للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

المسلمون والعالم

مسلمو شبه جزيرة القرم

صورة عن قرب

مبارك عبد اللطيف

معلومات أساسية:

جمهورية القرم: هي جمهورية ذات حكم ذاتي، وداخلة في تكوين جمهورية

أوكرانيا. وتقع شبه جزيرة القرم في الجزء الجنوبي لأوكرانيا.

عاصمتها: سيمفيروبل.

السكان: ٠٠٠، ٤٠٠، ٢ نسمة. (الروس ٥٥%، الأوكران ٣٠%،

التتار ١٢%) .

تاريخ القرم وتتار القرم:

كل الدراسات والأبحاث العلمية المتعلقة بشبه جزيرة القرم تؤكد أن هذه

المنطقة ذات المناخ المعتدل وطبيعتها المميزة كانت من أول المناطق الصالحة لحياة

الإنسان، وأن أول من سكنوها هم التتار والمغول والأتراك. أما السكان الأصليون

لشبه جزيرة القرم فهم التتار وهم خليط من سكان المناطق الجبلية كريمسي (وهم

السكان الأصليون) ، اسكيفي، قوتي، الإغريق، سارماتي والمناطق الشمالية

(كبشاكي - أتراك) . وفيما يتعلق باللغات التي كانت سائدة في شبه جزيرة القرم

فنجد أنه لكل قومية لغتها الخاصة بها، ولكن نمو العلاقات وتطورها في مجالات

التجارة والاقتصاد أدى إلى ظهور لغة موحدة هي اللغة التركية التي أصبحت اللغة

السائدة التي يتحدث بها الجميع في شبه جزيرة القرم التي كانت في ذلك الحين تعد

مركزاً كبيراً للتجارة والاقتصاد.

دخول الإسلام إلى أوكرانيا والقرم:

الإسلام يعتبر الديانة الثانية بعد المسيحية (أرثوذكس) . أما دخول الإسلام

إلى أوكرانيا والقرم وتعرُّف شعب أوكرانيا والقرم على الإسلام فإنه يرجع إلى

النصف الأول من القرن العاشر الميلادي عن طريق الرحالة والتجار المسلمين الذين

كانوا يصلون إلى مدينة كييف عاصمة دولة روس الأوكرانية والقرم محملين

بالبضائع المختلفة؛ وهذا ما تثبته المراجع والعملات النقدية التي عثر عليها

مصكوكة بأحرف عربية يرجع تاريخها إلى القرن العاشر الميلادي. أما البداية

الحقيقية لدخول الإسلام إلى القرم فكانت متمثلة في اعتناق (بركة خان) أمير

القبيلة الذهبية في القرم للإسلام في عام ١٢٦٧م. هذا العام يعتبر بداية لمرحلة

جديدة في انتشار الإسلام في شبه جزيرة القرم وخروج الإسلام من مرحلة الانتشار

عن طريق الأفراد إلى مرحلة أخرى تدعمها السلطة، ولقد أسس الأمير بركة خان

دولة إسلامية امتدت من حوض الفولجا وحتى شبه جزيرة القرم؛ حيث كانت

عاصمتها مدينة بخشيساراي (حديقة الزهور) .

السيطرة الروسية:

أما عن وضع المسلمين بعد أن تمت لروسيا السيطرة الكاملة عام ١٨٧٣م

على القرم فلم يزدد إلا سوءاً، وأصبحت أمامهم خيارات الهجرة والإبعاد أو ترك

دينهم واعتناق المسيحية. بدأت السلطات الروسية حملات التطهير العرقي والديني

لمسلمي القرم؛ حيث قامت السلطات بإغلاق المدارس والمساجد، ومصادرة

الأوقاف، ومطاردة المسلمين وملاحقتهم وإجبارهم على مغادرة موطنهم القرم،

وقامت بإبعاد الأئمة والمعلمين وترحيلهم إلى المدن الروسية وإجبار أبناء المسلمين

في الخدمة العسكرية على أكل لحم الخنزير وكل ما هو محرم من طعام وشراب.

نتيجة لهذه السياسات القمعية والإرهابية اضطر كثير من المسلمين إلى الهجرة

من موطنهم القرم، فهاجر إلى تركيا تقريباً أربعة ملايين مسلم هرباً من سياسات

القمع الروسية، أما الذين لم يتمكنوا من الهجرة فتم ترحيلهم إلى مدن روسيا

المختلفة لتذويبهم في المجتمع الروسي، وكان كل من يتم إبعاده أو طرده من القرم

يفقد حق العودة إلى القرم مرة أخرى.

