للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

حوار مع: الدكتور عبد العزيز الرنتيسي

أحد قادة حركة المقاومة

الإسلامية حماس في فلسطين المحتلة

حاوره: نائل نخلة [*]

تزداد الأحداث في فلسطين حدة وتفاعلاً يوماً بعد يوم بل ساعة بعد ساعة؛

يتعرض فيها إخواننا المسلمون هناك لممارسات أليمة ومآس مفجعة على أيدي

المحتلين اليهود؛ دون تمييز بين رجل وامرأة، أو كبير ووليد، أو شيخ وشاب.

ورغبة من مجلة البيان في الوقوف على تطورات الأحداث هناك، والتعرف على

مسيرة الانتفاضة من مصادر موثوقة؛ بعيداً عن التضليل الإعلامي الغالب على

كثير من أجهزة الإعلام؛ تلتقي المجلة أحد قادة حركة المقاومة الإسلامية في الحوار

الآتي:

البيان: في مقابلة مع صحيفة (له رببليكيه) الإيطالية قال عرفات: «هل

تسمعون بالقسَّام.. صواريخ، إنها نكتة! هذه الأدوات البدائية لم تجرح إنساناً أبداً؛

حتى القطط لا تخشاها. ووصفها أنها صواريخ هذه دعاية إسرائيلية كي تسوِّغ

عدوانها على الشعب الفلسطيني، لن ننسى أن حركة حماس هي من صنع

إسرائيل» . سؤالي إليكم دكتور: ما هو ردكم على ذلك، وهل حماس

بالفعل صنيعة إسرائيل؟

* إن كان السيد عرفات قال ذلك فإنما نشكوه إلى الله، مذكراً بقول الحق

تبارك وتعالى: [وَمَن يَكْسِبْ خَطِيئَةً أَوْ إِثْماً ثُمَّ يَرْمِ بِهِ بَرِيئاً فَقَدِ احْتَمَلَ بُهْتَاناً وَإِثْماً

مُّبِيناً] (النساء: ١١٢) .

إنها ليست المرة الأولى ولن تكون الأخيرة التي تجري فيها محاولة النيل من

حركة حماس، ولكنها محاولات باءت بالهزيمة؛ لأن شعوبنا العربية والإسلامية

تعيش واقعاً ملموساً يتمثل في قيام سلطة حكم ذاتي فلسطينية تم الاتفاق على إقامتها

مع العدو الصهيوني في أوسلو، وبناءً على الاتفاق تمت موافقة العدو الصهيوني

على كل كوادر وعناصر السلطة، فاختار من شاء ورفض آخرين، ولم يكن ذلك

إلا لأن السلطة المشكَّلة التزمت بضرب الحركة الإسلامية التي كانت تؤرق مضاجع

العدو.

وكانت منظمة التحرير في تونس تقول للصهاينة: إن لم تتفاوضوا معنا فلن

يكون أمامكم إلا مواجهة حركة حماس. وأتمنى أن يعود القراء إلى هذه التصريحات

قبل أوسلو، وهذه «كونداليزا رايس» مستشارة الأمن القومي الأمريكي تقول:

«القضية لا تتعلق بما يجب أن تفعله أمريكا، وإنما بما يجب أن يفعله عرفات؛

إنه يعلم ما يجب أن يقوم به» ، وتضيف قائلة: «إن اتفاقية أوسلو لا تتفق

مع الإرهاب وتهريب الأسلحة إلى الشرق الأوسط، وكذلك أنشطة حماس» .

إذن هذا القول من السلطة يوافق المثل القائل: «رمتني بدائها وانسلَّت» ،

ناهيك عن أنه يفتقر لا أقول إلى دليل ولكن يفتقر إلى شبهة دليل، ولا نملك أمام

هذه الهجمات التي تستهدف (حماس) بدعوى الاستجابة للضغوط الأمريكية إلا أن

نقول: [حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الوَكِيلُ] (آل عمران: ١٧٣) .

