للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

المسلمون والعالم

أنصار الإسلام في تورابورا العراقية

(٢ ـ ٢)

أحمد فهمي

Ahmdsaad١@hotmail.com

أوشكت قضية (جماعة أنصار الإسلام) أن تقفز إلى قمة الأحداث العالمية

في الأسابيع الماضية؛ وذلك بعد أن أعلن أن الإدارة الأميركية اتخذت قراراً

بالهجوم على مواقع الحركة ومعاقلها من أجل القضاء عليها وتدميرها، ولكن

تراجعت أميركا في اللحظات الأخيرة حسب التصريحات الرسمية بحجة أن ذلك

ربما يؤثر على موقف حلفائها العرب والمسلمين، ووجه وزير الدفاع رامسفيلد بدلاً

من ذلك هجوماً كلامياً على الجماعة، واعتبرها حليفاً قوياً لنظام صدام حسين.

وقد تناولنا في العدد السابق التعريف بأنصار الإسلام الكردية، وعلاقاتها مع

بعض اللاعبين الرئيسيين على الملعب الكردي العراقي، وبقي أن نواصل الحديث

عن بقية هؤلاء.

* أنصار الإسلام على الساحة الكردية:

يعتبر الأكراد بمثابة المرآة الصقيلة التي انعكست عليها أسوأ سوءات الواقع

الإسلامي، سياسياً واجتماعياً وإسلامياً؛ فمن الناحية السياسية تفرق الأكراد إلى

أحزاب مختلفة، ومتخالفة، في البلد الواحد، فضلاً عن تفرقهم أكثر من خمسة

وعشرين مليون كردي على خمس دول، هي تركيا، والعراق، وسوريا،

وأرمينيا، وإيران، وهو ما يعني عشرات الأحزاب والتجمعات والحركات السياسية

التي يدعي كل منها أحقيته بالحديث عن المصالح الكردية. وتتوزع هذه الأحزاب

بدورها على مختلف المذاهب السياسية، واليسارية، والليبرالية، والقومية،

بالإضافة إلى الحركات الإسلامية..

أما من الناحية الاجتماعية فلم يسلم الأكراد من تأثير النظام القبلي العشائري

لكن في صورته السلبية التي تدعو إلى مزيد من التفرق والانقسام، حتى داخل

الحزب الواحد، لتصنع عدداً إضافياً من التقاطعات داخل النسيج الكردي المهترئ.

أما من الناحية الدينية فقد نجح العلمانيون خلال عقود من الزمان، وبتأثير

البعث العراقي، في تحويل العرب إلى عدو أكبر لدى كثير من طوائف الشعب

الكردي؛ وذلك لكي تضعف الرابطة الإسلامية، وتنكمش المرجعية الدينية، طالما

كان العرب أحد مكوناتها الرئيسية. ومن ثم يصبح الحديث عن قضية كردية واحدة،

أو شعب كردي واحد، مجرد ترف فكري وسياسي، وتعلق بأوهام لا أساس لها

على الأقل في الظروف الراهنة بل إنه من المشاهدات المحزنة أن كل حزب كردي

بينما يعادي نظام الدولة التي يوجد بها يتحالف مع دولة أو دول أخرى مجاورة تقهر

بدورها الأكراد داخل حدودها.

فعلى سبيل المثال يحظى حزب البرزاني بعلاقة قوية مع تركيا، بينما حزب

العمال الكردستاني التركي يتعرض لحرب شعواء من حكومة أنقرة، ويحظى بالدعم

السوري ما قبل سقوط أوجلان وعداء حزب الطالباني العراقي، وهذا الأخير يحتفظ

بعلاقة قوية مع إيران التي تقمع المعارضة الكردية على أراضيها.. وهكذا.

وفي ثنايا هذه الفسيفساء ذات الأبعاد المتفاوتة، يمكن أن نلتقط أهم حزبين

على الساحة العراقية، لنسلط الأضواء على علاقتهما بحركة أنصار الإسلام، وهما

حزب الاتحاد الوطني، والحزب الديمقراطي اللذان يكشف تاريخهما السياسي عن

مجالات أخرى للتناقض الكردي المعاصر؛ فالاتحاد الوطني انشق في الأساس عن

الديمقراطي في منتصف الستينيات، بينما يقول بعض المختصين إن الانشقاق

الفعلي كان في عام ١٩٧٥م، وقاد جلال طالباني الحزب نحو سلسلة متتالية من

التحالفات بدأت بالنظام العراقي، وتوجهت في الأساس ضد أحزاب عراقية كردية

أخرى، وانتهت بالتحالف المقدس مع أميركا، ضد نظام صدام، وخلال مسيرته

الحافلة تبنى الحزب النهج اليساري، وتحالف مع الشيوعيين، ثم توجه نحو

الليبرالية، وأخيراً يخطو بقوة في اتجاه النظام الغربي الرأسمالي مع ميول قومية،

ويتركز تواجده في الشمال الشرقي للعراق، بجوار الحدود مع إيران التي يحظى

بعلاقة قوية معها، مع علاقة أضعف بتركيا.

