للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

المسلون والعالم

بركان البلقان والدور الأمريكي المشبوه

(٢ - ٢)

عبد العزيز كامل

يبدو أن الولايات المتحدة الأمريكية ماضية قُدماً في مشروع السيطرة الكاملة

على أهم المواقع الاستراتيجية في العالم، ويبدو كذلك أننا نحن المسلمين دولاً

وشعوباً قد وقع الاختيار على أراضينا لتكون أحد مرتكزات هذه السيطرة وأهم

أدواتها المسخرة لخدمة هذا المشروع الكوني التسلطي السافر.

إن الولايات المتحدة تواجه منافسيها في العالم، وليس بينها وبين أكثر هؤلاء

المنافسين حدوداً مشتركة؛ ومع ذلك فهي تخوض الغمار إليهم لتُنازِلَهم في عقر

ديارهم انطلاقاً من قعر دورنا في أكثر من مكان.

إن للولايات المتحدة تطلعات حالية ومستقبلية للتسلط والتنافس في مناطق

عديدة من العالم بدءاً من الصين والقارة الهندية، ومروراً بآسيا الوسطى وروسيا،

ووصولاً إلى شرق أوروبا ووسطها؛ ثم انتهاء بالشرق الأوسط والقرن الإفريقي.

وإذا كانت الأطماع ليست قاصرة على بلداننا الإسلامية، فإن من الواضح أن

كثيراً من تلك المشروعات التسلطية تقع في أماكن تماس على الأقل مع بلدان

وشعوب إسلامية يفضل الأمريكان أن يتخذوا منها ظهوراً وطيئة للركوب توصل

للمطلوب بأقل مجهود وأثمن مردود؛ وعند ذلك فهي إذا احتاجت لقواعد فمرافقنا

جاهزة للقعود، وإذا رغبت في أحلاف فمنا منافقون لا يرون غضاضة في

(التحالف مع الشيطان) بدعوى حماية الأوطان ... وإذا أراد الأمريكيون جنوداً

فجيوش بعض بلاد المسلمين مجهزة لافتداء أعداء الخفاء - دون أن تعلم - ولو

بتحويل الدماء إلى ماء!

لن نحتاج إلى ضرب أمثلة كثيرة على هذا الواقع المكرور، ولكن لدينا مثالان

ماثلان للعيان: أحدهما: من أفغانستان، والثاني: من البلقان. فما حدث في

أفغانستان في الثمانينيات ضد الاتحاد السوفييتي السابق، ترشيح للتكرار في

التسعينيات ضد الاتحاد اليوغسلافي السابق، غير أن التجربة الأمريكية في

أفغانستان أجهضتها للآن على الأقل ظاهرة طالبان؛ حيث جرت رياح التغيير على

غير ما يشتهي شياطين واشنطن.

تطلعات الولايات المتحدة وأطماعها في البلقان لا تقل عن أطماعها في آسيا

الوسطى، وهي لا تنحصر بالضرورة في الشؤون الاقتصادية المتعلقة بالثروات

والمقدرات، بل تتخطاها إلى ما يخدم مخططات واستراتيجيات عسكرية، أو برامج

للهيمنة السياسية أو الحضارية.

إن الأخطبوط الأمريكي يلف الآن ببطء بذراعه العسكري (الناتو) ، وذراعه

السياسي (الأمم المتحدة) ، وذراعه الاقتصادي (صندوق النقد الدولي) إضافة إلى

أذرعه الأخرى المتنوعة؛ يلف على العديد من المناطق الحساسة في العالم، ليدخلها

في سلاسة، أو يحشرها بشراسة داخل قوقعته الضخمة الفخمة المسمَّاة بالعولمة،

حيث الاستسلام أو الموت.

ومنطقة البلقان - كما ذكرت - مثال يضارع مثال آسيا الوسطى، وإن كانت

الأمور في آسيا الوسطى لم تتبلور بعد؛ حيث خسر رهان الأمريكان على أفغانستان

لتكون منطلقاً لبسط السيطرة على بلدان آسيا الوسطى، وإن كنت أعتقد أن

الأمريكان لن يَدَعوا طالبان تفسد الطبخة. أما في البلقان فالذي يظهر أن الولايات

المتحدة تراهن على مسلميها من الألبان وغيرهم لتضع يدها من خلالهم على منطقة

البلقان، مستغلة ضعفهم وحاجتهم واضطرارهم لالتماس المساعدة من أي طرف في

العالم؛ فما البال إذا كان هذا الطرف هو أمريكا، سيدة البر والبحر والجو في زمان

هوان المسلمين؟ !

