للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

المنتدى

[من مكايد الشيطان]

الربيع بن إبراهيم مليحي

إن المتأمل لكتاب الله - جل وعلا - ولسنَّة المصطفى صلى الله عليه وسلم

ليجد التحذير الشديد من كيد الشيطان ووسوسته وسائر خططه في إضلال البشر

وغوايتهم.

قال - تعالى - مبيناً شدة عداوة الشيطان لبني آدم: [قَالَ فَبِمَا أَغْوَيْتَنِي

لأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ المُسْتَقِيمَ * ثُمَّ لآتِيَنَّهُم مِّنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ

وَعَن شَمَائِلِهِمْ وَلاَ تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ] (الأعراف: ١٦-١٧) . وقال صلى الله

عليه وسلم كما روى سبرة بن أبي الفاكه: «إن الشيطان قعد لابن آدم بأطراقه،

فقعد له بطريق الإسلام، فقال: أتُسلم وتذر دينك ودين آبائك وآباء آبائك؟ فعصاه

فأسلم. ثم قعد له بطريق الهجرة، فقال: أتهاجر وتذر أرضك وسماءك؟ وإنما مثل

المهاجر كالفرس في الطِّوَل فعصاه فهاجر. ثم قعد له بطريق الجهاد، فقال: تقاتل

فتقتل، فتنكح المرأة، ويقسم المال؟ فقاتل فعصاه فجاهد» [١] .

ومع النصين السابقين تلتقي بقية النصوص المحذرة من كيد الشيطان ليتبين

من خلال ذلك أن الشيطان لن يترك طريقاً للشر إلا سلكه مزيِّناً له ومرغباً فيه،

وكذا لن يترك طريقاً للخير إلا سلكه مقبِّحاً له ومنفراً عنه.

وللشياطين في غواية الخلق وصدِّهم عن الصراط المستقيم مكايد كثيرة يعجز

عن إدراكها العقل، ويكلُّ عن عدِّها الحصر، تتجدد بتجدد الزمان، وتتلاءم مع

الظروف والمكان؛ فتحبب إلى القلوب المريضة الكفر والفسوق والعصيان، ولا

حول ولا قوة إلا بالله، ومنها: «الشيطان يخوف المؤمنين من جنده وأوليائه»

قال ابن القيم - رحمه الله -: «ومن كيد عدو الله أنه يخوف المؤمنين من جنده

وأوليائه فلا يجاهدونهم ولا يأمرونهم بالمعروف ولا ينهونهم عن المنكر؛ وهذا من

أعظم كيده بأهل الإيمان؛ وقد أخبر الله - سبحانه وتعالى - بهذا فقال: [إِنَّمَا ذَلِكُمُ

الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ فَلاَ تَخَافُوَهُمْ وَخَافُونِ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ] (آل عمران:

١٧٥) .

المعنى عند جميع المفسرين: يخوفكم بأوليائه، قال قتادة: يعظِّمهم في

صدوركم. ولهذا قال: [فَلاَ تَخَافُوَهُمْ وَخَافُونِ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ] (آل عمران:

١٧٥) ، فكلما قوي إيمان العبد زال من قلبه خوف أولياء الشيطان، وكلما ضعف

إيمانه قوي خوفه منهم» [٢] .

لقد ربط ابن القيم - رحمه الله - من خلال نظره في الآية بين الإيمان

الصادق والخوف من الله - تعالى - حيث يدل كل منهما على قوة الآخر، بمعنى

أن قوة الإيمان دليل واضح على شدة الخوف، وشدة الخوف دليل واضح على

صدق الإيمان، وهي معادلة إيمانية أشارت إليها الآية الكريمة، وفهمها السلف

الصالح واستفادوا منها في بناء صرح الإيمان في قلوب الناشئة مما كوَّن لديهم جيلاً

مؤهلاً لقيادة الأمة فقادوها خير قيادة؛ حتى إذا انقرض ذلك الجيل الذي يستنير

بنور الوحي، وحانت ساعة الصفر لبداية العد التنازلي انهارت القيم والقمم تبعاً

لانهيار الإيمان، فخلف من بعد أولئك خلف أضاعوا الصلاة واتبعوا الشهوات،

فجرَّتهم جاذبية المال وبريق المناصب إلى متاع زائل، فأخلدوا إلى الأرض؛ فهم

يلهثون وراء ملذاتهم وشهواتهم قد بسطوا أيديهم يحرسون أباطيل المجرمين،

ويسوِّغون شطحات المنافقين ينتظرون عظماً سميناً أو مرماتين حسنتين، قد باعوا

دينهم بدنيا غيرهم؛ فهم سفلة الناس. انسلخ هؤلاء من لباس التقوى فخافوا غير الله

ففقدوا إشراقة الوحي فعاشوا بين الناس بميزان مقلوب، يرون النجاةَ في الكذب

والهلاكَ في الصدق، شعارهم في الحياة: (نافق تعش) وحكمتهم المأثورة:

(توزيع الظلم على الناس عدالة) الجبن عندهم حكمة، والأمر بالمعروف والنهي عن

المنكر تأليب، والنقدُ البنَّاءُ سخرية، والنصيحة فضيحة، وهكذا صعد هؤلاء سلم

الشهرة على أكتاف الآخرين عندما نصّبوا أنفسهم خصوماً لدعاة الإصلاح،

فصدُّوهم عن قول الحق بعد أن كبلتهم مقامع الدينار؛ فهم الذين يبخلون جبناً

ويأمرون الناس بالبخل صدّاً. فما أقبح صنعهم وقد جمعوا بين منكرين عظيمين يوم

سكتوا عن المنكرات وصدُّوا غيرهم عن تغييرها! فإلى هؤلاء سرت صرخة ذلك

الشاعر الغيور يوم خاطب أمثالهم قائلاً:

أقلُّوا عليهم لا أبا لأبيكم ... من اللوم أو سدُّوا المكان الذي سدُّوا


(١) مسند الإمام أحمد، (٣/٤٨٣) .
(٢) إغاثة اللهفان، ١/١١٠.