أما الديمقراطي الذي تأسس عام ١٩٤٦م، بزعامة الملا مصطفى البرزاني

والد مسعود الزعيم الحالي للحزب، فقد مر بدوره بسلسلة مشابهة من التحالفات،

مع كافة الأطراف والدول المجاورة والمعنية، بما فيها العراق نفسه، ونظام صدام

بالتحديد، حيث استعان البرزاني الابن بالجيش العراقي في حربه المستعرة مع

الاتحاد الوطني عام ١٩٩٦م، وينهج الديمقراطي نهجاً قومياً، ويعتمد على العشيرة

البرزانية بصورة رئيسية، وهو حليف قوي لأميركا، وعلاقته هشة بإيران،

ويتركز تواجده في الشمال العراقي المتاخم للحدود مع تركيا التي يحظى أو كان

بعلاقة متميزة مع نظامها السياسي قبل أن يشوبها نوع من التوتر إثر الكشف عن

دستور لإقامة حكم ذاتي في كردستان العراق في ظل أي حكومة عراقية جديدة،

وهو ما تتخوف منه أنقرة، باعتبار تأثيره السلبي على الواقع الكردي لديها.

وبينما تتمركز حكومة الطالباني في مدينة السليمانية، فإن حزب البرزاني

يستقر في مدينة أربيل، والعلاقات بين الحزبين متوترة دائماً لدرجة التقاتل العنيف،

وتبذل الإدارة الأميركية جهوداً محسوبة بدقة لوقف النزاع بين الحزبين، حيث

تبدأ عادة في ممارسة الضغوط فقط عندما يهدد القتال مصالحها، والعلاقة بين

الحزبين تمر حالياً بفترة من الهدوء، خاصة مع الترويج الأميركي لحملة قوية

لإسقاط نظام صدام، والتي تتطلب تكاتف الجهود لتحقيق الرغبات الأميركية.

وتحتل العلاقة بين حركة أنصار الإسلام والاتحاد الوطني حيزاً كبيراً من

الواقع السياسي للحركة الإسلامية الجهادية، ويمكن زمنياً تقسيم العلاقة بين الطرفين

إلى ثلاث مراحل رئيسية: الأولى تبدأ في شهر سبتمبر من العام الفائت، والثانية

تبدأ من ١١ ديسمبر من نفس العام، والثالثة تبدأ من ٢/٤/٢٠٠٢م.

المرحلة الأولى:

وكانت تحديداً بين الاتحاد الوطني وجند الإسلام، وهي العضو الرئيسي

المندمج في أنصار الإسلام الحالية، وبالنسبة للإسلاميين كانت العلاقة يحكمها

القناعة بوجوب إعلان الجهاد ضد الأحزاب العلمانية الكافرة الخارجة عن النهج

الإسلامي، وقد تزعم الملا أبو عبيد الله الشافعي الحركة في هذا الوقت، وقد دارت

معارك طاحنة بين مقاتلي الطرفين أسفرت عن خسارة بشرية فادحة للاتحاد الوطني

نتيجة الأسلوب العسكري الذي يتبعه مقاتلو جند الإسلام، والأقرب إلى حرب

العصابات، وقد أسفرت العمليات حسب بعض التقديرات عن سقوط نحو ١٠٨٦

قتيلاً وجريحاً من الوطني خلال ٧٣ يوماً من القتال المستمر، مقابل ٤٧ قتيلاً

وجريحاً في صفوف جند الإسلام، إلا أنه من ناحية أخرى، لم يحدث تغيير كبير

لصالح الإسلاميين في مناطق السيطرة والنفوذ على أرض الواقع، وبقي النصر

الذي حققه الإسلاميون متمثلاً في إبطال جهود الوطني في إنهاء الحركة.

وبدأ جلال الطالباني بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر في شن حملة

إعلامية قوية ضد الحركة؛ حيث ادعى أنها تابعة لبن لادن وتنظيمه القاعدة، وأنها

تتلقى تمويلاً ودعماً خاصاً منه، وأن هناك العشرات من الأفغان العرب يقاتلون مع

الجماعة، وأنها تفرض نمطاً إسلامياً مماثلاً لحركة طالبان، واتهم حزب الطالباني

جند الإسلام بتنفيذ عدد من عمليات القتل والاختطاف كان أبرزها الادعاء بقيام

مقاتلين إسلاميين بتنفيذ كمين ضد مقاتلي الوطني في قرية خيلي حمة على الطريق

بين السليمانية وحلبجة نتج عنه مقتل نحو ٣٧ منهم، وقال مسؤولو الوطني إنه تم

التمثيل بجثثهم على نحو بشع، وقطعت بعض الأعضاء الخارجية، وتم تصوير

الجثث وأرسلت للصحف للدلالة على إرهاب الإسلاميين حسب ادعائهم، وقد نفت

الحركة ذلك، وقالت إن الوطني «اصطنع» الصور، أو مثّل أتباعه بالجثث قبل

تصويرها.

وقد توقفت المعارك بعد إعلان الوطني عن وقف لإطلاق النار في ١١ أكتوبر،

باعتبار نجاحه في السيطرة على مناطق للحركة في حلبجة، ومناطق مجاورة لها

رغم خسارته البشرية الكبيرة، وأعلن الحزب عفواً دعائياً صورياً عن مقاتلي جند

الإسلام لمدة ثلاثين يوماً، مستثنياً من قاموا بعمليات القتل والتمثيل حسب ادعائه.