من الواضح أن السلطات ركزت في المقام الأول وبشدة على إبعاد المسلمين

عن دينهم ووطنهم، وثانياً على طمس معالم الحضارة الإسلامية وإزالة كل شيء له

علاقة بالإسلام من أرض القرم؛ ففي عام ١٨٣٣م قامت السلطات بالاستيلاء على

المكتبات وهدمها وحرق الكتب الإسلامية وإبادتها. أما المساجد فأكثر من ٩٠٠

مسجد تم هدمها وتحويلها إلى مجالات أخرى؛ وحتى الآن توجد في كثير من قرى

القرم معالم لتلك المساجد تقف شاهداً ودليلاً. لم تكتف السلطات بما فعلته في

المساجد والمدارس بل وصلت يدها إلى مقابر المسلمين التي تم نبشها والعبث بها،

وسُرقت الحجارة منها لاستخدامها مواد للبناء.

وهكذا سارت حياة المسلمين على هذا النمط حتى قيام الثورة الاشتراكية

الشيوعية في أكتوبر ١٩١٧م لتبدأ مرحلة جديدة في تاريخ الإسلام والمسلمين في

القرم.

تتار القرم في ظل ثورة أكتوبر الاشتراكية الشيوعية

وقيام الاتحاد السوفييتي:

لم يُخْفِ البلاشفة منذ الأيام الأولى لثورة أكتوبر الاشتراكية في ١٩١٧م

عداءهم ومحاربتهم لتتار القرم؛ حيث قاموا منذ الأيام الأولى للثورة بأعمال إرهابية

ضد التتار، وعندما قام التتار برفض تلك الأعمال الإرهابية وإدانتها أغضب ذلك

البلاشفة، وقاموا بحرب شعواء واسعة النطاق ضد التتار في القرم واصفين القرم

بأنهم بؤرة الرأسمالية والتجسس، وكانت نتيجة ذلك حمامات دماء وحرق جماعي

وقتل بالرصاص وبالتجويع وبالتعذيب أودى ذلك بحياة أكثر من ٦٠٠٠٠ تتري

(ستين ألفاً) ، وفي عهد ستالين ازداد الحال سوءاً؛ حيث أعدم بالرصاص حوالي

٣٥٠٠ تتري (ثلاثة آلاف وخمسمائة) من المثقفين وعلماء الدين، وكذلك عشرات

الآلاف من الشباب ورجال الأعمال الذين رفضوا الاتحاد مع المزارع الحكومية.

في سنة ١٩٢٩م تم إبدال أحرف اللغة التترية بأحرف لاتينية، وتم إبعاد أي

مطبوعات باللغة التترية من كتب وغيرها عن المكتبات الحكومية، وكذلك قاموا

بنزع كل الكتب والجرائد وكل ما يمت إلى اللغة التترية بصلة وحرقوه وأصدروا

قانوناً يمنع حفظ أي مطبوعات باللغة لها علاقة بالتترية.

الحرب العالمية الثانية:

بحلول عام ١٩٤١م قل عدد تتار القرم ووصل تقريباً إلى ربع مليون نسمة،

وعند قيام الحرب العالمية الثانية تم تجنيد ٦٠٠٠ تتري في الجيش الأحمر. عندما

وصل الألمان إلى القرم سعوا إلى تمكين وجودهم في القرم وقاموا بترحيل حوالي

٨٥٠٠٠ تتري إلى معسكرات حول برلين للاستفادة منهم أيدي عاملةً، مما دفع

التتار إلى مقاومة الألمان باللجوء إلى حرب العصابات وتكوين مجموعات فدائية

أدت إلى إزعاج الألمان الذين قاموا بأعمال انتقامية ضد التتار؛ حيث قاموا بالقتل

وحرق ٥٢ قرية بسكانها. والحقيقة التي لا بد من ذكرها هي أن حوالي ألفين من

سكان القرم تعاونوا مع الألمان ومن بينهم تتار؛ إلا أن عدد التتار ما كان يصل إلى

الحد الذي يمكن أن يوصفوا فيه بالعمالة؛ فقد تعاون مع الألمان كذلك روس

وأوكران بأعداد أكبر من التتار.

