للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

قضايا دعوية

[الفتور الدعوي عند الشباب.. الأسباب والحلول]

د. عبد الله بن علي الجعيثن

الدعوة إلى الله اليوم واجب الأمة الإسلامية جمعاء لا يشذ عن ذلك إلا عاجز،

كل على حسب قدرته وما وهبه الله من استعدادات وإمكانات.

والناظر في حال شباب الأمة يجد تقهقرًا عن القيام بهذا الواجب وتراجعًا عن

الاشتغال بتلك الأعباء فإننا نجد أنها ترجع إلى أمور كثيرة يمكن الإشارة إلى شيء

منها في هذا المقام:

١- ضعف استشعار المسؤولية والغفلة عن استحضار ذلك الواجب، فلا

نشعر المرء بأنه مطالب بعينه بالنهوض بالأمة ومداراة عللها وتضميد جراحها.

٢- اعتقاد بعضهم أن في الساحة من يكفي، إذن فلا حاجة إليه.

٣- الاشتغال بالدنيا وملذاتها من الأموال والبنين والمراكب والمساكن

والمناصب.

٤- الانهزامية والشعور بالضعف أمام تيارات الفساد، وتطرق الإحباط إلى

النفوس من جراء كثرة الشر والباطل وتفنن أهله في عرضه وترويجه، فوق في

بعض النفوس أن الأمر أكبر مما يمكن أن يقدمه، وأنه يتطلب جهودًا ليس هو من

أهلها ولا من القادرين عليها، ووصل الحال بآخرين بعد بذل شيء من الأسباب إلى

أن يقول بلسان الحال: إما أن تصلح الأوضاع ويستقيم أمر الناس أو ننسحب من

الميدان ونخلي المكان.

٥- تصور بعضهم ضيق ميدان الدعوة وأنه محصور في خطبة على منبر أو

محاصرة مرتجلة أو كلمة أمام الجماهير، وهو غير قادر على شيء من ذلك،

فينصرف عن الدعوة بالكلية.

٦- الصدمات التي قد يتعرض لها بعض العاملين في حقل الدعوة

والمضايقات التي قد تحصل لبعض الدعاة، فربما كان ذلك سببًا في تطلب بعضهم

للسلامة بزعمه، وقد وقع في العطب!

٧- تقصير المنظِّرين والدعاة في تحفيز الشباب نحو العمل الدعوي وفتح

الآفاق أمامهم للولوج إلى ميدان الدعوة الفسيح كل على حسب ما آتاه الله من علم

ومقدرة وموهبة.

٨- دعوى بعضهم أن المشكلة ليس من أسبابها جهل الناس وحاجتهم إلى

التعليم والدعوة والبيان، بل إن الناس - بزعمهم - عاصون على بصيرة ومعاندون

للحق؛ فما ثمرة السعي في تعليمهم ما يعلمون وتبصيرهم فيما لا يجهلون؟ ! .

٩- ميل الكثيرين إلى الكسل والبطالة أو كثرة الرحلات والمخالطات،

وبعدهم عن الجدية في عموم أحوالهم وأمورهم؛ ومن ذلك أمر الدعوة إلى الله؛

فليس عند الواحد منهم استعداد لأن يناط به علم أو يتحمل مسئولية؛ لا عجزًا،

ولكن تهاونًا وكسلا.

١٠- اشتغال بعضهم بالجدل والمراء في بعض القضايا الفكرية، وبعض

الأطروحات المعاصرة مما شغله عن الاهتمام بالنهوض بالأمة في أعمالها وسلوكها

وأخلاقها.

١١- اشتغال بعضهم بالتنقيب عن عيوب الناس وخصوصًا العاملين في حقل

الدعوة، وإظهار تلك العيوب ونشرها وتضخيمها، وربما ليس عليه الشيطان بأن

هذا في سبيل الإصلاح وأنه محسن في ذلك قائم بأمر الدعوة.

١٢- اشتغال بعضهم بالنظر في الواقع وتتبع ما يجري في الساحة والمبالغة

في ذلك إلى حد الانهماك فيه، ثم يظن أنه بذلك قدم شيئًا للأمة بمجرد هذه المتابعة

وحصوله على هذا الفقه. وهو بهذا قد لا يعدو أن يكون نسخة مما تحتفظ به أجهزة

الإعلام من أخبار وتقريرات وتحليلات! ! .