المرحلة الثانية:

بدأت في ١١/١٢/٢٠٠١م، وبعد يوم واحد من ظهور جماعة أنصار الإسلام

للعيان، نتيجة اندماج ثلاثي شمل جند الإسلام، وحماس الكردية، وحركة التوحيد،

وكان أمير الحركة الجديدة هو الملا نجم الدين فرج، المعروف بفاتح كريكار،

الذي أعلن فوراً عن الرغبة في إنهاء الصراع، ووقف القتال مع الوطني،

والدخول في مرحلة من المفاوضات لحل المشكلات العالقة، وبدا أن الجماعة قد

غيرت قليلاً من منهجها، وهو ما فسر من قبل بعض المحللين أنها محاولة للتكيف

مع نتائج أحداث سبتمبر، والحرب الأميركية على الحركات الإسلامية بدعوى

الإرهاب، وقد ترتب على ذلك عقد سلسلة مطولة من اللقاءات والمباحثات بين

الحركة والحزب الوطني، وبتأثير الخسارة والعجز، أبدى حزب الطالباني تجاوباً

أولياً، ودعا الأخير قادة الجماعة إلى مأدبة غداء في أحد فنادق السليمانية،

وحضرها منهم الملا فاتح كريكار، وأيوب ممثلاً لأبي عبيد الله الشافعي، ومحمد

حسن ويسي، وكانت مطالب جماعة أنصار الإسلام في هذه المفاوضات تتلخص في

تسليم إدارة مدينة بيارة للإسلاميين، وتقديم تعويضات مالية عن الخسائر نتيجة

القتال الأخير، وأيضاً تقديم حصة مالية شهرية ثابتة من واردات حكومة الوطني

في السليمانية، كما يحدث مع تنظيمات كردية أخرى، وقد استمرت اللقاءات بين

الطرفين عدة أشهر، وبدا أن الغيوم آخذة في الانقشاع، وأعرب الطالباني في حوار

مع الرأي العام الكويتية عن رضاه عن تطور العلاقات، وقال: «نحن في حوار

معهم، وأنا شخصياً استقبلت الملا كريكار في مقر إقامتي، وتكلم معي كلاماً جيداً،

وإذا ما تم تبني هذه السياسة التقارب من قبل المنظمة، فلن تبقى مشاكل» .. ولكن

فجأة تغير مسار الأحداث تماماً، عندما أعلن عن محاولة لاغتيال الدكتور برهم

صالح رئيس وزراء حكومة الوطني والرجل الثاني في الحزب، وذلك في مقر

إقامته في السليمانية، وكان آخر اللقاءات بينهما وهو اللقاء الذي عقد في قرية

خاركيلان قد انتهى يوم ٣١ مارس؛ أي قبل يومين فقط من المحاولة، واستمر لمدة

ثلاثة أيام، وكان من المتوقع أن يستجيب الاتحاد الوطني إلى الكثير من مطالب

أنصار الإسلام.

المرحلة الثالثة:

يعتبر الدكتور برهم صالح الرجل الثاني في الاتحاد الوطني، ورئيس حكومة

الحزب، وعرَّاب هذه المرحلة من العلاقة بين الوطني وأنصار الإسلام، وأبرز

المؤثرين فيها، والرجل حاصل على الجنسية الأميركية، وكثير السفر إلى أميركا،

ومعروف بعلمانيته وكراهيته الشديدة للحركات الإسلامية، ويعده البعض رجل السي

آي إيه الأول في المنطقة.

وقد بدأت الأحداث في يوم ٢ إبريل من العام الحالي، عندما تعرض منزل

برهم صالح لهجوم غامض في توقيته والجهة التي تقف وراءه من قبل أشخاص

مجهولين، وقد نتج عن ذلك تدهور فوري في العلاقة بين الوطني وأنصار الإسلام،

لتنتهي بذلك الحقبة السلمية التي بدأت بعد نشأة الحركة في ديسمبر العام الماضي،

وقد نفت الحركة تماماً أي علاقة لها بالهجوم، خاصة أنه أتى على خلفية مباحثات

ناجحة بين الطرفين، لم يكن هناك داع لإفسادها، وقالت في بيان لها: «كان

التزامنا بقرارنا ذلك المفاوضات نابعاً من تعاليم التزامنا بالشرع الإسلامي الحنيف،

ولو أردنا تغيير مواقفنا فإننا سنعلن ذلك صراحة وبلا مواربة» ، إلا أن الاتحاد

الوطني على الرغم من ذلك شرع في تنفيذ إجراءات عقابية ضد جماعة أنصار

الإسلام والجماعة الإسلامية، بعد أن ادعى الحزب أن منفذي الهجوم كانوا ثلاثة

أشخاص، هم: عبد السلام أبو بكر عضو مركز السليمانية للجماعة الإسلامية،

وشخص آخر اسمه قيس نجح في الفرار ثم اعتقل بعدها في محلة السليمانية الجديدة

في بيت عضو بالجماعة الإسلامية، والثالث اسمه كامران مورياسي، وكان عضواً

سابقاً في جماعة التوحيد إحدى الجماعات الثلاث المكونة لأنصار الإسلام.

