للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

مصطلحات ومفاهيم

[الثيوقراطية]

د. محمد يحيى

من المصطلحات والمفاهيم التي جرى تداولها في الفترة الأخيرة ولا سيما في

معرض الهجوم على طروحات الحركات الإسلامية مصطلح (الثيوقراطية) ولولا

هذا الاستخدام ضد الإسلام ومبادئه لما كتب لهذا المصطلح أي بقاء أو أثر؛ فهو من

المصطلحات السياسية ذات القيمة غير الدائمة التي أطلقت في الغرب لتشير إلى

حكم أقلية من الأقليات تتسلط على أغلبية فئات المجتمع؛ فقد أطلق في بعض

الكتابات مصطلح اليلوتوقراطية للدلالة على سيطرة طبقة كبار الأغنياء على

الحكومة والسلطة في بلد من البلاد، أو مصطلح الأديجاركية للدلالة على حكم أقلية

من أصحاب النفوذ والحول.

والثيوقراطية تشير في هذا الإطار إلى حكم أقلية ممن يسمون برجال الدين أو

الكهنوت التابعين لدين من الأديان لا سيما تلك المذاهب التي تنشئ كهنوتاً كالمسيحية

في المقام الأول. والكلمة مشتقة كما هي العادة في الكثير من المصطلحات الغربية

من الأصول اللغوية اليونانية من لفظي: ثيوس (الدين) وكراس (الحكم أو السلطة

أو الطبقة.. إلخ) . أقول: إن هذا المصطلح بالذات وجد شيوعه واستخدامه الأكثر

والأغلب في الغرب في إطار الكتابات الصحفية الدارجة، وليس في إطار الدراسات

الأكاديمية الرصينة أو المتعمقة، وما كان له أن يصل إلى الذيوع والانتشار والأثر

الخطير الذي وصله عندنا في الكتابات في العالم العربي الإسلامي لولا أن استخدامه

فُرِضَ في إطار الهجوم على دعوات الإسلاميين لتطبيق الشريعة الإسلامية أو إقامة

الدولة الإسلامية أو إضفاء الطابع الإسلامي على المجتمع.

والحق أن استخدام هذا المصطلح بالذات لتوصف به طروحات دعاة الإسلام

في ميدان السياسة والحكم والمجتمع ينطوي على تشويه خطير وغير موضوعي،

فلا يفكر أي من هؤلاء الدعاة مهما بلغ من الغلو أن يقيم سلطة أو حكومة أو نظاماً

سياسياً يشكله ويهيمن عليه المشايخ أو علماء الدين في تصوُّر أنهم طائفة أو طبقة؛

ذلك أنه لا توجد في الإسلام وفي تجاربه التاريخية مثل هذه الطبقة كما هي الحال

بالنسبة للكنيسة أو الكنائس المتعددة في المسيحية، أو أنواع الكهنوت المماثل إلى

حدٍّ مَّا في البوذية والهندوسية.

إن دعوات تطبيق الشريعة الإسلامية أو حكم الإسلام أو الدولة والنظام

الإسلامي تقصد في مجملها وحتى الاختلاف في التفاصيل إلى إرساء نظام للحكم

وفلسفة للمجتمع تقوم على مبادئ الإسلام وتعاليمه وتنطبع بطابعه؛ بحيث يكون هذا

الدين هو بلغة السياسة المعاصرة: النسق الفكري والأخلاقي للدولة والمؤسسات في

المجتمع الإسلامي. ولا يعني هذا بأي حال أن يكون المسيطرون على مجريات

الأمور في مثل ذلك النظام هم علماء الدين؛ دون أن يعني كذلك أن يستبعد هؤلاء

من دنيا الحكم والسياسة لمجرد ترضية بعض الذين يصفونهم خطأً برجال الدين

ويريدون إقصاءهم من الحياة العامة من منظور علماني. وإذا قيل وقد قيل إن إقامة

دولة أو نظام إسلامي يكون الحكم والسلطة فيه للمبادئ، والتعاليم والتوجيهات

والأحكام والشرائع والرؤى والتصورات والقيم الإسلامية يعني في الحقيقة إقامة

نظام يحكم فيه علماء الدين المسلمون أو المشائخ؛ لأن هؤلاء هم الذين يشرحون

ويفسرون الإسلام ومراميه وشريعته ونظامه. إن قيل ذلك فإن الرد ببساطة يقول:

إن هؤلاء يؤلفون فئة من الدارسين والباحثين والعلماء يشرحون الإسلام ويعلِّمونه؛

لكن ليست فئة مغلقة ولا احتكارية؛ ففهم الإسلام وشرحه وتعليمه مفتوح للجميع

شريطة الاتساق مع المنهجية العلمية كما هي الحال في كل المراكز والجامعات

العلمية في كافة أنحاء العالم وكل الثقافات، ومع ذلك فلا يوجد مانع فكري أن يحكم

العلماء أو يشكلون ناحية من نواحي مؤسسة الحكم وجوانبها؛ لأن العادة كانت ولا

زالت في الغرب أن يضم الحكام بعض رجال الكهنوت المسيحي إلى صفوفهم، كما

يضمون معهم فئات كالعلماء في الدراسات الطبيعية والإنسانية ورجال الأعمال

والثروة والعسكريين وأصحاب النفوذ والأوضاع الارستقراطية.. إلخ، فليس ثمة

عيب أو حرج إلا من وجهة النظر العلمانية الشرسة في تصورها الإقصائي للإسلام

في أن يتولى الحكم أو جانباً منه أفراد من فئة علماء الدين الإسلامي إذا كانوا

يصلحون لهذه المهمة من ناحية الاستعداد والكفاءة وثقة الجماهير والقدرة على إدارة

دفة الحكم؛ مع الاستعانة بالمتخصصين كل في مكانه، والقدرة على تطبيق

المشروع الإسلامي داخل بلادهم مع فهم كل الظروف والأوضاع التي يمر بها العالم.

وفي الوقت نفسه فلا يوجد أيضاً ما يفرض أو يحتم أن تتألف الطبقة أو الفئة

الحاكمة في البلد المسلم الملتزم بالمشروع الإسلامي من طائفة علماء الدين أو

المشايخ طالما كان الحكام مسلمين ملتزمين يطبقون الشريعة والمنهج الإسلامي الذي

يتفق الجميع عليه، وينفذون السياسات المنبثقة عن الإسلام وهو دين الجميع

ومفتوح لأن يدرسه الكل ويتخصص فيه كل قدر استطاعته.

إن استخدام مصطلح الثيوقراطية بهذا الخطأ المتعمد والتشويه مع التضحية في

أهميته وإيهام الناس بأنه مصطلح (علمي) أو (أكاديمي) منضبط المعنى يهدف في

النهاية إلى إدخال البلبلة وتشويه صورة الحركات الإسلامية بتصويرهم مجموعة

قليلة من الأشخاص يريدون الوثوب على السلطة والحكم خدمة لطائفة محدودة تبغي

التسلط على مقدرات الأغلبية وثرواتها؛ بينما تقول الحقيقة: إن المشروع الإسلامي

هو نابع من الأغلبية المسلمة خدمة لمصالح عقيدتها وأهدافها الدينية والدنيوية، وإنه

يرمي إلى تحكيم مبادئ الدين لا إلى إتاحة الفرصة لعدد محدود من الأشخاص

الطامحين إلى خدمة مصالحهم الشخصية.

ومبادئ الدين ليست حكراً في فهمها أو العمل بها أو الإيمان بمراميها على فئة

محدودة حتى يكون إعمالها بمثابة تكريس لسلطة هذه الفئة؛ بل هي محل إجماع

الجميع؛ بحيث يجزئ عنهم من يحكم بها من أي فئة اجتماعية جاء طالما هو يحكم

بها في انفتاح وعدالة دون أن يدعي احتكار الحكم له.

إن الثيوقراطية تجوز فقط لوصف فترات من التاريخ الغربي طويلة حكم فيها

فعلاً أو من وراء ستار الكهنوت المسيحي، كما أنها تجوز الآن لوصف حقب

معاصرة من التاريخ الغربي يحكم أو حكم فيها الكهنوت العلماني باعتبار العلمانية

عقيدة تؤمن بها وتقوم عليتها نخبة صغيرة من الأشخاص لا نبالغ إذا قلنا: إن

جذورهم ترجع إلي المذهب الماسوني الصهيوني.