١٣- عدم التوازن والاعتدال لدى بعض الشباب في توزيع الحقوق

والواجبات؛ فربما انهماك في جانب على حساب الجوانب الأخرى، كمن ينهمك في

طلب العلم أو في تربية النفس وتهذيبها أو في جانب من جوانب الخير على

حساب أبواب أخرى من الخير كالدعوى إلى الله سبحانه؛ حتى ربما أعتقد أنه إذا

خرج عن هذا الأمر الذي رسمه لنفسه قد ضيع زمانه وأهدر جهده فيما لا ينفع.

١٤- تثبيط القاعدين وتحبيط المتقاعسين عن القيام بأمر الدعوة، فلا يكتفي

أولئك بقعودهم وتقاعسهم، بل ربما سعوا إلى تثبيط غيرهم والحط من قدر أعمالهم،

وأنه لا فائدة من جهودهم، فربما قاد ذلك بعض الضعفاء إلى التأثر بذلك الهذيان

ومن ثم إخلاء الميدان.

١٥- اشتراط بعض الشباب أن يكون في موقع معين في المشروع الدعوي؛

فإن لم يتحقق له ذلك المكان، ولم يحصل له المركز الذي يريده أنف أن يكون في

موضع أقل مما يطمح له، فيكون البديل أن يولي الأدبار، وينأى بجانبه، ويترك

المجال برمته، وهو الخاسر بكل حال.

العلاج:

بمعرفة الأسباب يتضح العلاج. وهناك بعض الأدوية التي تداوى بها تلك

العلة منها:

١- استشعار المسؤولية العظمى المناطة بكل مسلم تجاه دينه وأمته،

وخصوصًا الشباب الصالح الذي تربى على الخير واغترف من معين الحق؛ فهو

أجدر من يتصدى للنهوض بأمته ورفع الجهل عنها ورأب صدعها ومعالجة عللها

وأدواتها. ويزيد من عظم الأمر أن واقع الأمة الإسلامية اليوم بحاجة ملحة إلى دعاة

كثيرين بل إلى استنفار عام من قِبَل كل طالب علم وصاحب غيرة ليؤدي دوره

وبخاصة أن الدعاة الموجودين اليوم لو اجتمعوا في بلد واحد لما سدوا الحاجة القائمة؛

فكيف مع قلتهم وتوزعهم؟

ثم على فرض وجود من يكفي ألا يسر المرء ألا يكون من جملة قافلة الدعاة

وركاب سفينة النجاة؟

٢- معرفة حقارة الدنيا وأنها لا تستحق انصراف القلب إليها وانهماك البدن

في الاشتغال بها، وأن قيمتها الحقيقية تكمن في كونها ميدانا للأعمال الصالحة

والجهود المباركة التي تنفع المرء في آخرته. ومن ذلك العمل الدعوي ونفع الخلق

بجميع صور النفع.

٣- الثقة بنصر الله واليقين بوعده وأنه - تعالى - يؤيد حملة هذا الدين،

وأنه مهزوم أمام قدرة الله وقهره، ولكن لا بد من الابتلاء، والامتحان. قال -

تعالى - ( [وَلَوْ يَشَاءُ اللَّهُ لانتَصَرَ مِنْهُمْ وَلَكِن لِّيَبْلُوَ بَعْضَكُم بِبَعْضٍ]

(محمد: ٤) .

٤- إدراك اتساع ميادين الدعوة والعمل لهذا الدين يتيح للجميع فرصة

المشاركة، كل فيما يخصه وما أعطاه الله من مواهب وقدرات. ومن ذلك:

- النصيحة الفردية ملفوظة ومكتوبة.

- الكلمة القصيرة.

- المراسلة لهواة المراسلة.

- كتابة المقالات في الصحف والمجلات.

- التعقبات والردود على بعض الكتابات المغرضة في الصحف والمجلات

وأجهزة الإعلام الأخرى.

- المشاركة في الكلمات والندوات في الإذاعة والتلفاز.

- كتابة القصص الهادفة.

- تأسيس قناة تلفازية أو مجلة إسلامية أسبوعية أو شهرية في شبكة

الإنترنيت وعرض البرامج التربوية والعلمية والمقالات الهادفة من خلال ذلك.

- توزيع الشريط النافع والكتاب الهادف والمطويات والنشرات الجيدة.

- نظم الشعر في مناصرة الدعوة الإسلامية وقضايا المسلمين.

- الأعمال الإغاثية داخل البلاد وخارجها.

- معالجة قضايا الشباب ومشكلاتهم.

- تربية الشباب من خلال الحلقات القرآنية ومكتبات المساجد ومجموعات

الأحياء.

- الدراسة والتخطيط للبرامج الدعوية، ووضع الخطط للمشروعات الخيرية،

واقتراح الأمور النافعة في حق الدعوة التي يقوم بها غيره من القادرين الأكفاء.