وتمثل الانتقام المفتعل للوطني في حملة اعتقالات مكثفة في السليمانية شملت

مئات الإسلاميين، ومن بينهم عدد من النساء، وهو ما جعل الأنصار يهددون

الاتحاد الوطني، ويعلنون مهلة ثلاثة أيام لإطلاق سراح الأسرى، خاصة النساء،

وقد تدخلت الحركة الإسلامية بزعامة الشيخ علي عبد العزيز للوساطة بين الطرفين،

فتم عقد لقاء استمر ليومين، أسفر عن إطلاق سراح النساء المعتقلات، وبدا أن

الوطني ثاب إلى رشده، وأبدى استعداده لمناقشة الاتفاقات السابقة، إلا أن الدكتور

برهم صالح تدخل مرة أخرى، حيث أعرب عن رفضه لأي مفاوضات مع أنصار

الإسلام، وذلك بعد عودته من زيارة لأميركا، معتبراً أن تحالف حزبه مع

الأميركيين يمثل خطوة هامة للقضاء على الإسلاميين دون حاجة للتفاوض معهم،

وبالفعل بدأت المماطلة والتسويف تحكم علاقة الوطني بحركة الأنصار، والتي

اتخذت قراراً بوقف المباحثات، واشتعل القتال مرة أخرى بين الجانبين، ولأن

الأنصار يعلمون أن مقاتلي الاتحاد الوطني أشبه بالمرتزقة الذين يقاتلون فقط من

أجل المال، وأن قادة الوطني يجدون صعوبة كبيرة في حشدهم للقتال، فقد أصدر

الملا فاتح كريكار عفواً مؤقتاً تكتيكياً في إطار الحرب النفسية عن مقاتلي الوطني

مشروطاً بإلقاء السلاح، مع تقديم مكافأة مالية لمن يبادر، وقد رد جلال الطالباني

بأن أعلن عن زيادة رواتب ومكافآت مقاتليه، لتشجيع الفارين على العودة.

وقد أخذت المعارك بين الطرفين نفس وتيرتها السابقة: قوات الطالباني تحفر

الخنادق، ومقاتلو الأنصار يتبعون أسلوب حرب العصابات، وينفذون هجمات

سريعة ضد أهداف الوطني الذي يمنى بخسائر بشرية كبيرة، بينما يفقد الأنصار

عدداً محدوداً.

أما فيما يتعلق بالحزب الديمقراطي الكردستاني بزعامة مسعود برزاني، فقد

اتهم الحزب الأنصار بتنفيذ عمليات اغتيال في مناطقه، أبرزها اغتيال فرانسوا

الحريري القيادي البارز في الحزب في مدينة أربيل، وصرح مسؤول بالأنصار

لصحيفة الحياة أن حركته تستضيف بعض العناصر الإسلامية التي كانت ملاحقة في

مناطق الحزب الديمقراطي، لكنه لم يعترف صراحة بإيواء قاتلي الحريري، ومن

ناحية أخرى فقد جاءت محاولات القضاء على الأنصار لتكون عنصراً قوياً للتقريب

بين الحزبين الكرديين البارزين المتنافرين، الوطني والديمقراطي، حيث تم التوقيع

قبل أشهر على اتفاقية للتعاون الأمني في هذا المجال، ويحاول الطالباني جاهداً أن

يستدرج البرزاني للدخول في حرب مشتركة ضد الأنصار لكي يتخلص من الجماعة

التي تؤرقه.

وقد برز في الفترة الأخيرة حدثان لهما أبعادهما الهامة في تحديد وضعية

حركة الأنصار ومستقبلها في المنطقة:

الحدث الأول:

قام بعض الأشخاص في يوليو الماضي بنبش بعض مقابر الطريقة النقشبندية

وبالأخص قبر المسمى (الشيخ حسام الدين) في قرية باخة كون قرب بيارة التي

يسيطر عليها أنصار الإسلام، ونقلوا الرفات الموجود بها إلى المقابر العامة لمنع

زيارتها، وكانت عناصر من الجماعة قد هددوا أتباع الطريقة قبل ذلك بوجوب

وقف المريدين عن زيارة هذه المقبرة، وعلى الفور قامت قيامة الطريقة النقشبندية

الكردية، وعقدت اجتماعات وصدرت بيانات تستنكر وتتوعد، ونفخ الاتحاد

الوطني في الفتنة، وتبادل قادته الخطابة في أتباع النقشبندية متوعدين جماعة

الأنصار بالويل والثبور، ولكن كان موقف الجماعة في هذه القضية غامضاً،

ومحيراً، فقد نفت بداية أي صلة لها بهذا العمل، واستنكرته، ثم دعا بعض

عناصرها أطرافاً خارجية محايدة لزيارة المنطقة المذكورة، والتأكد من سلامة

المقابر، ولكن ترددت بعد ذلك أنباء عن تشكيل لجنة خاصة من قبل فاتح كريكار

للتحقيق في الحادث، ثم اعترفت الجماعة بعد ذلك أن عناصر تابعين لها كانوا

وراءه، وأنها اعتقلتهم، وكشف التحقيق معهم عن فردية المحاولة، وأنهم لم

يرجعوا فيها إلى قادتهم أو إلى النصوص الشرعية لمعرفة الحكم الصحيح، وقالت

الحركة إنهم سوف يحاكمون وفق أحكام الشريعة المطبقة في مناطق الجماعة.