للولايات المتحدة الآن سيطرة محسوبة بدقة على أجزاء مهمة من منطقة

البلقان؛ فهي التي فرضت حلاً يناسبها في البوسنة والهرسك، وهي التي وجهت

الأحداث في كوسوفا، وكلتا المنطقتين تداران الآن بإدارة دولية هي في حقيقتها

إدارة أمريكية؛ فماذا تريد أمريكا من البلقان؟

إنها تريد أن تحقق أهدافاً عديدة، منها تمهيد طريق للتحكم في شرق أوروبا

أو شرق المتوسط والوجود الدائم فيه؛ حيث القرب المباشر من الخليج والقوقاز،

وهما منطقتا التنازع المستقبلي بين الولايات المتحدة، وغرمائها، وتريد أمريكا

أيضاً أن تمكن لنفسها وتؤمِّن موقعاً مستقراً ومستقلاً في القارة الأوروبية التي تجد

نفسها في انحسار مستمر لصالح القوة الأمريكية المتفردة، والولايات المتحدة تريد

كذلك أن تحرم - وإلى الأبد - روسيا من أحلام العودة إلى مصاف القوى العظمى،

حتى تتفرغ هي - يعني أمريكا - لمواجهة التنين الصيني الأصفر الذي يرسل

الإشارات تلو الإشارات بأنه سيحتل موقع الدب الروسي الأحمر في التسبب

للأمريكان بالصداع الدائم والأرق المزمن.

ثمة بُعد ديني أيضاً - وإن كان غير منظور للكثيرين - يمثل إحدى الخلفيات

الرئيسة للصراع المستقبلي القريب حول البلقان؛ فإضافة إلى حرص النصارى بكل

طوائفهم على القضاء نهائياً على أي أمل في قيام كيان إسلامي في أوروبا [١] ؛

فهناك تنافسات وعداوات محمومة بين الهويات الدينية والعرقية لنصارى أوروبا،

وهي ليست وليدة العصر بالطبع، ولكنها قديمة قِدم عصيان النصارى وخروجهم

على هدي الرسالات المنزَّلة؛ كما قال - سبحانه -: [وَمِنَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا

نَصَارَى أَخَذْنَا مِيثَاقَهُمْ فَنَسُوا حَظاًّ مِّمَّا ذُكِّرُوا بِهِ فَأَغْرَيْنَا بَيْنَهُمُ العَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ إِلَى

يَوْمِ القِيَامَةِ] (المائدة: ١٤) .

وهذه العداوة والبغضاء بين طوائف النصارى، وإن كانت تحجبها أحياناً

العداوة الأكبر للمسلمين، إلا أنها عداوات تظل أحد الأمور الأساسية التي تحرك

سياسات الدول - في أوروبا وغيرها - انطلاقاً من خلفيات عقدية مذهبية تمثل على

كل حال فروقاً جوهرية بين ثقافاتها المتنافسة فيما بينها إلى حد الصراع.

فروسيا الأرثوذكسية وأخواتها في الديانة من الصرب واليونان والبلغار

والرومان، لن يكونوا على وفاق مع الكاثوليكية الفرنسية والإيطالية والإسبانية

والبولندية والبرتغالية. وهؤلاء الكاثوليك لن ينسجموا أبداً مع ألِدَّائهم الدينيين من

البروتستانت في إنجلترا وألمانيا، وما يقال عن هذه الطوائف داخل أوروبا يقال

عنها في أنحاء العالم.

ومما يُذكر هنا أن تلك العداوات تتنامى بتنامي المد الديني الذي أصبح ظاهرة

تميز أكثر المجتمعات في العالم؛ حيث أصبح البحث عن هوية للعودة إلى الجذور

ينطلق في الأساس من الانتماء الديني والمذهبي الذي تتفرع عنه بقية مظاهر التميز

عن الغير.