وهذا الإدراك لاتساع ميادين الدعوة يقطع الطريق على كل معتذر ويسد الباب

أمام أي متنصل.

٧- فهم أن ابتلاء أصحاب الدعوات سنة ماضية، ولا بد من توطين النفس

على التعرض لشيء من الابتلاء القولي وربما الفعلي. [يَا بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلاةَ وَأْمُرْ

بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ المُنكَرِ وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الأُمُورِ]

(لقمان: ١٧) .

وإن كان الملحوظ في عصرنا أن ممارسة الكثير من ميادين الدعوة ومجالات

العمل الإسلامي الأصل فيه السلامة وعدم التعرض للفتنة.

٨- التفاؤل في الأعمال الدعوية مطلب، وهو حافز للعمل ودافع إليه، ومع

ذلك فلا تفترض سلفًا عدم جدوى شيء من هذه الأعمال، ولا تُصب بالإحباط حينما

لا ترى الثمرة ماثلة للعيان، لأنك مطالب ببذل الأسباب، والنتيجة أمرها إلى رب

الأرباب، وليس بالضرورة أن يرى المرء ثمرة دعوته وقد يراها غيره، وربما

كان الغرس على يده وجنى الثمار على يد غيره.

٩- واجب على من ولاّهم الله أمر تعليم الأمة وتوجيهها من العلماء والدعاة أن

يوجهوا الشباب إلى الانخراط في مجال العمل الإسلامي وأن يحفزوهم إلى ذلك،

ويفتحوا لهم الآفاق الدعوية التي يمكنهم العمل من خلالها.

١٠- لا بد من معرفة أن الناس، وإن كان الغالب عليهم أنهم متعلمون إلا أنهم

يجهلون الكثير الكثير من أمور دينهم ولا سيما في المناطق والهجر النائية؛ فواجب

على كل من يحمل علمًا ولو قليلا - أن يقوم بوظيفة البلاغ؛ فالرسول صلى الله

عليه وسلم يقول: (بلغوا عني ولو آية) رواه البخاري [١] .

ثم إنه ليس المقصود بالدعوة التعليم فحسب، بل الناس بحاجة إلى تذكيرهم

بما يعلمون وهم عنه غافلون، والله - تعالى - يقول: [وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَى تَنفَعُ

المُؤْمِنِينَ] (الذاريات: ٥٥) .

وما أكثر ما يقع فيه الناس من المخالفات والأخطاء؛ فإذا ذكروا بالله تذكروا

فإذا هم مبصرون.

١١- الجدية وعلو الهمة مطلب في حياة الشاب الملتزم: فلا بد من البعد عن

مظاهر الكسل والبطالة والإخلاد إلى الراحة، بل المبادرة بملء الوقت بمعالي

الأمور من علم وعمل ودعوة، مع إجمام النفس الفينة بعد الأخرى.

على أن الأمر كما قال الشاعر:

وإذا كانت النفوس كبارًا ... تعبت في مرادها الأجسام

١٢- إدراك أن الاشتغال بالجدل والمراء مما يورث قسوة القلب والضغائن

بين الناس ويصمد القلب عن الاشتغال بما ينفع العبد وينفع أمته، فليبتعد المرء عن

المراء والجدال، وليشتغل بنشر الخير وتأليف القلوب على الحق.

١٣- التنقيب عن عيوب الأنام سمة اللئام، وليست من خصال أهل الإسلام،

وتزداد قبحًا وسوءًا حينما يصورها الشيطان بأنها من مناصرة الحق وتقويم الخلق،

فيصد العبد بذلك عن نشر الخير وإيصاله إلى الناس بتتبع عثراتهم وإبراز عيوبهم،

خصوصًا القائمين بالحق منهم، فعلى من كانت هذه سمته أن يتقي الله ويشتغل بعيبه

عن عيوب الناس، ويمحض الناس النصح والتوجيه، ويجتهد في إيصال الخير

إليها بكل طريق.

١٤- معرفة الواقع والاطلاع عليه وسيلة وليس غاية في نفسه؛ فإن لم يكن

اطلاعك عليه طريقًا إلى القيام بالمسؤولية تجاهه وبذل الأسباب في معالجته فلا

تعدو أن تكون أقمت الحجة على نفسك، وأعلنت أمام الله والملأ بقلة مبالاتك! !

فاتق الله ولا تجعل الاشتغال بتتبع الأخبار ورصد الواقع غاية في نفسه فتظن أنك

بذلك قدمت شيئًا للإسلام؛ بل استثمر ذلك في القيام بما يجب عليك نحوه حسب

استطاعتك.