البيان: اتخذت حماس قراراً وُصِف (بالتاريخي) بوقف تعليق العمليات

الاستشهادية، وإطلاق قذائف الهاون داخل الأراضي الفلسطينية المحتلة

عام ١٩٤٨ م؛ فهل ما زال القرار ساري المفعول؟

* أنتم تعلمون أن أرض فلسطين وقف إسلامي استولى عليها اليهود عام

١٩٤٨م بقوة السلاح، ثم تمكن اليهود من الاستيلاء على مسرى رسول الله صلى

الله عليه وسلم عام ١٩٦٧م، ولقد أدركت حماس أن استرداد ما اغتُصب بالقوة لن

يتم إلا بذات الشوكة؛ أي لن يتم على طاولة المفاوضات؛ ولذا فإن خيار حماس

هو خيار المقاومة، وحماس لا تتجاهل المتغيرات الدولية، ولكنها أيضاً لا تغمض

عينها عن ثوابتها الوطنية، ومن خلال هذا الوعي يأتي قرار حماس المتعلق بتعليق

شكل من أشكال المقاومة إلى حين، و «إلى حين» هذه تعني أن باب العمليات

الاستشهادية وإطلاق قذائف الهاون لم يغلق.

البيان: ما هو موقف حماس من الأنباء التي تحدثت عن عزل عرفات وإيجاد

قيادة بديلة له ... ؟ وإذا حصل ذلك فكيف سيكون موقف حماس حينها؟

* أما العزل فله هدف واحد وهو ممارسة الضغط للإذعان للإرادة الصهيونية

وأما البحث عن قيادة بديلة فأمر غير وارد في حسابات أمريكا ولا أوروبا ولا

الكيان الصهيوني؛ فالقيادة البديلة ستكون أضعف من أن تقوم بتقديم التنازلات

المطلوبة. وعلى أية حال فإن لحماس استراتيجية ثابتة لا تتأثر بتغير القيادات

الفلسطينية، وتستطيع بفضل الله أن تتعامل مع أي طارئ يحدث بما يناسبه دون

الدخول في صراع يلهيها عن مقاومة المحتل.

البيان: هل هناك تنسيق بينكم وبين مختلف التنظيمات الفلسطينية؟ وما هي

الأسس المشتركة القائمة بينكم؟

* نعم هناك تنسيق بين كافة القوى الوطنية والإسلامية في إطار لجنة المتابعة

العليا للانتفاضة؛ هناك تنسيق حول فعاليات الانتفاضة، مع احتفاظ كل فصيل

باستراتيجيته الخاصة به، ولكن هناك أيضاً محاولات جادة لوضع برنامج سياسي

يُجمِع عليه الجميع، وما زالت هذه المحاولات المخلصة مستمرة.

البيان: ما هي طبيعة العلاقة بينكم وبين السلطة الفلسطينية؟

* من جانبنا نحرص دائماً على تنقية الأجواء بيننا وبين السلطة مع احتفاظنا

باستراتيجيتنا وبرنامجنا في مقاومة الاحتلال، ولا أنكر أن استجابة السلطة أحياناً

للضغوط التي تمارس عليها من قبل الاحتلال تعكر الأجواء، إلا أننا بصبرنا

وتحديد بوصلتنا بوضوح أفسدنا على العدو كل محاولاته الرامية إلى شق الصف

الفلسطيني.

البيان: هل يوجد لكم اتصالات أمنية مع قادة في الأجهزة الأمنية الفلسطينية؟

وإذا كان ذلك، فما هي طبيعة هذه الاتصالات؟

* نحن نحرص على بقاء قنوات الاتصال مع الأجهزة الأمنية مفتوحة؛ حيث

إننا نراجعهم باستمرار بخصوص ما يقومون به من اعتقالات رأي، أو اعتقالات

بسبب الضغوط الصهيونية، وكذلك فإننا نبادر لإحاطتهم علماً بأي معلومة نحصل

عليها أو نتوصل إليها بخصوص العملاء، ونترك لهم بعد ذلك المتابعة، وتطبيق

القوانين المعمول بها.

البيان: كيف تنظرون إلى مسألة الاعتقال السياسي، وكيف يؤثر برأيكم على

وحدة الشعب الفلسطيني ومقاومته للاحتلال؟

* ما يسمى بالاعتقال السياسي في فلسطين له طعم آخر يختلف عن الاعتقال

السياسي في أي مكان في العالم؛ والسبب في ذلك أن التهمة الموجهة للمعتقلين هي

(مقاومة الاحتلال) وليس مخالفة النظام، والقوانين لا تسمح بهذا الاعتقال، ولكن

اتفاق أوسلو ألزم السلطة بممارسة هذه الاعتقالات، ويعتبر ما يسمى بالاعتقال

السياسي من أخطر العوامل على وحدتنا الوطنية، ومن أسوأ العقبات التي تعرقل

مقاومة الاحتلال؛ فأي مقاوم فلسطيني يقوم بعمل ضد الاحتلال يصبح ملاحَقاً من

قِبَل السلطة؛ مما يعيق حركته ويشل قدرته على مواصلة العمل المقاوم.