وقد استغل الوطني الحادثة لصالحه، وحاول استثارة كافة الأطراف ضد

الأنصار، ودعا أتباع النقشبندية إلى زيارة البرزاني والتأثير عليه للقيام بعمل

عسكري مشترك بين الحزبين للقضاء على الحركة.

أما على الصعيد الداخلي للحركة فقد أثارت الحادثة تساؤلات حول مدى

سيطرتها على أتباعها، وهل يمكن أن يكون ثمة اختراق لها من قبل جهات كردية،

أو من قبل المخابرات الأميركية؟ وهذا الاحتمال يقوى في حال ثبوت أن العناصر

التي نفذت محاولة اغتيال برهم صالح هي بالفعل عناصر إسلامية، وتسود حالياً

علامات استفهام حول قيادة الحركة خاصة بعد الإعلان عن توقيف الملا كريكار من

قبل السلطات الهولندية، حيث كان في طريقه من إيران عائداً إلى النرويج محل

إقامته، وذكرت السلطات الهولندية أنها اعتقلته بناء على طلب من جهاز مخابرات

أجنبي، وأنها تعتزم التحقيق معه حول دور مزعوم في الربط بين المخابرات

العراقية والقاعدة.

الحدث الثاني:

إعلان الإدارة الأميركية تراجعها عن تنفيذ عملية عسكرية خاصة للقضاء على

جماعة أنصار الإسلام، وتدمير معاقلها، وأماكن تجمعها، وقد فسر ذلك بأحد

أمرين:

الأول: أن الهجوم خطط له إثر تقارير مخابراتية مكثفة ومزيفة روجت فيها

الأحزاب الكردية لخطورة الجماعة، في نفس الوقت الذي اكتشفت فيه المخابرات

الأميركية هذا التضخيم في قدرات الجماعة قبل التنفيذ، وهو ما جعلها تتراجع عنه،

وتطالب الأحزاب بتقديم إثباتات كافية، وخاصة أن المحصلة المرجوة لا تتناسب

مع ردود الفعل المتوقعة.

الثاني: أن إعلان التراجع يأتي في سياق تهيئة الرأي العام العربي والإسلامي

لتنفيذ هجوم مماثل لاحقاً أثناء الحملة الشاملة على العراق، وكما ذكرنا في العدد

السابق فإن بقاء الجماعة قد يقدم فائدة أكبر للسياسة الأميركية، مما لو تم القضاء

عليها في هذه المرحلة.

ولكن لم يمنع ذلك الإدارة الأميركية من توجيه اتهامات إلى الجماعة؛ فقد

صرح دونالد رامسفيلد وزير الدفاع الأميركي أن أنصار الإسلام تطور أسلحة

كيمياوية، وأنها مرتبطة مع نظام صدام الذي يخفي كميات كبيرة من الأسلحة

الكيماوية في مناطق الحركة، وقد أصدر الملا كريكار بياناً نفى فيه هذ الاتهامات،

وقال إنها صدرت على خلفية الإخفاق الذي أصاب الاتحاد الوطني في إدارة المنطقة،

وقال إن الجماعة تفسح المجال أمام أية فرقة مختصة سواء كانت تابعة لمنظمة

الأمم المتحدة أو الولايات المتحدة الأمريكية نفسها لزيارة المناطق الخاضعة

لسيطرتها وإجراء تفتيش عن تلك المواد المزعومة.

ولم تتوقف العمليات المخابراتية في مناطق الجماعة، والتي اعترف بها

الاتحاد الوطني، وكان يشرف على تقديم التسهيلات لعناصر المخابرات الأميركية

برهم صالح بنفسه، وتشمل هذه العمليات بجوار جمع المعلومات، تنفيذ سلسلة من

الاغتيالات، واتهام الجماعة بها، وتنفيذ عدد من عمليات التفجير داخل مناطق

سيطرتها، خاصة في الأماكن المزدحمة في الأسواق والمساجد، وقد أعلنت

الجماعة بالفعل عن اعتقال عدد من الأشخاص كانوا في طريقهم لذلك، كما أعلنت

الجماعة الإسلامية بدروها عن أعمال مماثلة في مناطقها.