كارثة ثقافية وأخرى إنسانية:

لم تُخفِ الثورة الاشتراكية منذ لحظة قيامها محاربتها وعداءها للأديان

وبالأخص للإسلام والمسلمين؛ فلقد شهدت العشرينيات والثلاثينيات حرباً شعواء

واسعة النطاق ضد الدين والمتدينين على حدود الاتحاد السوفييتي سابقاً، وكانت

مطرقة النظام موجهة وبقوة ضد مسلمي أوكرانيا والقرم على وجه الخصوص وهو

ما أثَّر تأثيراً مباشراً على المسلمين وعلى حياتهم الدينية. قام النظام في القرم

وبصورة واسعة وبقسوة متناهية بإغلاق المساجد والمدارس الإسلامية والمكتبات

الدينية والقبض على الزعماء الإسلاميين وتعذيبهم في السجون، وكانت الدعاية

البلشفية تربط وبصورة مباشرة بين التوجه الإسلامي وعدم الوعي الاشتراكي

والخرافة البورجوازية. وتحت ضغط السياسة الاشتراكية ومحاربتها للإسلام بَعُدَ

المسلمون شيئاً فشيئاً عن دينهم ودين أجدادهم، أما ذوو العزيمة والإيمان الصادق

الذين ثبتوا على دينهم فإنهم عاشوا وبصورة دائمة في خوف واضطهاد. وبصورة

واضحة وعلنية ودعائية كان يقوم النظام بوضع الحواجز في طريق العمل المنظم

للجمعيات الإسلامية، وفي نهاية الثلاثينيات تم إبطال أي نشاط إسلامي وإعدام كل

القيادات الإسلامية تقريباً ونفيها بحجج واهية كقيادتهم لجماعات وحركات عنصرية؛ وذلك لتسويغ الأعمال الوحشية وغير الإنسانية تجاه القيادات الإسلامية.

هكذا كانت حياة تتار القرم مقبوضاً عليها بيد من حديد حتى بداية الستينيات

عندما رُدَّ إليهم اعتبارهم في المؤتمر العشرين للحزب الشيوعي السوفييتي بإدانة

أعمال ستالين الوحشية التي ارتكبها ضد التتار بتهجيرهم من وطنهم الأصلي القرم.

رغم الصعاب الكثيرة التي كانت تعترض طريق التتار المتمثلة في فقدانهم لوطنهم

وممتلكاتهم وسيطرة الروس والأوكران الذين حلوا مكانهم عليها لم ييأس التتار من

مواصلة صراعهم من أجل الحياة والرجوع إلى وطنهم الأم القرم؛ حيث قاموا

بتجميع صفوفهم وتنظيمها وتأسيس الحركة القومية لتحرير القرم التي ترأسها

(مصطفى جميلوف) وقامت في المدن والقرى في القرم حملات توعية وسط السكان

لشرح أهداف الحركة الوطنية وإمكانية اتحاد الحركة مع الحركات الديمقراطية

والدينية التي كانت تقاوم النظام، كما تم إرسال ممثلين إلى موسكو لمقابلة رؤساء

الكريملين وتسليمهم رسائل حول مشاكل التتار وعودتهن إلى وطنهم الأصلي في

القرم، وقامت الحركة بإرسال المعلومات والوثائق والأخبار والخطابات إلى الجميع

عن طريق البريد والإذاعات مثل صوت أمريكا وهيئة الإذاعة البريطانية وراديو

الحرية وموجة ألمانيا وراديو كندا؛ وهذا شكَّل بدوره ضربة كبيرة للشيوعية التي

كانت تتبجح بالمساواة بين جميع البشر.

بعد هذه الأحداث قامت السلطات بإعفاء أعضاء الحركة من العمل الحكومي ثم

محاكمتهم وسجن بعضهم. وفي يونيو ١٩٦٩م خرجت مجموعة من التتار في

مظاهرة إلى إحدى الساحات المركزية في موسكو مطالبين بإطلاق سراح (بيتر

قريقورينكا) الذي دافع عن حقوق تتار القرم، وكان ذلك في يوم لقاء رؤساء

الأحزاب الشيوعية للدول الشيوعية الصديقة، ولقد تمكن المتظاهرون التتار من

توزيع بعض المنشورات والأوراق عن تتار القرم ومشاكلهم وعن (بيتر

قريقورينكا) إلا أن المظاهرة لم تستمر أكثر من ست دقائق؛ حيث قامت الشرطة

مع جهاز الأمن بتفريق المتظاهرين.