بركان البلقان.. هل سيهدأ؟

ينتمي أكثر نصارى منطقة البلقان إلى المذهب الأرثوذكسي الذي يحظى

أتباعه على الدوام بتعاطف الروس الذين يشاركونهم في الديانة والمذهب.

والذي يراقب مواقف الأطراف الدولية مما يحدث في البلقان يستطيع أن يلمس

تأثر تلك الأطراف بمذهبياتها المختلفة. وقد تقدم في الحلقة السابقة استعراض بعض

أوضاع المسلمين الألبان في ظل السياسات الإقليمية والدولية، والمعروف أن آخر

حلقات التفاعل في منطقة البلقان هو ما تشهده جمهورية مقدونيا في هذه الآونة؛

حيث لا يكاد المراقب للتطورات هناك أن يجد ما يستند إليه في أن بركان البلقان

يمكن أن يهدأ قريباً بعد أن استُفز للثوران.

وكعادة الغرب، وعلى رأسهم الولايات المتحدة، فإنهم لن يَدَعوا الأمور

تمضي دون توظيفها لتحقيق طموحاتهم الخاصة؛ فشركات (استثمار المصائب)

عندهم جاهزة على الدوام للصيد في الماء العكر، وهي تراقب الأحوال عن كثب

لكسب النصيب الأوفى من أثمان بيع الحقوق المنهوبة والممتلكات المغصوبة.

إن الولايات المتحدة وإن كانت تتفق مع الأوروبيين في ضرورة قلع الإسلام

من أوروبا، إلا أنها تختلف معهم في تحديد مصير تركة الاتحاد اليوغسلافي السابق؛

حيث سقطت الشيوعية في أوروبا الشرقية، وحطمت أمريكا أحلام الصرب

الأرثوذكس في إعادة هذا الاتحاد على أسس نصرانية أرثوذكسية بالتعاون مع

روسيا، وكان من الطبيعي أن يؤيد أمريكا على ذلك الكاثوليك والبروتستانت في

أوروبا، والآن يُفتتح فصل جديد في المسلسل الأمريكي الرامي إلى بسط

السيطرة على البلقان عن طريق الضرب على وتر الوقوف مع الطرف الضعيف،

بشرط أن يظل ضعيفاً، وأن يبقى حليفاً حتى يُستعمل عصاً لكسر المناوئين، ثم

تُكسَر هذه العصا إذا أرادت أن تستعصي على حاملها يوماً من الأيام، وهذا أو

قريب من هذا هو ما دار في الماضي القريب في أفغانستان، وهو نفسه ما دار وما

يزال يدور في البلقان استغلالاً لمسلميها من الألبان وغيرهم. إن كثيراً من

قادة الألبان السياسيين [٢]

والعسكريين يتحدثون عن أمريكا وكأنها الأمل الذي تنعقد عليه الآمال في

الخلاص، ويرون حلف الأطلسي وكأنه (حلف الفضول) الذي ينصر

المستضعفين ويثأر للمظلومين!

وقد وُضِعُوا في مواقف تجعلهم مضطرين لاختبار عسير واختيار صعب بين

السيئ والأسوأ، بين الصرب والغرب، بين هجمة الصقور ونجدة النسور!

وتأتي أحداث مقدونيا حلقة جديدة بعد تطورات البوسنة وكوسوفا في هذا

الصدد.

مقدونيا وحيف الضعفاء:

يتوق مسلمو مقدونيا كغيرهم من ألبان البلقان إلى التلاقي مع إخوانهم من

المسلمين الألبان في الدول المجاورة التي تم تقطيعها أشلاء بعد حرب البلقان الأولى

عام ١٩١٨م، وهم يطالبون الآن بتحصيل أدنى الحقوق المتعارف عليها بين

شعوب العالم، وهي المشاركة في إدارة شؤونهم التي ينوب عنهم فيها غيرهم قسراً

وجبراً. إن شركاءهم في سكنى أرض مقدونيا أقل عدداً، ولكنهم أوفر حظاً في

التحكم في إدارة البلاد ومقدراتها؛ فمقدونيا يسكنها مليونان و ٤٠٠ ألف نسمة،

والألبان المسلمون يمثلون ما يتراوح بين ٤٠ إلى ٤٥%من مجموع السكان، وتصل

نسبتهم إذا أضيفت بقية المسلمين من الألبان إلى ٥٠% من السكان، بينما يمثل

النصارى الأرثوذكس ما نسبته ٣٣%، أما البقية من السكان فهم خليط من الأتراك

والبلغار والكروات والروم والصرب والبوشناق، وبالرغم من أن المقدون

الأرثوذكس لا يزيدون على ثلث السكان إلا أن بأيديهم السيطرة الفعلية على مقدونيا

منذ أن استقلت عن يوغسلافيا عام ١٩٩١م.

وكبقية بلدان أوروبا الشرقية، ارتَدَت مقدونيا المستقلة حُلل الديمقراطية

الغربية بعد أن خلعت عنها أحلاس الشيوعية الشرقية، وتحوَّل (الرفاق)

الشيوعيون أنفسهم إلى ديمقراطيين، بعد أدخلوا تعديلات ديكورية ديكتاتورية على

«القيم» الديمقراطية، ولأن في الديمقراطية نفسها من الزيف أكثر مما فيها من

الأصالة؛ فقد تمكن النصارى الأرثوذكس في مقدونيا من تزييف الوقائع من خلال

تلك الديمقراطية، فإذا بهم يحوِّلون أنفسهم إلى أغلبية حيث أمعنوا في تقزيم نسبة

الألبان المسلمين لتصل نسبتهم بعد التخفيض إلى ٢٣%! وتعامل النصارى مع

الأكثرية واقعاً على أنهم أقلية افتراضاً، لا بل غرروا بهم ليتيهوا مع مطالبهم في

سراديب ودواليب الديمقراطية التي لا يَعْدم أصحابها حيلة في قلب الحقائق وليِّها.

ومن خلال النظام الهجين الجامع بين جور الشيوعية وزيف الديمقراطية،

صدرت النظم والمراسيم التي حولت الأرثوذكس إلى أغلبية بنصٍّ من الدستور،

وبدأ التعامل مع الأغلبية المسلمة على أنهم من مخلفات العهد العثماني؛ فلا حق لهم

في التعليم بلُغَتهم أو وفق مناهجهم، ولا حق لهم في المشاركة العادلة في شؤون البلد

الذي يمثلون الأكثرية فيه، بل لا حق لهم في التوجه الذاتي لسد ما يحتاجون إليه

من المشروعات التي ترفضها الحكومة الأرثوذكسية؛ فعندما أراد المسلمون تأسيس

جامعة أهلية عام ١٩٤٤م لتدريس الألبانيين بالألبانية، ولتخريج قطاعات غير

متنكرة لهويتها ودينها؛ رفضت الحكومة المقدونية ذلك وأرسلت قوات من الجيش

والبوليس لإغلاق الجامعة بالقوة، واعتقلت المسؤولين عنها؛ مع أن الجامعة أقيمت

في مدينة (تيتوفا) التي يسكنها الألبان والتي تعد أكبر مدنهم [٣] ، وهذه المدينة

نفسها، نصبت السلطات الحكومية الأرثوذكسية فيها صليباً طوله ١٢ متراً في العام

الماضي ضمن الاحتفالات الألفية، وهو واحد من عدد من الصلبان التي زرعت في

أنحاء البلاد، كان أكبرها صليب بطول ٢٠٠ متر على قمة أعلى جبل صُمِّم بحيث

يضيء في الليل ليراه الجميع! ولكن الذين رفعوا هذا الوثن ولوثوا به الهواء

والفضاء ضاقت صدورهم بمآذن أحد أعرق المساجد في مقدونيا، فصدرت الأوامر

بإغلاقه ومنع إقامة الشعائر فيه، وهكذا تكون (التعددية) وقبول (الآخر) في ظل

الديمقراطية المختلفة التفسيرات!

لألبان مقدونيا مطالب معلنة، لا يملك من يطلع عليها إلا أن يتعاطف معها؛

لأنها من جهة تمثل أدنى الحقوق المفترضة لأكثرية من المواطنين في وطنهم؛

ولأنها من جهة أخرى جرى الإلحاح بتقديمها سلمياً عبر ما يسمى بـ (القنوات

الشرعية) وهذه المطالب تشمل:

١ - تغيير دستور الدولة بحيث يضمن للألبان التمثيل بنسبتهم الحقيقية من

عدد السكان.