البيان: باعتقادكم ما سبب نجاح الأجهزة الأمنية الصهيونية في اغتيال عدد

من كوادر العمل المسلح لحركات المقاومة الفلسطينية؟

* يجب ألا ننسى أننا في مواجهة مستمرة مع العدو الصهيوني، وفي الوقت

الذي تنجح فيه المقاومة باختراق كل الحصون والحواجز الأمنية للعدو وضربه في

العمق والمستوطنات والطرقات والحواجز، لا يمكن ألا نتعرض لرصده؛ ومن ثم

وصوله إلى بعض أهدافه، والله سبحانه وتعالى يقول في كتابه: [فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ]

(التوبة: ١١١) ، فللعدو عيونه التي تعينه على ما يحقق من نجاح، وملاحقة

السلطة للمجاهدين وإرباكهم من أهم العوامل التي تساعد العدو في تحقيق تلك

النجاحات، ناهيكم عن أن عدداً لا بأس به ممن تم اغتيالهم كانوا في معتقلات

السلطة وبعد خروجهم لساعات قلائل تم اغتيالهم من قِبَل العدو.

البيان: كيف تقيِّمون معالجة السلطة الفلسطينية لملف العملاء المتورطين في

اغتيال نشطاء الانتفاضة؟

* ملف العملاء من الملفات المؤرقة للمقاومة الفلسطينية، وفي اعتقادنا أن

القضاء عليهم وتفكيك شبكاتهم وسد الأبواب المشرعة لإسقاط المزيد من أصحاب

النفوس المريضة في أوحال العمالة أمر ممكن جداً لو أُولي هذا الملف ما يستحق من

الاهتمام من قِبَل السلطة؛ فالسلطة لا تعمل عادة إلا بعد تورط أحد العملاء في

عملية اغتيال، والأوْلى أن تتم الملاحقة قبل ذلك كإجراء وقائي، ولا أدري إن

كانت اتفاقية أوسلو تسمح بذلك أم لا؟

البيان: في حال عودة الطرفين (الفلسطيني والإسرائيلي) إلى طاولة

المفاوضات، وتم التوصل إلى اتفاقية سلام قائمة على إقامة دولة فلسطينية في حدود

عام ١٩٦٧م بعاصمتها القدس الشريف؛ فأين ستتجه حماس خاصة إذا حظيت

المعاهدة بموافقة أغلبية الشعب الفلسطيني؟

* لن تجهد حماس في التفكير في هذا الأمر؛ لأننا جميعاً علينا أن ندرك أن

العدو الصهيوني الذي لا زال يحتفظ على واجهة الكنيست بخارطة «إسرائيل

الكبرى» المزعومة، وينقشها كذلك على عُمْلته، ولا زال يرفرف علمه بخطين

أزرقين أحدهما يمثل الفرات والآخر يمثل النيل، بينهما نجمة داود، هذا العدو وقد

أثبتت ذلك عشر سنوات من المفاوضات لن يقبل بما طرحتم من تصور للحل، لن

يقبل هذا العدو بالتفريط بالقدس ولا بالمسجد الأقصى، ويوم يقبل بذلك سنكون في

وضع لا يسمح له بالوجود في شبر من فلسطين المغتصبة منذ عام ١٩٤٨م.

أما إذا أردنا أن نفترض حدوث المستحيل، فنقول بوضوح: سنواصل

مقاومتنا للاحتلال حتى استرداد كامل التراب الإسلامي المغتصب، ولن تلزمنا

اتفاقيات غير شرعية تأباها عقيدة المسلمين باحترامها والتقيد بها، ونقول بوضوح:

إذا لم يكن اليوم في مقدورنا تحرير فلسطين فعلينا ألا نتنازل عن شبر منها.

