاقتصادي:

رَاجَ مصطلحُ (الاقتصاد الإسلامي) نظرياً، وحاول إثبات وجوده عملياً من

خلال المصارف والاستثمارات الإسلامية فكان مثالاً واضحاً من الأمثلة العديدة التي

تدل على أهلية الإسلام للقيام بشؤون الاقتصاد محلياً وعالمياً؛ ولكن إثبات الوجود

وحده لم يعد يكفي في عصر النمور والنسور والصقور الاقتصادية التي لا تفرق بين

حلال وحرام.

نحن في حاجة إلى الانتقال من مرحلة إثبات الوجود إلى مرحلة (فرض

الوجود) ؛ فالثروات في أرض الإسلام يتوجب توجيهها للصالح العام مع العمل الجاد

نحو تشجيع الاستثمار الإسلامي في مظانه؛ وهو الذي سيوجه حتماً سياسات كثير

من الأنظمة في يوم ما، وباكورة ذلك ما نراه من تسابق نحو (أسلمة) المصارف

لبعض فروعها قبولاً منها بالأمر الواقع الذي تفرضه الشريحة الإسلامية العريضة

التي ترفض الحرام وتأباه.

سادساً: على المستوى الاجتماعي:

كان جهد الصحوة مشكوراً في لفت الأنظار إلى أن هناك لوناً راقياً من التكافل

يدعو إليه الإسلام، لم تصل إلى مستوى الحلم به منظماتُ الرعاية والحماية وحقوق

الإنسان العالمية المسيّسة.

ولكن هذا النشاط المشكور، حاول دائماً أن يجمع البيض كله في سلة واحدة،

جامعاً بين النشاط الأسري والإغاثي، والإنمائي والعلمي والدعوي.

نحن مقبلون على مرحلة تحتاج إلى التخصص الدقيق في العمل الاجتماعي

والخيري، فهذا أرعى لمصالح المسلمين، وأدعى لتجاوز العقبات والعراقيل التي

توضع أمام الأنشطة (الموسوعية) باسم سياسات (تجفيف المنابع) .

سابعاً: على المستوى الجهادي:

شهدت الصحوة في عقديها الماضيين وُثُوباً من رقدة القعود الطويلة عن شرعة

الجهاد إلى قيام صاعد صامد في وجه الجبارين اكتسى ثوباً إسلامياً جديداً بعد أن

كان يتلفع خرقاً وطنية

وقومية وثورية. وبنسب متفاوتة أدى إحياء تلك الشرعة

الإلهية دوراً في حياة المسلمين المعاصرة؛ مما أخافَ قوى الظلم، فسارعت إلى

تلطيخ وجه الجهاد الوضيء حتى لا يتكرر تحوله من (دعوة) إلى (دولة) كما حدث

في أفغانستان والشيشان والسودان.

ولا تزال أمام الجهاد الإسلامي الماضي إلى يوم القيامة ساحات وميادين،

تستوجب تعديل مسار الجهاد إلى هدفه الأسمى وهو: أن تكون كلمة الله هي العليا؛

فهذا فقط هو الجهاد. وكل عمل باسم الجهاد لا يتغيّا هذه الوجهة نظرياً ويطبقها

عملياً فهو إلى الإفساد أقرب. وعلى المجاهدين وهم ينتظرون ساعة الصفر

وساحات الفداء أو هي تنتظرهم أن يحملوا سلاح العلم والإخلاص لينتصروا بهما

أولاً على أعدى أعداء الجهاد. وهما: الجهل، والهوى.

ثامناً: على مستوى العمل الفردي:

كان بإمكان الصحوة أن يتضاعف عطاؤها أضعافاً كثيرة لو أنها وجهت جزءاً

من اهتمامها بالعمل الجماعي إلى العمل الفردي، فإذا كان العمل الجماعي من

الأعمال المشروعة بين عيني وكفائي فإن العمل لنصرة الدين على المستوى الفردي

مفروض عينياً على كل قادر بحسبه، وطبقاً لمقدرته، ومع هذا؛ فإن العمل

الجماعي هو المطالب أيضاً بتوظيف العمل الفردي لتلافي ذلك القصور الشائع؛ فكم

من أفراد يبحثون عن أدوار! وكم من أدوار تبحث عن أفراد! ومن بركة العمل

الجماعي أنه يستطيع الاضطلاع بهذه المهمة.

تاسعاً: على مستوى العمل الجماعي:

في غياب دور (الدولة) في أكثر بقاع العالم الإسلامي باعتبارها المؤسسة

المسؤولة عن توجيه الوظيفة الأولى للأمة وهي الدعوة، كان من المهم بحكم

الضرورة أن تتولى الأمة بنفسها القيام بما كان يجب أن تقوم به الدول؛ فظهر في

مرحلة الصحوة دور بديل وإن كان غير كافٍ وهو نشوء الجماعات العاملة للإسلام

وتفرعها وتنوعها، ولا يستطيع مجادل أن ينفي الدور الذي قامت به تلك التجمعات

نيابة عن الدول في خدمة دعوة الإسلام، سواء كانت تجمعات علمية أو دعوية أو

سياسية أو جهادية، وبالرغم من جسامة الدور الذي قامت ولا تزال تقوم به تلك

الجماعات، فإنها عجزت إقليمياً وعالمياً عبر عقدين ماضيين عن تحقيق هدف

رئيس من أهداف دعوة الإسلام، وهو فريضة الاعتصام بحبل الله.

وفي مرحلتنا المقبلة، لا عذر لنا أمام الله في التفرق بعد أن جمعنا الإسلام،

أو التشرذم وقد وحدنا الإيمان.

لم تعد (الصحوة) وحدها تكفي؛ فالعملاق (النائم) قد صحا.. ولا ينبغي أن

يكتفي بأنه قد صحا وأدرك ما حوله؛ لقد آن الآوان له أن ينهض ليغير ما حوله.

آن لنا أن ننتقل من مرحلة (الصحوة) إلى مرحلة (النهضة) .

والله الهادي إلى سواء السبيل،،،