٢ - الاعتراف بالإسلام ديناً رسمياً؛ حيث إن الدستور الحالي ينص على أن

دين الدولة هو النصرانية الأرثوذكسية.

٣ - منح الجنسية المقدونية لنحو ربع مليون مسلم ألباني يعيشون في ألبانيا

ولا يحملون جنسيتها، ولا يمنحون جواز سفر يحدد هويتهم ويضمن حقهم في

المشاركات الانتخابية.

٤ - السماح للألبان بالدراسة والتدريس باللغة الألبانية.

٥ - الاعتراف بالجامعة الأهلية التي أنشأها الألبان في مدينة تيتوفا.

٦ - إجراء مسح سكاني جديد تحت رقابة دولية لتحديد النسب الحقيقية

للأعراق المختلفة ومنهم الألبان [٤] .

إن تلك المطالب التي طال تعثرها في المسالك الديمقراطية الحكومية،

صادفت نفاد صبر لدى شريحة من شباب الألبان، وجدوا أنه لا بد من تجريب

طرق أخرى غير الطرق التقليدية التي استمرت عقداً كاملاً دون جدوى، وقد

شجعهم على سلوك هذا السبيل أن الحكومة المقدونية القائمة رغم تجبرها وجورها

حكومة ضعيفة لدولة صغيرة وشبه محتقرة من أكثر جيرانها؛ فالجيش المقدوني

الرسمي لا يزيد عن ١٥ ألف جندي مسلحين تسليحاً هشاً بأسلحة قديمة، إضافة إلى

أن منهم ٤٠% من المسلمين الألبان. أما الطليعة التي تكونت من الشباب الألباني

فقد استطاعوا أن يكوِّنوا - بحسب مصادر قريبة منهم [٥]- جيشاً من نحو عشرة

آلاف جندي، وهو الذي أطلقوا عليه اسم: (الجيش الوطني لتحرير مقدونيا) ،

فإذا علمنا أن هذا الجيش تتمركز وحداته في المناطق القريبة من حدود كوسوفا

المرشحة للتوتر مرة أخرى، رأينا أن المنطقة صارت مجهزة لصراع وشيك يبحث

عن صاعق تفجير. وقد جاءت بسرعة أكثر مما نتصور اللحظة التي أضيفت فيها

القشة التي قصمت ظهر البعير.

عطاء من لا يملك لمن لا يستحق:

كانت السلطات المقدونية قد أقدمت على إجراء اتصالات مباشرة مع السلطات

الصربية في شهر فبراير ٢٠٠١م لإعادة ترسيم الحدود بين البلدين، والحدود هنا لم

تكن قاصرة على حدود صربيا مع مقدونيا، بل شملت حدود مقدونيا مع كوسوفا! !

فما الذي أدخل صربيا في موضوع يخص كوسوفا؟ ! هذا ما حصل؛ فقد قامت

السلطات الصربية بالفعل بالتباحث نيابة عن شعب كوسوفا الواقع الآن تحت

«الاحتلال» الأطلسي! ودون أن يحضر المباحثات السياسيون الألبان

المشاركون في الائتلاف الحكومي! وأثار هذا التصرف الأرعن الألبانيين كافة

حتى السياسيين الرسميين المتعقلين منهم، وطالبت الأحزاب الألبانية في البرلمان

المقدوني الحكومة بأن تشركهم فيما يدور بشأن بلدهم، وأن تبحث الشأن

الكوسوفي مع مسؤولين كوسوفيين، إلا أن الحكومة المقدونية التي تعلم بعدم وجود

(مسؤولين كوسوفيين) الآن من الناحية الواقعية بسبب (الانتداب) الأطلسي؛

أرادت أن تنتهز الفرصة وتنتهي مما تريده مع الصرب قبل حدوث أي تغيير

محتمل في كوسوفا مستقبلاً، وأتبعت السلطات المقدونية خطوة الاتفاق مع

الصرب على حساب الكوسوفيين بأن أرسلت قوات للسيطرة على بعض القرى

المسلمة على الحدود بين مقدونيا وكوسوفا، بعد أن قدمها لهم الصرب (هبة)