البيان: ما هو المطلوب (حسب رأي حماس) من القمة العربية في بيروت

المزمع عقدها في نهاية شهر آذار القادم؟

* المطلوب من القمة أن ترتقي إلى مستوى التحديات، وأن تسخر الإمكانات

المتاحة وما أكثرها من أجل تحرير فلسطين؛ فإن كانت الظروف لا تسمح لهم

بدخول الحروب فعليهم ألا يسمحوا بالتفريط بشبر من فلسطين.

ومن خلال هذه الرؤية الواضحة لحركة حماس نتمنى عليهم دعم المقاومة

الفلسطينية إعلامياً، ومالياً، ولوجستياً، وعسكرياً، ومعنوياً، وتوفير الغطاء

الدبلوماسي المطلوب للمقاومة، مع قطع كل أشكال العلاقة القائمة بين عواصمنا

العربية والكيان الصهيوني، من سفارات وقناصل ومكاتب تجارية، ووقف كل

أشكال التطبيع، وقطع الزيارات المتبادلة واللقاءات، ووقف التنسيق والتعاون

الأمني القائم بين بعض الدول العربية والعدو الصهيوني، ثم على الدول العربية أن

تعد لمعركة قادمة ستفرض عليها، وعليها أن تخلق حالة من التكامل الاقتصادي

والأمني الإعلامي على كل الصُّعُد فيما بينها، وعليها أن تتصدى للعربدة الأمريكية

بعدم تأمين مصالحها في العالم العربي ما دام أنها تدعم هذا الكيان الصهيوني المسخ.

البيان: كيف تنظرون إلى المواقف السياسية من الجانب الرسمي (العربي

والإسلامي) تجاه الشعب الفلسطيني وانتفاضته؟

* لقد كانت القضية الفلسطينية في السابق قضية عربية إسلامية، والآن

أصبحت قضية فلسطينية، وهذا ظلم فادح بحق هذه القضية، وما لم تعد القضية

الفلسطينية لتتبوأ مكانتها باعتبارها قضية الأمة فلن نكون راضين عن أي موقف لا

يرتقي إلى هذا المقام؛ لأنه سيكون فقط من باب العطف والمساندة، مع أن

المطلوب هو موقف الشراكة، ولا ننسى أن بعض الدول العربية تتخذ موقف

الوسيط بيننا وبين العدو؛ مع أن قضية القدس وفلسطين ينبغي أن تكون قضيتها

المركزية.

البيان: هل أنتم راضون عن مستوى الدعم العربي الإسلامي الشعبي

للانتفاضة الفلسطينية والشعب الفلسطيني؟

* إننا نعذر الشعوب العربية والإسلامية؛ لأننا ندرك أنها عندما أعطيت

مساحة واسعة للتحرك لم تتباطأ، ولكن عندما ضيق عليها حدث تراجع في دعمها

للانتفاضة والشعب الفلسطيني، وفي الوقت الذي نلتمس العذر لهم فإن ذلك لا يعني

أننا راضون عن مستوى الدعم، ولكننا نثق بصدق نواياهم ونشعر بتحرقهم شوقاً

للوقوف معنا، وأملنا كبير في عدم التضييق عليهم من قِبَل القادة.

البيان: ينظر إلى تدمير الدبابة (مركافا ٣) التي توصف على أنها الأكثر

تطوراً في العالم، على أنه تطور نوعي في المقاومة الفلسطينية، مع أن حماس لم

تكن وراء العملية؛ فهل تتفق مع هذا الرأي؟ وهل حماس لديها القدرة العسكرية

على إلحاق الأذى بالدبابات الإسرائيلية؟

* أتفق مع هذا القول بالتأكيد، وحماس فخورة جداً بهذا العمل، وحماس

بالتأكيد لديها القدرة العسكرية إن شاء الله لفعل ما هو أكبر من ذلك؛ لأن المسألة لم

تكن في تقنية العبوة، ولكن في التوفيق في زراعتها واعتلاء الدبابة لها، والإخوة

الذين قاموا بهذه العملية الرائعة قادرون أيضاً على صناعة عبوة أقوى من العبوة

التي استخدمت، وفي تقدير الخبراء أن عبوة أقل منها لو قدر لها أن تزرع بنفس

الطريقة فستؤدي والله أعلم إلى نفس النتائج.