* أنصار الإسلام والحركات الإسلامية الكردية:

رغم أن التيار الإسلامي كان موجوداً في كردستان العراق منذ عقود بعيدة،

إلا أنه لم يتشكل في هيئة جماعات إلا منذ نحو خمسة عشر عاماً، حيث أنشات

مجموعة من الإسلاميين تضم علماء بعضهم ينتمي إلى جماعة الإخوان المسلمين،

الحركة الإسلامية عام ١٩٨٨م، وتزعم الحركة الشيخ عثمان بن عبد العزيز الذي

اضطرته ظروف الحكم البعثي إلى الانتقال لإيران، وكانت الحركة في منهجها العام

جهادية، لكنها قريبة من فكر الإخوان المسلمين، وفي عام ١٩٩٢م أنشأت مجموعة

أخرى من الإخوان المنشقين جماعة النهضة، ثم ظهر للعيان عام ١٩٩٤م الاتحاد

الإسلامي الممثل للإخوان المسلمين في كردستان، وتبنى منهج الجماعة المعروف،

وابتعد عن العمل الجهادي، وركز نشاطه في مجالي الدعوة والعمل السياسي، وفي

عام ١٩٩٩م، اتفقت الحركة الإسلامية بزعامة الملا علي عبد العزيز الأب على

الوحدة مع حركة النهضة، وأصبحت حركة الوحدة هي الجماعة الجديدة، ولكن

الخلاف لم يلبث أن نشب بين الإخوة المتحدين، نتيجة تباين المواقف والرؤى تجاه

عديد من القضايا، ولم تستطع الجماعة الوليدة أن تكمل عامين قبل أن تتفكك إلى

ثلاث جماعات أساسية ما عدا بعض الفصائل الصغيرة، وهذ الجماعات هي:

الجماعة الإسلامية بزعامة الشيخ علي بابير، والحركة الإسلامية بزعامة الملا علي

عبد العزيز الابن، وجماعة جند الإسلام وأبرز قادتها أبو عبيد الله الشافعي، وكان

الثقل العددي مع الجماعة الإسلامية والحركة الإسلامية، وفي ديسمبر من العام

الماضي، توحدت حركات: جند الإسلام، والتوحيد، وحماس، لتكون جماعة

أنصار الإسلام، والجماعات الثلاث الأخيرة هي جماعات جهادية، لها ميلشيات

مسلحة، لكن أنصار الإسلام فقط هي التي تقاتل الأحزاب الكردية العلمانية.

ومن هذا العرض المختصر يتبين التداخل الشديد بين فصائل التيار الإسلامي

في كردستان العراق، خاصة في بداية النشأة، ثم فيما يتعلق بالجماعات ذات

التوجه الجهادي، ولعل الصورة تتضح إذا علمنا أن أحد قادة الأنصار هو إحسان

ابن الملا علي عبد العزيز زعيم الحركة الإسلامية، وابن عم صادق عبد العزيز

نائبه، ورغم الاختلاف بين الفصائل الثلاث، والذي كان يأخذ منحى حاداً أحياناً،

إلا أن ذلك لم يمنع من وجود قدر من الولاء بينها، حيث كثيراً ما تدخل زعيم

الحركة الإسلامية للوساطة بين الاتحاد الوطني والأنصار، كما أن الجماعة

الإسلامية تتهم من قبل الوطني بتقديم دعمها لأنصار الإسلام، ومن أهم القضايا

التي تثير خلافاً بين هذه التيارات الجهادية الثلاث ما يتعلق بالموقف من ممارسة

العمل السياسي والأحزاب العلمانية، حيث تشارك كل من الجماعة الإسلامية

والحركة الإسلامية في حكومة السليمانية مع الوطني، وتتلقيان دعماً مالياً منه،

وتعتبر الجماعة الإسلامية أن علاقاتها مع الاتحاد الوطني تمثل مكسباً للإسلاميين..

وأيضاً الموقف من إيران؛ فكل من الجماعتين الأخيرتين لهما علاقات وثيقة مع

الإيرانيين كما سيتبين لاحقاً.

أما فيما يتعلق بالاتحاد الإسلامي فهو ينأى بنفسه منذ البداية عن هذه

المشكلات، حيث يشارك في حكومة الحزب الديمقراطي في أربيل بوزير للعدل،

ويعتبر أن التيار الجهادي بهذه الصورة يمثل معوقاً للعمل الإسلامي، لكنه سبق أن

نسق لمرة واحدة مع الحركة الإسلامية في المجال السياسي؛ حيث تشاركت

الحركتان في قائمة واحدة في انتخابات عام ١٩٩٢م، وكان زعيم الحركة الإسلامية

على رأس القائمة.

* العلاقات مع إيران:

هناك مبدأ سياسي كردي يقول إن الأحزاب الكردية مضطرة لتقديم ولائها

للدولة التي تقيم قرب حدودها، وهي مقولة صحيحة إلى حد كبير؛ فالحزب

الديمقراطي يوالي تركيا التي يحتشد عند حدودها الجنوبية، ولا يبالي بإيران البعيدة

عنه، وكذلك الاتحاد الوطني يوالي إيران، ولا يبالي بالأتراك، ولم تسلم

الجماعات الإسلامية من ذلك كثيراً، ولكن باعتبار مخالف؛ فإيران هي الدولة

المجاورة الوحيدة التي يمكن أن تقدم مساعدات مشروطة طبعاً لهذه الحركات، وهي

التي يمكن أن تستخدم أراضيها للسفر إلى الخارج، إلا أن التباين العقدي مع النظام

الإيراني كان يمثل عقبة اضطرت أغلب الأحزاب لتجاوزها، ووصل الأمر إلى حد

الثناء على الحكومة الإيرانية، والاحتفال بذكرى الثورة الخمينية، كما فعلت

الجماعة الإسلامية بزعامة علي بابير.