ورغم أن مجلس السوفييت الأعلى في سنة ١٩٦٧م أصدر قراراً يعطي تتار

القرم حق السكن في أي مكان في الاتحاد السوفييتي إلا أن هذا كان مجرد قرار. أما

الواقع فكان يقول إن من حق التتار السكن في أي مكان في الاتحاد السوفييتي ما عدا

القرم؛ فقد كانت أراضيه محرمة عليهم، وحتى بعد أن بدأت تهب رياح الحرية

والديمقراطية عادت إلى القرم مئات الأسر، ولكنهم في القرم فوجئوا بالرفض

لعودتهم ومنعهم من السكن والحصول على قطع سكنية وطردهم مرة أخرى من

وطنهم بحجج واهية مثل عدم الإقامة والتسجيل، وعدم قانونية البيع والشراء في

مجال الأراضي. بهذه الأسباب تم طرد أكثر من عشرة آلاف منهم. وصاحب

حالات الطرد الأخيرة مآسٍ كثيرة بعد أن فقدوا كل شيء في حياتهم من أجل

الوصول إلى وطنهم القرم؛ ولكن عندما وُوجِهوا بالرفض لرجوعهم دخل بعضهم

في اشتباك مع السلطات التي زجت ببعضهم في السجون التي توفي فيها الكثيرون،

وآخرون قاموا بالانتحار وحرق أنفسهم في مناطق عامة احتجاجاً على سياسات

الدولة ضدهم.

تتار القرم في ظل أوكرانيا المستقلة:

المجلس التتري:

لقد بدأ الظهور الفعلي للتتار في الحياة السياسية وممارسة حرياتهم والمطالبة

بحقوقهم في ١٩٩١م عندما أعلنت أوكرانيا استقلالها. وفي مدينة سيمفيروبل يوم

٢٦/٢/١٩٩١م تم عقد مؤتمر عام لكل التتار بالقرى (قارورتاي) وحضر المؤتمر

وفود من عدد من جمهوريات الاتحاد السوفييتي السابق، وفي المؤتمر تم تكوين

المجلس التتري ممثلاً وحيداً للشعب التتري، وتم انتخاب (مصطفى جميلوف)

رئيساً للمجلس التتري و (رفعت شوباروف) نائباً لرئيس المجلس. وقد التف

حول المجلس التتري جميع التتار وأصبح الجهة الوحيدة التي تمثلهم على الصعيد

السياسي. هذا ويقود المجلس التتري منذ تأسيسه نضالاً متواصلاً للحصول على

المزيد من الحقوق والمكاسب للشعب التتري، ويسعى المجلس كذلك للمشاركة في

الحكومة باعتباره الممثل الشرعي للشعب التتري صاحب الحق والشرعية في شبه

جزيرة القرم؛ إلا أن الحكومة حتى الآن تعترف به حزباً سياسياً لا غير، وأعطت

المجلس التتري في الانتخابات البرلمانية في القرم لعام ١٩٩٤م مقعداً في برلمان

شبه جزيرة القرم من جملة ٩٤ مقعداً من غير انتخاب. وبينما المجلس التتري

يسعى جاهداً لزيادة عدد المقاعد إلى الحد الذي يمكنه من التأثير في اتخاذ القرارات

قامت الحكومة بسحب الـ ١٤ مقعداً من المجلس التتري وطالبت المجلس التتري

بخوض الانتخابات البرلمانية في عام ١٩٩٨م كبقية الأحزاب الأخرى، ولقد خاض

المجلس التتري الانتخابات كبقية الأحزاب إلا أنه لم يحصل على أي مقاعد في

البرلمان؛ وذلك لأن أغلبية التتار لم يشاركوا في الانتخابات لعدم وجود الجنسية

الأوكرانية.

وللمجلس التتري دور كبير في حياة التتار السياسية والاقتصادية والثقافية

والاجتماعية؛ ففي المجال السياسي ما زال المجلس يقود نضالاً متواصلاً للحصول

على المزيد من الحقوق والمكاسب للشعب التتري.

وفي المجال الاقتصادي نجد المجلس في سعي دائم مع الحكومة لتوفير أماكن

عمل للتتار وتسويق مشاريع في القرم وخارج القرم لدعم الأسر الفقيرة، كما يسعى

جاهداً لجذب الاستثمارات الخارجية وخاصة من العالم العربي والإسلامي لتحسين

الوضع الاقتصادي للتتار، وكذلك لفت أنظار العالم العربي والإسلامي لمشاكل

التتار الأخرى المتمثلة في السكن والتعليم والعلاج والخدمات العامة من ماء وكهرباء

وغاز وغيرها وكذلك الجانب الخيري والإنساني.