لا ترد باتفاق موقَّع! وهنا أُشعل فتيل الصدام، وبدأ الأهالي الكوسوفيون

بالتناوش مع القوات المقدونية، وتطور الأمر إلى تدخل وحدات عسكرية من

الشباب الألباني من مقدونيا، واشتبكت مع القوات الحكومية، وتداعت الأحداث

إلى المدينة الألبانية الكبرى في مقدونيا وهي مدينة (تيتوفا) ، وبدأت صدامات

بين جيش التحرير الوطني وقوات الحكومة المقدونية التي بدت مذعورة من

رد فعل المقاتلين الألبان على خطوتهم الممعنة في الاستهانة بهم.

وبعد تدخلات دولية وتفاعلات داخلية تقرر إيقاف القتال الذي بدأ في (شهر

ذي الحجة الماضي) حتى تُعطى الفرصة لمحاولات الحل السلمي عن طريق

التفاوض بين ممثلي الألبان في الحكومة المقدونية، وبين تلك الحكومة، ولكن وكما

كان متوقعاً لم توصل المفاوضات السلمية إلى حل؛ لأن الحكومة المقدونية ركبت

رأسها وظلت على عنادها لمطالب ألبان مقدونيا؛ ولهذا اشتعلت الأحداث مرة أخرى

ابتداءً من (٧/٢/١٤٢٢هـ) ، الموافق (١/٤/٢٠٠١م) .

الحكومة المقدونية ومنذ بداية الأحداث وُضعت في مأزق صعب، إلى درجة

أنها اتهمت حلف الناتو بأنه تواطأ عليها بتسهيل عبور المقاتلين من كوسوفا! إنها

حكومة ضعيفة وفي الوقت نفسه لا تجد لها حلفاء ضد المقاتلين المسلمين، وهناك

من يراهنون على تقسيمها، وهي منذ أن أعلنت الاستقلال عن يوغسلافيا عام

١٩٩١م، لم تجد من يعبأ بها من دول الجوار؛ فبلغاريا تعتبر المقدونيين فصيلاً من

القومية البلغارية، وترفض الاعتراف بهم شعباً مستقلاً، واليونان لم تعترف حتى

الآن بشيء اسمه مقدونيا؛ فهم ينازعون الشعب المقدوني في النسبة إلى الإسكندر

الأكبر المقدوني المتوفى عام (٣٢٣) ق. م. فبينما ينسب المقدونيون أنفسهم إليه،

يرى اليونانيون أنه كان يونانياً من أبناء إحدى قرى اليونان التي تسمى:

(مقدونيا) ، أما روسيا فهي أيضاً غير راضية عن الحكومة المقدونية؛

لأنها سمحت لحلف الأطلسي أن يضرب الصرب في كوسوفا عام ١٩٩٩م انطلاقاً من

أراضيها، والصرب بطبيعة الحال يمقتون هذه الحكومة التي رأوها صنيعة

للغرب منذ أن استقلت عن الاتحاد اليوغسلافي، ولكنهم يحاولون الاستفادة منها

بعد تغير نظام ميلوسوفيتش.

ولكن روسيا بالذات نظرت للتطورات في مقدونيا نظرة ريبة؛ من جهة أن

الأمور فيها تتجه إلى تبلور (شيشان) أخرى بلقانية؛ فخروج مقاتلين إسلاميين

جُدد من مقدونيا بعد المقاتلين الذين كانوا في كوسوفا ومن قبل في البوسنة، ينذر

بتطور لن يكون في صالح روسيا ولا حلفائها المتبقين في شرق أوروبا، وقد أعرب

وزير خارجيتها (إيجور إيفانوف) إبان أحداث ذي الحجة الماضي عن قلق بلاده

الشديد من تطور (الإرهاب الدولي) في البلقان وغيرها، ودق ناقوس الخطر من

(طالبان) جديدة في البلقان!