ويمكن تحديد الأداء الإيراني في كردستان العراق في النقاط التالية:

أولاً: بداية نقول إن المصلحة الإيرانية للوجود في تلك المنطقة تكمن في

بعدين:

الأول أميركي: حيث توقن إيران تماماً أن المخابرات الأميركية تسرح

وتمرح فيها كيفما تشاء، يعني على مرمى حجر من حدودها، ولأن قدرة الإيرانيين

على السيطرة على حزب علماني مثل الاتحاد الوطني في مقابل إغراءات أميركية،

تبقى محدودة، فإن المجال الوحيد يبقى محصوراً في الجماعات الإسلامية التي

تبحث عن أي داعم لها.

أما البعد الثاني، فيعبر عن مصالح حدودية وداخلية؛ حيث يحسب الإيرانيون

لقيام نظام عراقي جديد في بغداد في حال أسقط نظام صدام حسين، وهو ما يعني

أهمية المسارعة في تثبيت أقدام مخابراتية قوية في المنطقة، وتأمين الحدود، ومن

ناحية أخرى، فإن طهران تحتاج إلى دعم كردي عراقي لكي تقمع النشاط الكردي

على أراضيها.

ثانياً: تستغل حكومة طهران الضغوط والحصار المفروض على الجماعات

الإسلامية في تقديم مساعدات مشروطة، تشمل دعماً مالياً سرياً بطبيعة الحال،

ومع تزايد الحصار المالي في ما يتعلق بجمع التبرعات، وتمويل العمل الإسلامي

بعد أحداث سبتمبر؛ فإن العون الإيراني يكتسب أهمية استراتيجية لدى من يقبله.

ثالثاً: تتدخل إيران عن طريق الوساطة بين الاتحاد الوطني والأحزاب

الإسلامية المختلفة؛ فقد سبق أن عقد اتفاق سلام بين حركة الوحدة تفككت والوطني

في طهران، كما تمارس إيران ضغوطاً للتأثير على أداء تلك الحركات؛ حيث

أجبرت الحركة الإسلامية على الانسحاب من حكومة الحزب الديمقراطي في أربيل

بعد أن شاركت فيها.

رابعاً: تستخدم الأراضي الإيرانية من قِبَل كل الحركات الإسلامية في السفر

إلى الخارج، أو كمهرب قريب وآمن، فقد اضطر الملا عثمان أول زعيم للحركة

الإسلامية إلى الانتقال إلى إيران أثناء الحكم البعثي في أواخر الثمانينيات، بعد

مأساة حلبجة، كما تكرر ذلك أيضاً بعد القتال الشديد مع الاتحاد الوطني في النصف

الأخير من العام الماضي بعد تفكك حركة الوحدة.

ويبقى أن نحدد طبيعة العلاقة بين أنصار الإسلام وإيران: فأولاً حسب

الاتهامات الموجهة من أطراف عديدة؛ فإن أنصار الإسلام جماعة أنشأتها إيران

نفسها لكي تثير القلاقل في المنطقة، وتستطيع السيطرة من خلالها، وقد تبنى هذا

الاتهام الحزب الديمقراطي، وأعلنه عدي بن صدام الذي أكد أن «اللعبة كلها

إيرانية صرفة» ، وواضح أنها اتهامات جزافية لا تستند إلى أي أدلة حقيقية،

ولكن يبقى بعد ذلك أن هناك غموضاً في حقيقة هذه العلاقة؛ فمن الناحية العلنية

تعتبر أنصار الإسلام أن إيران دولة مؤسسة على نظام عقدي مخالف لأهل السنة

والجماعة، ويشتد نكيرها على من يتحالف معها، أو يمدح نظامها، كما حدث مع

الجماعة الإسلامية بعدما ألقى أميرها الشيخ علي بابير كلمة أثنى وترحم فيها على

الخميني، وقد ردت الجماعة الإسلامية على الأنصار ببيان قالت فيه إن «جميع

الأطراف في كردستان تنتفع من علاقتها مع إيران، ومن ضمنها جماعة أنصار

الإسلام التي يستخدم بعض أعضائها أراضيها للسفر والتنقل إلى الدول الأخرى،

فلماذا يوجه اللوم لها وحدها؟» ، وكان الملا كريكار قد اعتقل في مطار أمستردام

في هولندا قبل أيام إثر عودته من إيران في طريقه إلى النرويج، وهو ما يطرح

تساؤلاً: لماذا تسمح حكومة طهران لقادة الأنصار باستخدام أراضيها للسفر، وهي

تعلم موقفهم العقدي المعلن منهم، وممن يمدح نظامهم؟ ولا يشترط أن تحمل

الإجابة عن التساؤل اتهاماً أو سوء ظن، لكن على الأقل فإن إيران تنجح كثيراً في

استغلال الظروف لاختراق العمل الإسلامي، ولا نقول الجماعات الإسلامية فهناك

فرق بين الحالتين في غيبة تامة عن أهل السنة.