وفي المجالات الاجتماعية والثقافية نجد أن للمجلس مؤسساته الاجتماعية

والثقافية بين التتار التي لها خططها وعملها ونشاطاتها المتمثلة في التوعية والتربية

الوطنية، والاهتمام بالمواهب وإعداد الكوادر التنظيمية، والمحافظة على العادات

والتقاليد، وعرض الوجه الحضاري والثقافي للتتار على مستوى القرم وأوكرانيا

والعالم أجمع، وفي المجال الإعلامي يمتلك التتار قناة للبث التلفزيوني لساعات

معينة يومياً، وبرامج إذاعية في عدد من الإذاعات، وكذلك هنالك عدد من الجرائد

التي يصدرها التتار باللغتين التترية والروسية.

هذا ورغم الجهود المبذولة من جانب المجلس التتري في الحلول المناسبة

لمشاكل التتار إلا أنه ما زالت هناك عدد من المشاكل ذات الأهمية الكبيرة التي لا

بد من تضافر الجهود مع المجلس التتري وخاصة من جانب العالم العربي

والإسلامي لإيجاد الحل المناسب لها، وهذه المشاكل تتمثل في إيجاد أماكن عمل

للتتار وخاصة لحاملي الشهادات العليا والجامعية. والذي يعتبر من المشاكل التي

تتطلب تدخلاً سريعاً هو توفير فرص للتعليم في القرم وخارجه وخاصة بالنسبة

للتعليم الجامعي وبناء المدارس واللغة التترية، والعلاج وبناء المستشفيات،

ومشاريع صغيرة لدعم الأسر ذات الدخل المحدود. وكما ذكرنا فإن هذه المشاكل

تتطلب تضافر الجهود؛ ولذا فسوف نتطرق لها بالتفصيل.

الإدارة الدينية لمسلمي القرم:

لم يستطع المسلمون ممارسة شعائرهم الدينية بحرية إلا بعد أن أعلنت

أوكرانيا استقلالها بعد سقوط الاتحاد السوفييتي وتفككه. لقد وعت أوكرانيا المستقلة

الخطأ الكبير الذي ارتكبه النظام الشيوعي في محاربة الأديان، ولذلك لم تعطِ شعبها

فقط حرية الدين والعبادة بل أعطت كل الديانات الحق في استرجاع كل المباني

والممتلكات التي سلبها منها النظام الشيوعي. بدأ مسلمو القرم في تجميع صفوفهم

والعودة إلى دينهم الإسلامي، والتنسيق فيما بينهم، والاستفادة من خبرات إخوانهم

في جمهورية روسيا الاتحادية لتوحيد كلمة المسلمين وضم صفوفهم والعودة بهم إلى

تعاليم الدين الإسلامي، وفي هذه الفترة وجدوا مساعدة كبيرة وتعاوناً تاماً من جانب

المؤسسات الإسلامية والخيرية وطلبة الجامعات والدراسات العليا من الدول العربية

والإسلامية مما ساعدهم كثيراً في وضع اللبنات الأساسية لعملهم الإسلامي.

في عام ١٩٩١م تم تكوين أول إدارة دينية في أوكرانيا وتسجيلها في مدينة

(سيمفيروبل) عاصمة القرم، وعلى رأسها المفتي (سيد جليل إبراهيم) . تولت

الإدارة الدينية شؤون المسلمين التتار العائدين من أوزبكستان وكازاخستان

ومساعدتهم في شتى المجالات، وأصبح مقر الإدارة الدينية يتوافد عليه كل

المسلمين من مختلف مناطق القرم بمختلف الأسئلة الدينية والدنيوية. وفي الإدارة

الدينية أصبحت تقام دروس اللغة العربية والتربية الإسلامية في المبادئ الأساسية

للإسلام.

قامت الإدارة الدينية لمسلمي القرم بتشجيع المسلمين في مختلف مناطق القرم

على تكوين الجمعيات الإسلامية وبذلت الإدارة الدينية مجهودات كبيرة في هذا

المجال، حتى إن عدد الجمعيات الإسلامية التي تم تسجيلها في مناطق القرم

المختلفة الآن يقارب مئتي جمعية إسلامية تولت شؤون المسلمين من تعليم إسلامي

واحتفال بالمناسبات الدينية، وعقد القِران والختان وغيرها من الأمور التي تهم

المسلمين، وعملت في تنسيق تام مع الإدارة الدينية مما كان له كبير الأثر في دفع

المسلمين إلى الإسلام والتعاليم الإسلامية.