البيان: بعض المراقبين يقولون إن قذائف الهاون ثبت ضررها أكثر من نفعها

على الشعب الفلسطيني؛ فما ردكم على ذلك؟

* يقول الحق تبارك وتعالى: [وَإِنَّ مِنكُمْ لَمَنْ لَّيُبَطِّئَنَّ] (النساء: ٧٢) ،

فإذا كان هؤلاء يعنون أن ردة الفعل من الاحتلال تكون قاسية، فنقول لهم: إذن

لأنه يتألم منها، ناهيكم عن أن معظم جرائم العدو ومنها اقتحام المدن كما حدث في

الخليل، وجنين، ونابلس، وطولكرم، ورام الله وغيرها، لم يكن بسبب

الهاون، ولن يهدأ بال المراقبين الذين ذكرت حتى نلقي السلاح ونرفع الراية

البيضاء؛ فعند كل عمل تثبت قدرته التأثيرية على العدو الصهيوني ترتفع أصوات

هؤلاء مطالبة بوقفه، تماماً كما ارتفعت أصواتهم ضد العمليات الاستشهادية.

البيان: ما موقف حركة حماس من وثيقة (بيرس - أبي علاء) التي

طرحت مؤخراً؟

* هناك موقف ثابت لحركة حماس وهو موقف ينبع من عقيدتها الإسلامية،

ويتمثل في عدم التنازل عن أرض المسلمين إذا اغتصبت؛ ولذلك رفضنا أوسلو،

والوثيقة المذكورة تتحدث عن قيام دولة اسماً وليس مضموناً على ٤٢% من أرض

الضفة الغربية؛ أي ما يقارب ٩% من أرض فلسطين المحتلة، ثم التنازل مع

الزمن عن حق العودة، وعن عودة القدس، وعن إزالة المستوطنات، وعن السيادة،

والمياه وغيرها، فإذا كنا قد رفضنا أوسلو بقوة فرفضنا لهذه الوثيقة سيكون أشد.

البيان: اليوم العالم يصف المقاومة الفلسطينية على أنها إرهاب؛ فما موقفكم

من ذلك؟ وهل ترى حماس في هذا الموقف خطراً على الانتفاضة الفلسطينية؟

* يقول الحق تبارك وتعالى: [وَلَن تَرْضَى عَنكَ اليَهُودُ وَلاَ النَّصَارَى حَتَّى

تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ] (البقرة: ١٢٠) ، فنحن لا نكترث بهذه الأوصاف؛ لأنهم ليسوا أهلاً

للشهادة ليعطوا الفرصة بالحكم على جهادنا. هذا من جانب، ومن جانب آخر فهم

لا يخفون دعمهم لأعدائنا؛ مما يجعلهم في صف العدو، ومن العدو لا أتوقع المديح

والثناء. نحن باعتبارنا مسلمين أصحاب التقييم العادل، ونحن نقول بأن ما يقوم به

اليهود هو الإرهاب عينه، ولما كانت أمريكا هي أكبر دولة داعمة لليهود المفسدين

في الأرض فهي في تقييمنا أكبر دولة داعمة للإرهاب، ربما لا يؤثر في أمريكا

تقييمنا هذا لها الآن، ولكن سيكون له أثره ولو بعد حين بإذن الله تعالى.

البيان: هل هناك صقور وحمائم في القيادة السياسية لحركة حماس؟

* كلنا صقور في وجه الأعداء حمائم في وجه المسلمين، ومنهجنا في ذلك

كتاب الله عز وجل: [أَذِلَّةٍ عَلَى المُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الكَافِرِينَ] (المائدة: ٥٤) ،

وقوله سبحانه: [أَشِدَّاءُ عَلَى الكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ] (الفتح: ٢٩) .

البيان: هل هناك اتصال بينكم وبين حزب الله فيما يتعلق بتبادل الأسرى مع

الجانب الإسرائيلي؟

* نحن نُزوِّد حزب الله بقوائم الأسرى، وكذلك تفعل باقي الفصائل الفلسطينية

ونترك لحزب الله باقي الجهد، واثقين أنه سيبذل قصارى جهده في تحقيق ما

يسعد الأسرى الفلسطينيين وذويهم، شاكرين لحزب الله موقفه الواضح والقوي في

تبنيه لقضية الأسرى الفلسطينيين.

