للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

المنتدى

[الغيبة]

بدر السحيل

يتورع الكثير من المسلمين عن اللحوم المستوردة لا سيما المعلبة منها

ويتوقَّوْن في ذلك أشد التوقِّي مخافة أن تكون من اللحوم المحرمة، أو أن تكون قد

ذبحت على خلاف الطريقة الشرعية. وهذا سعي مشكور. ولكنْ هناك لحوم لطُفت

حتى خفيت على المتورعين، ولم تدركها رقابة المتوقِّين؛ والسر في هذا أن اللحوم

التي رغب عنها المتورعون لحومٌ حسيَّة مشاهَدة، فلا تخفى على الرقابة؛ لأن

الذي يتناولها يعالج أكلها. بينما الأخرى لا يحتاج إلى ذلك آكلها. وكلاهما يُسمى

أكلاً، قال تعالى: [أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَن يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتاً] (الحجرات: ١٢) .

إنها «لحوم البشر.. الغيبة» نعم قد سماها الله سبحانه بذلك [أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَن

يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ] (الحجرات: ١٢) وتكاثرت الأدلة على تحريمها وبيان خطرها

وقبح التلبس بها.

فعن ابن مسعود قال: «كنا عند النبي صلى الله عليه وسلم، فقام رجل فوقع

فيه رجل من بعده، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: تخلَّلْ. قال: مِمَّ أتخلل؟

ما أكلتُ لحماً! قال: إنك أكلت لحم أخيك» [صححه الألباني] .

تنبيه:

لقد انغمر الناس في هذه المعصية؛ ولا أدل على ذلك من واقع الناس، فترى

أن الغيور على محارم الله أن تُنتهك عندما ينكر عليهم هذه الموبقة يُقابَل بإجابةٍ

تواترت عليها الألسنة وألفتها: «ألا تريدنا أن نتكلم» فسبحان الله كأنّ الكلام كلّه

منحصر فيما حرّم الله على عباده. فمن تأمل هذه المقولة تبين له مدى تمزيق الجسد

الواحد نفسه بدلاً من أن يشدّ بعضه بعضاً. وكأننا لم نسمع قول رسول الله صلى

الله عليه وسلم: «من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيراً أو ليصمت»

[رواه البخاري، ح/٦١٣٥] .

هذا هو جواب تلك المقولة؛ إذ ليس من الخير أن تقارف تلك الكبيرة؛ فالزم

الصمت إن لم تقل خيراً فإن «من صمت نجا» .

تساؤل:

لعلك تتساءل معي كيف يقع الصالحون على وجه أخص في هذه الموبقة على

الرغم من أنهم أوْلى الناس بالبعد عنها؟ أقول: هناك أسباب أوقعتهم في ذلك

يشترك معهم بقية الناس فيها. ومنها:

١ - موافقة الأقران ومجاملة الرفقاء؛ حيث يرى أنه لو أنكر عليهم استثقلوه

فيما بينهم في ذلك.

٢ - التشفي، فكلما غضب من أحدٍ شفى قلبه بغيبته.

٣ - إرادة رفع نفسه بتنقيص غيره والحط من قدره.

٤ - اللعب والهزل؛ فربما أراد أن يُضحك الناس بمحاكاة فلان وفلان في

قوله وفعله.

٥ - الحسد؛ فإذا تكلم الناس بمدح لرجل قال: إن فيه وفيه، وأنا أخبر به

منكم. فلا سبيل لديه للنيل من المحسود إلا القدح فيه.

٦ - كثرة الفراغ والشعور بالملل؛ فلا يجد شغلاً إلا بذكر عيوب الناس؛

وذلك لأنه لم يستغل وقته بطاعة الله؛ فالواجبات أكثر من الأوقات، والسلف كانوا

يقولون: «النفس إن لم تشغلها شغلتك» .

٧ - طلب موافقة الرئيس والمدير ومجاراته في تنقُّص من لا يحب من

مرؤوسيه لنيل الحظوة لديه.

تأمل:

إنك تعاشر أقواماً لا يُحْصَوْن كثرةً: منهم القريب، ومنهم الصديق الحبيب،

ومنهم الأستاذ، ومنهم الجار؛ فاحذر غداً أن تراهم ماثلين أمامك بين يدي الله،

ترى أحبابك وخلاَّنك يطلبون رد مظلمة أعراضهم منك!