عملت الإدارة الدينية والجمعيات الإسلامية بالتنسيق والتعاون والاستفادة من

المنظمات الخيرية من الدول العربية والإسلامية العاملة في المجال الدعوي

والخيري، وعلى الرغم من أن المنظمات الخيرية العربية العاملة في المجال الدعوي والخيري تركز وبشكل أساس في عملها الدعوي والخيري على مسلمي روسيا وأوزبكستان وأذربيجان، إلا أنها مع ذلك كان لها الدور الكبير في تعريف مسلمي القرم بالإسلام وتعاليم الدين الإسلامي وتعميق معاني الحب والإخاء بين المسلمين، ولقد لعبت هذه المنظمات دوراً كبيراً في توفير الكتاب الإسلامي باللغة الروسية في علوم القرآن الكريم والعقيدة والفقه والأحاديث والسيرة النبوية الشريفة، وقامت هذه المنظمات أيضاً ببناء عشرات المساجد وترميم بعضها، وبمساعدة تلك المنظمات يتم وبصورة شبه منتظمة تنظيم المخيمات التربوية الصيفية للرجال والنساء والأطفال، وكذلك بمساعدة تلك المنظمات تنظم مشاريع الأضاحي والإفطارات الجماعية، كما أن لتلك المنظمات دوراً محموداً في مجال الإغاثة والأعمال الخيرية.

أما عن المسائل الملحَّة التي تقف الآن أمام الإدارة الدينية والتي لا بد من

تضافر الجهود لإيجاد الحل المناسب لها باعتبارها مسائل لا تهم فقط مسلمي القرم

ولكن يجب أن تجد الاهتمام من كل المسلمين فإنه يمكن تلخيصها في عدم وجود

الكادر المحلي المؤهل لقيادة العمل الإسلامي في المستقبل؛ فالعمل الإسلامي لا زال

يعتمد على الأجانب من طلبة ومنظمات؛ لذا لا بد من العمل الجاد لتأهيل فريق

محلي يفهم الدين الإسلامي فهماً صحيحاً ويكون بمقدوره قيادة العمل الإسلامي ورفع

راية الإسلام على أساس عالمية الدين الإسلامي وصلاحيته لكل زمان ومكان، وهذا

لا يتأتى إلا بالتعليم الإسلامي وفتح مدارس إسلامية تستقبل أبناء المسلمين من

المرحلة الإعدداية وحتى المرحلة الجامعية، وتخرِّج للمجتمع الأوكراني أجيالاً من

علماء ودعاة ومثقفين يحملون القيم الإسلامية الأصيلة فهماً وعملاً وسلوكاً.

وبما أن بناء المدارس والإشراف عليها يتطلب مجهودات كبيرة وإمكانيات

ضخمة يقف أمامها مسلمو القرم عاجزين فإن الأمل يظل على المنظمات والهيئات

الخيرية والدعوية العاملة في المجال الخيري والدعوي وعلى الخيِّرين من أبناء

الأمة الإسلامية. ومسلمو القرم لا ينسون أبداً الدور الكبير والمجهودات الجبارة

التي بذلها وما زال يبذلها إخوانهم المسلمون عبر المنظمات والهيئات الخيرية

والدعوية في مساعدتهم على العودة إلى دينهم الإسلامي.

قامت الإدارة الدينية لمسلمي القرم بالتنسيق مع مركز الجمعيات الإسلامية

المستقلة (الجمعيات التي تعمل خارج إطار الإدارة الدينية لمسلمي أوكرانيا) لعقد

المؤتمر الأول لمسلمي أوكرانيا يوم ٢٤/٩/١٩٩٤م في سيمفيروبل عاصمة القرم

للأهداف الآتية:

* توحيد المسلمين والجمعيات الإسلامية في إدارة دينية واحدة لكل مسلمي

أوكرانيا.

* اختيار مفتٍ لمسلمي أوكرانيا بدلاً عن (أحمد تميم) مفتي الإدارة الدينية

لمسلمي أوكرانيا التي مقرها في مدينة كييف عاصمة أوكرانيا.