البيان: هل ما زالت حماس تمثل رأس الحربة في مواجهة المشروع

الصهيوني في فلسطين المحتلة؟

* هذا صحيح وستبقى بعون الله كذلك.

البيان: البعض يقول إن عمليات حركة حماس الاستشهادية داخل فلسطين

المحتلة عام ٤٨ تصب في ماكينة الدعاية الصهيونية في العالم والتي تصور مقاومة

الشعب الفلسطيني للاحتلال على أنها إرهاب يجب مقاومته من كل الدول الحرة في

العالم؟

* الدعاية الصهيونية ضد الفلسطينيين لن تتوقف حتى إذا توقفت العمليات

الاستشهادية، وبدلاً من الاستجابة للدعاية الصهيونية التي تستخدم ضد أطفالنا

الأسلحة الأمريكية المتطورة من طائرات حربية ودبابات وزوارق حربية

وصواريخ، علينا أن نقوم بدعاية مضادة ندافع فيها عن شرعية المقاومة ونفضح

فيها إرهاب الصهاينة وعدوانهم.

البيان: هل تؤكد أو تنفي الأنباء التي تحدثت عن اعتقال السلطة الفلسطينية

للمسؤول الأول في الجهاز العسكري للحركة محمد الضيف وبعض معاونيه؟

* أنفي اعتقاله بالتأكيد؛ فهو حر والحمد لله، ويعمل ليل نهار في التخطيط

لضرب العدو، وأسأل الله ألا تتمكن السلطة من الوصول إليه، هذا وقد تمكنت

السلطة من اعتقاله في السابق ولكنه تمكن من الفرار من المعتقل والحمد لله.

البيان: هل يمكنك أن تطمئننا على الأوضاع الصحية للشيخ أحمد ياسين،

وهل ما زال تحت الإقامة الجبرية؟

* الشيخ أحمد ياسين والحمد لله بخير وعافية، وهذا لا يعني عدم مروره بأيام

يعاني فيها من انتكاسات في صحته، ولكنها جميعها من الوعكات التي يمكن

السيطرة عليها، ولا تشكل خطراً على حياة الشيخ حفظه الله، وهو الآن لا يخضع

للإقامة الجبرية التي فرضت عليه سابقاً من قِبَل السلطة.

البيان: كيف تنظر حماس إلى نسب جورج بوش العراق وإيران لمحور الشر؟

* المحور الحقيقي للشر هو المحور الصهيو - أمريكي، وأنا على ثقة بأن

الشر في العالم بأسره سيبقى ما بقي الكيان الصهيوني موجوداً، وما بقيت أمريكا

قوية، وما بقي العالم الإسلامي في سكرة.

البيان: ما هو موقفكم من الإعلان الذي خرج به رجال دين مسيحيون ويهود

ومسلمون عقد في الإسكندرية يقولون فيه: (قتل المدنيين باسم الدين إساءة إلى اسم

الرب) ؟

* لا يقتل أحد منا مدنيين باسم الرب؛ ولذلك هؤلاء إنما أرادوا تشويه صورة

جهادنا العادل ضد الاحتلال المجرم، وكيف يمكن أن نسمي من ترك وطنه الأصلي،

وحمل السلاح واغتصب بيتي وطردني منه منذ أكثر من خمسين عاماً عانينا فيها

الحرمان والقهر والذل والعدوان المتواصل؟ ! كيف يمكن أن نسمي هذا مدنياً أو

بريئاً؟ ! ولماذا لم يخرج هذا المؤتمر الصهيوني ببند يقولون فيه إن اغتصاب

فلسطين باسم الرب إساءة إلى اسم الرب؟ أم أنهم يجهلون العدوان المتواصل على

شعبنا باسم الرب؟ ! وصدق الله إذ يقول: [قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ]

(التوبة: ٣٠) .