وتأتي الولايات المتحدة في وسط كل هذا التصعيد متظاهرة بالحياد والمراقبة

من بعيد؛ فقد رفضت التدخل في مقدونيا سياسياً أو أمنياً بدعوى أن الوضع يمكن

أن يهدد (عملية السلام) في كل من البوسنة وكوسوفا. ومع هذا فقد طالبت

الحكومة المقدونية القوات الدولية الأطلسية أن ترد لها جميل السماح بضرب

الصرب من أراضيها، بأن تقوم تلك القوات بضرب المقاتلين الألبان في مقدونيا

وفي كوسوفا أيضاً!

قد يتوقع بعض المراقبين أن تقوم القوات الدولية بذلك، ولكن المترجح أن

الولايات المتحدة لا تريد استقراراً أو قوة للنصارى الأرثوذكس في منطقة البلقان؛

لأنها لا تستطيع الاعتماد عليهم في تنشئة وضع جديد هناك يخدم هدف السيطرة

الأمريكية على تلك المنطقة، ولأن الأرثوذكس خاضعون تقليدياً للتوجهات الروسية،

ولا يعني هذا أن الولايات المتحدة تريد لمسلمي البلقان أن يكونوا بديلاً في التمكن

في هذه المنطقة، ولكنها قد ترى أنه يمكن الاعتماد على فصائل منهم مستقبلاً في

خدمة الأهداف الأمريكية في شرق أوروبا.

الألبانيون بدورهم - في مقدونيا وكوسوفا وغيرها - يشعرون بأن هناك

عملية كبرى للتغيير في البلقان، وهم - من وجهة نظرهم - يريدون أن يكونوا

طرفاً فيها، بحيث لا يكتفون بموقف المتفرج، وهنا موضع الأهمية البالغة لموقفهم

وموضع الخطورة أيضاً؛ فمن المهم ألا يظل المسلمون دائماً في موقف الحاضر

الغائب في وقت التحولات الكبرى المتعلقة بمصائرهم، ولكن الأهم ألا يتخذوا

مجرد أدوات لإدارة تلك التحولات، فلتكن لهم حساباتهم الخاصة والدقيقة وبخاصة

في ظروف الأخطار المحدقة.

وفي أزمنة الغربة وعصور الوهن ينصح الرسولُ صلى الله عليه وسلم

المؤمنَ بأن يكون فيها كابن اللبون: لا لحماً يؤكل، ولا ظهراً يُركَب.

لهذا ننصح إخواننا الألبان - مبكراً - بألاَّ يُفْرِطوا في حسن الظن بالنصارى

من الأمريكان أو غيرهم، ولْتكنْ ثقتهم بالله - تعالى - أعظم من الثقة بأي

أحد، واعتمادهم على قوة الله - تعالى - أكبر من الاعتماد على قوة أحد.

فالنصارى أعداء سواء كانوا من الأرثوذكس أو الكاثوليك أو البروتستانت؛

فلنطلب النصرة عليهم ممن أعلمنا بعداوتهم، [وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِأَعْدَائِكُمْ وَكَفَى بِاللَّهِ وَلِياًّ

وَكَفَى بِاللَّهِ نَصِيراً] (النساء: ٤٥) .


(١) يبدو أن هذا الحرص ناتج عن تصور أن ما يسمى بـ (العقلية الأوربية) يمكنها أن تنهض بالإسلام في العالم كله لإذا أقيم لها كيان إسلامي معترف به في أوربا؛ حيث يمكن أن تقدم نموذجاً إسلاميا معاصراً وناجحاً يغري بالتقليد والاتباع , ويقضي على المراهنة الدائمة على إخفاق الإسلاميين في إقامة نموذج حضاري ناجح.
(٢) ومن هؤلاء (هاشم تاتشي) الذي كان زعيماً لجيش تحرير كوسوفا , ثم حل نفسه نزولاً على رغبة أمريكا وتحول إلى (قوات شرطة) .
(٣) في مقدونيا جامعتان للأرثوذكس، يكاد القبول فيهما يكون خالصاً للنصارى , حيث لا يقبل فيهما من بقية المواطنين - بمن فيهم الألبان - إلا نسبة ١٠ %.
(٤) إعلامنا (اليقظ) يطلق على أصحاب هذه المطالب (المتمردون) .
(٥) اتحاد الطلاب الالبان في الخليج.