* يكون مقر الإدارة الدينية لمسلمي أوكرانيا في سيمفيروبل عاصمة القرم

باعتبار أن القرم يمثل مركز ثقل المسلمين. وبعد أن اكتملت كل الاستعدادات

لانعقاد المؤتمر جاء القرار المفاجئ يوم ٢٣/٩/١٩٩٤م من السلطات المحلية بمنع

قيام المؤتمر بحجة عدم ملاءمة الظروف الصحية لقيام المؤتمر. وهكذا أخفق أول

مؤتمر لمسلمي أوكرانيا في ظروف غامضة وأسباب حتى الآن لم يكشف عنها أحد.

مشكلة الإسكان:

معاناة التتار من السكن كثيرة ومتشعبة حتى يمكن القول بأن ٣٦٢ ألف تتري

يملك سكناً دائماً بينما ١٣٣. ٢ ألف وحوالي ٤٠٠٠ ألف أسرة لا تملك سكناً دائماً، ويعيشون في ظروف غير ملائمة من السكن الجماعي أو المعيشة مع الأقارب

ومع اتخاذ بعض التدابير لتوفير السكن عن طريق الدعم المقدم للبرامج الخاصة

بتحسين الأوضاع للتتر العائدين بمبالغ زهيدة، وترى السلطات أن الدعم سيقتصر

على الأسر الفقيرة، ولتوفير سكن دائم للتتار لا بد من بناء مليون متر مربع،

سيكون جزء يسيرٌ منها على حساب الحكومة ومصادر أخرى بينما سيتم توفير

معظم السكن بصورة أساسية على حساب التتار أنفسهم وبمواردهم الذاتية.

وقد نتج عن ضعف التمويل الحكومي الخاص بتوفير سكن للتتار العائدين

مشكلة كبيرة هي ديون على الحكومة للشركات العاملة في مجال البناء والتي وصلت

في عام ١٩٩٦م إلى ٢. ٥ مليون دولار أمريكي. هذا ونجد أن الحكومة تخفض

دعمها لمشاريع توفير السكن للتتار بينما عدد التتار يزداد في كل يوم حتى إنه في

الفترة الأخيرة خفضت دعمها لدرجة تمكنها فقط من دعم أسرة واحدة من مائة أسرة.

مشكلة التعليم والمدارس واللغة:

في مجال التعليم نجد التقصير الكبير من جانب الحكومة؛ حيث إن عدد

المدارس التي يُدَرَّس فيها باللغة التترية قليل جداً بالمقارنة بحاجة التتار إليها؛ مع

العلم بأن التدريس باللغة التترية من حقوق التتار المثبتة في الدستور.

وحسب الدستور في أوكرنيا فإنه توجد لغة رسمية واحدة هي اللغة

الأوكرانية، وحتى على مستوى القرم فإن اللغة التترية لا تعتبر لغة رسمية؛ ولكن التدريس بها مسموح به في المدارس الحكومية. وفي فترة الخمسين سنة الماضية، وبسبب سياسة التفرقة تعرضت اللغة التترية لخسارة كبيرة؛ وذلك لأنها في هذه الفترة كانت محصورة فقط في محور الأسرة، وتم تحويل حروفها إلى اللاتينية بطريقة ليست علمية كان الغرض منها دمج الشعوب في ثقافة شيوعية موحدة، وكذلك اختلطت ببعض اللغات مثل الروسية والأوزبكية، بينما في فترة ما قبل التهجير كانت اللغة التترية تعتبر اللغة الرسمية، فكانت هي لغة التعامل والتعليم في كل مراحله.

في عام ١٩٦٥م في أوزبكستان بدأت بعض المدارس تدرس اللغة التترية

ابتداءاً من الفصل الثالث لمدة ساعتين في الأسبوع، ولكنها كانت مخلوطة ببعض

الكلمات الروسية. وفي الفترة من ١٧ إلى ٢٠/٦/١٩٩٢م في مدينة سيمفيروبل

وبطلب من المجلس التتري ومعهد التشريق في أكاديمية العلوم الأوكرانية عقد

مؤتمر علمي عالمي في القرم لتحويل حروف اللغة التترية من الروسية إلى اللاتينية، وتم تكوين لجنة تضم بين أعضائها علماء من القرم وبولندا والمجر وتركيا

وعدد من جمهوريات الاتحاد السوفييتي السابق ذات اللغات التي تنحدر من أصل

تركي، حيث قامت هذه اللجنة بوضع أحرف جديدة للغة التترية. ويتم الآن تدريس

اللغة التترية القرمية في عدد من المدارس مادة اختيارية ما عدا المدارس التترية

السالفة الذكر.