١٥- التوازن في الأمور مطلب شرعي، فلا يكن اشتغالك بجانب من جوانب

الخير سببًا في اشتغالك عن جوانب أخرى ربما كانت واجبة كالدعوة إلى الله تعالى

وليست العبرة في ذلك بالميول القلبية والرغبات النفسية، فالشرع هو الميزان في

ترتيب الأولويات وتوزيع الواجبات.

١٦- مجانبة المتقاعسين والبعد عن مخالطة القاعدين؛ فالمرء على دين خليله

فإذا بُليت بمثل أولئك فكن معهم ببدنك لا بقلبك، ولا تكترث بتثبيطهم، وأحمد الله

الذي عافاك مما ابتلاهم به، من غير أن يصيبك الإعجاب بالنفس؛ فالله هو المانُّ

عليك بذلك.

١٧- الإخلاص أعظم الحوافز نحو العمل الدعوي ونفع الخلق، لما يرجوه

العبد من الثواب ويؤمله من الأجر. كما أنه سبب من أسباب الثبات على الطريق

مهما حصل من إخفاقات كالارتباك والعي أثناء إلقاء الكلمات، أو كان ذلك في

حصول أخطاء غير متعمدة في المشروع الدعوي؛ لأن العامل حينئذ يشعر أنه بذل

ما يستطيع وصدق في ذلك وأراد الخير فلا يقلق حينما يقع أمر بغير اختياره أو لم

يتمكن من إنجاز ما يريد إنجازه، وهو لا يرجو من الناس ثناء ولا شكورا؛ فلا

يضيره إن لم يحصل على شيء من ذلك.

كما أن الإخلاص من عوامل الاستمرار في دعوة الناس مهما أعرضوا؛ لأن

المخلص لا يزال يؤمل صلاحهم، كما أنه يرجو الثواب في استمراره في دعوتهم،

فلا يضيره إعراضهم.

وكذلك فإن الإخلاص يجعل المرء يرضى بما يناط به من عمل في أي

مشروع خيري أو دعوي؛ فهو لا يشترط منصبًا أو مكانًا معينًا إن حصل له وإلا

فإنه لا يعمل؛ لأن همَّ المخلص أن يقدم خيرًا لأمته في أي موقع كان، كما قال

النبي صلى الله عليه وسلم: (طوبى لعبد آخذ بعناه فرسه في سبيل الله أشعث رأسه،

مغبرة قدماه، إن كان في الحراسة كان في الحراسة، وإن كان في الساقة كان في

الساقة) [٢] فهمه الجهاد ونصرة هذا الدين، فلا يبالي في أي موقع وُضِعَ، وحيثما

وضع نفع؛ وهذا لا يعني أن لا يسعى المرء إلى أن يقدم لهذا الدين وينفع الأمة من

خلال القدرات والمواهب التي يحسنها؛ لكن الكلام هنا في أن المخلص لا يسعى

للصدراة والظهور والرئاسة، بل هو مجتهد مستجيب لكل ما يناط به مما له قدرة

عليه.

١٨- علم المرء بفضائل وثمرات الدعوة إلى الله من أعظم ما يدفعه نحو

الاشتغال بذلك. ومن ذلك قوله - تعالى -: [وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلاً مِّمَّن دَعَا إِلَى اللَّهِ

وَعَمِلَ صَالِحاً وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ المُسْلِمِينَ] (فصلت: ٣٣) ، قال - عليه الصلاة

والسلام -: (لأن يهدي الله بك رجلاً واحدًا خير لك من حمر النعم) متفق عليه [٣] .

وقال أيضًا: (من دل على خير فله مثل أجر فاعله) [٤] . فكم يكون

لك من الأجر إذا كانت الأعداد الكبيرة من الناس تعمل على ضوء ما أرشدتهم إليه!

وكم من الأجر يلحقك من آثار ذلك حتى وأنت مفارق للدنيا في قبرك!

أسال الله أن يجعلني وإياك من الهداة المهتدين، والصالحين المصلحين، وأن

يجعلنا مفاتيح للخير مغاليق للشر منه وكرمه.

وصل اللهم على الهادي البشير وعلى آله وأصحابه أجمعين.


(١) صحيح البخاري (٦/ ٤٩٦) ، ح/ ٣٤٦١.
(٢) صحيح البخاري (٦ / ٨١) ، ح / ٢٨٨٧.
(٣) صحيح البخاري (٦/ ١١١) ، ح/ ٢٩٤٢، وصحيح مسلم (٤/ ١٨٧٢) ح/ ٢٤٠٦.
(٤) صحيح مسلم (٣/١٥٠٦) ، ح / ١٨٩٣.