* القاعدة والأنصار:

يتوقع كثيرون أن يطالعوا في هذه الفقرة نفياً قاطعاً لأي علاقة بين أنصار

الإسلام الكردية والقاعدة؛ ولكن من يدعي ذلك فلا بد أن يجافي المنطق والمعقول،

وليس معنى ذلك بالضرورة أن هناك علاقة أكيدة بين الطرفين، وهذه ليست أحجية،

لكننا ينبغي أن نحاول تغيير منهجنا في تلقي الأحداث والتعامل معها، وقبل أشهر

كان المتعاطفون مع القاعدة يستنكرون إقدام أميركا على اتهامها دون دليل بتنفيذ

هجمات سبتمبر، ثم لما أعلنت القاعدة معرفتها أو مسؤوليتها تحول النكير لديهم إلى

افتخار.

أما بالنسبة للأميركيين فإن منهجهم معروف منذ تلك الهجمات، وقد عبر عنه

بعض الكتاب الغربيين بدقة حين قال: «أصبحت قاعدة: من المحتمل جداً.. ذات

تأثير بالغ عند الحديث عن أي موضوع له علاقة بالقاعدة من قريب أو بعيد» ،

وهذا يعني أن الحقيقة فيما يتعلق بهذه القضية لن تستنبط من أدلة وحقائق واضحة،

إنما من معطيات ومعلومات غير مباشرة، ويمكن تلخيصها في النقاط التالية:

أولاً: كما ذكرنا في العدد السابق فإن اتهام أنصار الإسلام بتلقي الدعم

والتمويل والخطط أيضاً من العراق وإيران والقاعدة، وربما من أطراف أخرى

يوحي بهراء هذه الاتهامات كلها، وخاصة أن الجماعة لم تحقق انتصاراً على

الاتحاد الوطني يتجاوز قدرة عالية على استخدام أسلوب قريب من حرب العصابات

الذي يوقع خسائر في الطرف المقابل دون تحقيق تقدم واضح على الأرض، ولو

كانت تتلقى بالفعل مثل هذا التمويل الثلاثي لكان الأمر مغايراً ولا شك.

ثانياً: العلاقات بين المنتمين أو المشتركين في العمل الجهادي خاصة،

والعمل الإسلامي عامة، خارج نطاق الدول المستقرة عربياً وإسلامياً، هي علاقات

متداخلة ومتشابكة إلى حد كبير، بما يعني أن وجود صلة ما بين أشخاص أو

مؤسسات أو هيئات، لا يعني بالضرورة أن يكون ثمة تعاون وتشارك بينهم في

أعمال معينة، ويتعاظم الأمر عند الحديث عن ظاهرة مثل الجهاد في أفغانستان،

والتي استوعبت لفترات طويلة، عشرات الآلاف من الإسلاميين الذين بقي منهم من

بقي، وعاد منهم من عاد، ومن بقي ربما لم يثبت في مكانه، بل انتقل للجهاد في

أماكن أخرى، وببساطة يمكن القول إن من اصطلح على تسميتهم بالأفغان العرب

أو غير العرب من الطبيعي أن يوجدوا في أي دولة إسلامية، ومجرد ذلك لا يعني

أنهم لا يزالون على علاقة بالقاعدة، ويتلقون منها التمويل.

ثالثاً: أغلب من يتهمون الأنصار أنهم على علاقة بالقاعدة يصرون على

ثلاثية: (الأنصار، وصدام، وبن لادن) ، وهذا الإصرار العجيب يحمل في

طياته براهين الكذب نتيجة التباين الشديد بينهم، وربما لو اقتصر هؤلاء على

وجود علاقة بين صدام والأنصار فقط لكان الأمر أقل غرابة.

رابعاً: صرح محمد حسن محمد مسؤول العلاقات في الأنصار رداً على هذه

الاتهامات بالقول إنه سيرحب بكل من يرغب في زيارة المنطقة للتحقق من هذا

الادعاء، لكنه قال إن هناك عراقيين عرباً من أنحاء مختلفة لجؤوا إلى مناطق

الجماعة كمسلمين يتعرضون لمضايقات الحكومة المركزية في بغداد.

ختاماً: يبقى أن نقول إن العمل الإسلامي بجميع مجالاته: الجهادية

والسياسية والدعوية، بات يحتاج إلى مراجعة بعد عقود طويلة من العمل، لن نقول

إنها كانت عقيمة، ولكنها لم تثمر ما كان يرجى منها، وفي ظل العولمة الإجبارية

التي يعيشها المسلمون عامة، والإسلاميون خاصة، ينبغي التنبه إلى أن جماعة

صغيرة في أقصى المشرق يمكن أن يؤثر أداؤها على جماعات في أقصى المغرب،

وأنه لا يمكن بحال أن نتخيل نصراً في هذه الحقبة المقبلة، والجماعات الإسلامية

على هذه الحال البائسة من التشرذم، كما أن علامات النصر نفسها التي وضعها من

قبلُ إسلاميون في المجالات الثلاث تحتاج بدورها إلى إعادة تأمل، وربما أمكن

تناول هذه القضية في مرات قادمة.. والله المستعان.