وفي النهاية نخلص إلى أن اللغة التترية محتاجة أولاً إلى أن يُعترف بها لغة

رسمية في جمهورية القرم؛ وهذا السؤال ما زال معلقاً، والجميع في انتظار الحل

من البرلمان الأوكراني والقرمي، وثانياً محتاجة إلى حماية وتطور؛ وهذا بدوره

يحتاج إلى إمكانات ضخمة لإعداد المعلمين والمترجمين، وطبع الكتب والمناهج

العلمية ونشرها. ولا شك أن حماية اللغة التترية هي حماية لتاريخ التتار وثقافتهم.

مشكلة العمالة:

من المشكلات الكبيرة والمعقدة التي تواجه التتار هي مشكلة الحصول على

عمل؛ حيث نجد أن نسبة ٤٩% من التتار ليس لهم عمل ثابت ولا مؤقت؛ ومن

جملة ١٣٣١٠٦ تتري يشكلون اليد العاملة، منهم حوالي ٦٦٨٧٣ تتري لهم عمل

ثابت أو مؤقت أو موسمي. وتتار القرم يعملون بشكل أساس في مجالات منها:

الزراعة ٣٠٥٦٤ تتري، والبناء والصناعة ١١٠٣٩ تتري، والتعليم ٤٣٨٢ تتري، والصحة ٣٦٤٢ تتري. أما في المجالات الأخرى فأعدادهم قليلة جداً؛ فمثلاً في

أقسام وزارة الداخلية يعمل ٢٠٠ تتري (١. ٣% من العدد الكلي للعاملين) وفي

أقسام وزارة المالية يعمل ٦ تتار؛ أما بين المسؤولين فلا يوجد أحد. وحسب

التقرير الحكومي الخاص بالعمالة بالقرم لسنة ١٩٩٧م الذي أعدته اللجنة الحكومية

الخاصة بالعمالة كان ينتظر أن يصل عدد التتار العاطلين عن العمل في القرم بنهاية

العام ١٩٩٧م إلى ٧٠٧٤٤ تتري. لقد قامت الحكومة بوضع برنامج لتطوير عدد

من المدن وتوفير فرص عمل فيها مثل جانكوي وبخشيساراي وكراسنقفارديسكي

ونيجناقورسكي وسافيتسكي ومناطق أخرى يصل عدد التتار العاطلين عن العمل

فيها إلى ١٧٩٨٨ تتري إلا أن هذا المشروع لم ينفذ؛ ولذا نجد أن أغلب التتار

يتمسكون بأعمال مؤقتة أو موسمية أو يلجؤون إلى أعمال هامشية في المزارع

والأسواق والحقيقة المؤلمة هي أن من بين هؤلاء حملة شهادات جامعية في

مجالات الطب والهندسة وغيرها وذوو خبرة في هذه المجالات. أما المشاكل التي

تقف عائقاً في طريق التتار للحصول على فرص عمل فيمكن أن نلخصها

في الآتي:

١ - العامل القومي: هذا من المشاكل الكبيرة التي تواجه التتار في مجال

البحث عن العمل؛ وذلك لأن كثيراً من التتار لا يتم استيعابهم في العمل؛ لأنهم

تتار؛ وهذه المشكلة نجدها بشكل ملحوظ في مجالات التعليم والهندسة، وكذلك

مجالات الفن والثقافة؛ والسلطات المحلية تعي تماماً تلك الحقائق وتعترف بها أيضاً.

٢ - الجنسية الأوكرانية: في القرم الآن حوالي سبعين ألف تتري ليس لديهم

الجنسية الأوكرانية؛ والسبب في ذلك هو صعوبة إجراءات الحصول على الجنسية

الأوكرانية وتعقيدها، وكذلك تكاليفها الباهظة؛ والقاعدة تجاه هؤلاء واضحة وثابتة: من ليس له جنسية ليس له فرصة في العمل الحكومي.

٣ - التقصير من جانب المسؤولين: وهذا واضح في عمل اللجان العاملة في

هذا المجال، وكذلك الأقسام الخاصة بالعمالة والتي لا تقوم بواجبها في توصيل

المعلومات الكاملة من التتار وإليهم، إضافة إلى ذلك التقصير في عمليات التسجيل

ومراكز التسجيل [*] .


(*) كل الأرقام والإحصائيات التي وردت في الفقرات الخاصة بمشكلات السكن والتعليم والعمالة
مأخوذة من تقارير لوزارة الداخلية وجهات رسمية متخصصة فيما يتعلق بعودة التتار وتوطينهم.