البيان: ستة عشر شهراً مضت على انتفاضة الأقصى؛ فكيف تنظرون إليها

وهل باعتقادكم أن المقاومة هي الطريق الوحيد لتحرير فلسطين؟

* الانتفاضة الفلسطينية تمثل في حقيقتها إرادة شعب يرفض ذل الاحتلال،

ويصر على تحرير وطنه مهما عظمت التكاليف وبلغت التضحيات، ولقد تكسرت

على صخرة هذه الإرادة الفولاذية على مدى ستة عشر شهراً من المواجهة كل

المحاولات المحمومة لاحتواء الانتفاضة والالتفاف عليها بهدف تجاوزها أو القفز

فوقها، ومن هنا فقد فرضت إرادة الشعب الفلسطيني معادلة جديدة على الساحة

الدولية تقول بأن الانتفاضة والمقاومة ستستمران ما استمر الاحتلال، وقد احتلت

هذه المعادلة مكانها في أذهان كل المهتمين والمتابعين للحالة الفلسطينية من شرق

وغرب، حتى غدت مسلمة تفرض نفسها عند التطلع لوضع الحلول للقضية

الفلسطينية.

ولما كانت المفاوضات العقيمة مع العدو الصهيوني أحد أهم الأسباب في

ترسيخ الاحتلال، وتثبيت أركانه، وإضفاء الشرعية عليه، وتوفير الأجواء

الملائمة لاستمرار عدوانه على شعبنا، من تمدد استيطاني كبير، وتهويد للقدس

والمقدسات، وخلق وقائع جديدة على الأرض أدت إلى تقطيع أوصال الشعب

الفلسطيني، ومحاصرته في كانتونات صغيرة، ناهيك عما تمخضت عنه

المفاوضات من تعاون أمني أهم أهدافه أن تصبح السلطة أداة قمع في يد العدو

الصهيوني يستخدمها لملاحقة الشرفاء من أبناء شعبنا المجاهد؛ مما يعني توفير

الأمن والاستقرار للصهاينة الغاصبين، وما تمخضت عنه أوسلو من تمزيق للصف

الفلسطيني ووضعه على حافة الحرب الأهلية لولا فضل الله أولاً ثم حكمة

المخلصين والشرفاء من أبناء هذا الشعب.

من هنا ندرك أن أهم إنجازات الانتفاضة بلا منازع كانت وقف التداعيات

الناجمة عن المفاوضات، وخلق رأي عام شعبي واع لمخاطرها على مستقبل

القضية؛ فلولا الانتفاضة لقضت المفاوضات قضاء مبرماً على كافة حقوق الشعب

الفلسطيني في العودة إلى وطنه الذي أخرج منه ظلماً وعدوانًا، ولولا الانتفاضة

لتمكن العدو من تهديد الوجود الفلسطيني في الضفة والقطاع؛ مما يمكنه من تصفية

القضية برمتها لصالحه. كما أن من إنجازات الانتفاضة تلك النقلة النوعية التي

أحدثتها في وجدان الشعب الفلسطيني، حيث إن التعبئة الإعلامية وغيرها لصالح

المفاوضات كادت أن تقتل فيه روح الجهاد وحب الشهادة، وكادت أن تسلخه عن

انتمائه لوطنه الذي أخرج منه بقوة السلاح.

وما من شك في أن هذه التعبئة الجهادية قد شقت طريقها في كل من الشارع

العربي والإسلامي؛ مما سيكون له عظيم الأثر في صياغة مستقبل هذه الأمة على

أسس جديدة من العزة والكرامة. ومن جهتنا نؤمن إيماناً قاطعاً أن المقاومة هي

الخيار الوحيد أمام شعبنا الفلسطيني، ونحن أصحاب حق يجب أن يحق، واليهود

على باطل يجب أن يُبطَل، والله سبحانه يقول: [وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذَاتِ الشَّوْكَةِ

تَكُونُ لَكُمْ وَيُرِيدُ اللَّهُ أَن يُحِقَّ الحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ وَيَقْطَعَ دَابِرَ الكَافِرِينَ * لِيُحِقَّ الحَقَّ

وَيُبْطِلَ البَاطِلَ وَلَوْ كَرِهَ المُجْرِمُونَ] (الأنفال: ٧-٨) .

البيان: هل ماتت أوسلو، برأيكم؟

* أوسلو من وجهة نظرنا ولدت ميتة؛ فهي تفتقر إلى العدل، وتركن إلى

فرض الاستسلام على الشعب الفلسطيني بقوة السلاح الصهيوني، مستثمرة اختلال

موازين القوة لصالحه، والموقف الصهيوني العدواني الواضح على شعبنا

الفلسطيني يؤكد أن أوسلو أصبحت أثراً بعد عين.


(*) مراسل مجلة البيان في فلسطين.