للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

المسلمون والعالم

نتائج الانتخابات التركية..

تفاؤل دون حد الإغراق

أمير سعيد

على أعتاب رمضان وبقيادة رجب أردوغان كان للمسلمين موعد مع النصر

في الجمهورية التركية، عندما فاز حزب العدالة والتنمية الإسلامي بأكثرية مقاعد

البرلمان التركي بحصوله على ٣٦٣ مقعداً من أصل ٥٥٠ مقعداً، متقاسماً بذلك

مقاعد البرلمان مع حزب الشعب اليساري الأتاتوركي الذي حاز المقاعد المتبقية،

وذلك في الانتخابات البرلمانية والبلدية التركية التي جرت يوم ٣/١١/٢٠٠٢م،

وصوت فيها أكثر من ٢٧ مليون تركي لصالح الخيار الإسلامي.

قبل ما ينيف على عام تشكل حزب (العدالة والتنمية) بقيادة رجب الطيب

أردوغان (٤٨ عاماً) ، إثر حل محكمة تركية لحزب (الفضيلة) الإسلامي الذي

انشطر إثر حله إلى حزبين:

- حزب (السعادة) بزعامة رجائي قوطان النائب السابق للزعيم الإسلامي

الشهير لحزب (الرفاه) المحظور نجم الدين أربكان، والذي يحظى بدعمه، ويمثل

التقليديين في الرفاه.

- وحزب (العدالة والتنمية) بزعامة الشاب أردوغان الذي يمثل جيل

الشباب الإصلاحي الذي يميل إلى التدرج في التغيير؛ مستفيداً من تجربة الرفاه

المؤلمة.

في هذا الوقت الذي تزامن مع أحداث ١١ سبتمبر الصاعقة؛ كان عدد كبير

من المتابعين للحركات والتنظيمات والأحزاب الإسلامية يرون أن المرحلة القادمة

هي مرحلة انكماش وكمون صفوف التيار الإسلامي ونشطائه، وتدني سقوف

طموحات قياداته.

بيد أن الواقع كان مغايراً لجميع التكهنات، فبعد أكثر من عام فاز الإسلاميون

الذين ينتمون إلى كل من جماعة (الإخوان المسلمين) و (التيار السلفي)

البحريني بأكثر من ثلث مقاعد برلمان البحرين الجديد البالغ عدد مقاعده ٤٠ مقعداً؛

ليشكلوا معاً أكبر كتلة في البرلمان البحريني، وفي السابع والعشرين من سبتمبر

الماضي تمكن إسلاميون ينتمون إلى حزب (العدالة والتنمية) المغربي من الفوز

بـ ٤٢ مقعداً من أصل ٣٢٥ مقعداً، علماً بأن الحزب لم يخض الانتخابات سوى

في ٥٥ من أصل ٩١ دائرة (لئلا يصبح الحزب الأول) بحسب أمينه العام ليتجنب

الإطاحة به، كما أن الجماعة ذات الشعبية وهي: (التوحيد والإصلاح) والتي

تعتبر امتداداً لجماعة (العدل والإحسان) تقاطع الانتخابات منذ أمد بعيد لعدم

جدواها بنظرها.

وللمفارقة؛ فإن حزب (العدالة والتنمية) التركي قد حقق نجاحات مبهرة هو

أيضاً على الساحة السياسية التركية.

ومغايرة هذا الواقع لتحليلات المراقبين مرده - في أحد وجوهه - إلى أن

العاصفة الإمبريالية الأمريكية الجديدة قد نفضت الغبار - دونما قصد منها - عن

الهوية والعاطفة الإسلامية لدى شعوب المنطقة؛ مما جعل المندرس منها يظهر

ويتألق. غير أن هذا لم يكن السبب الأوحد وراء هذا الانتصار المبهر للعدالة

والتنمية؛ فثمة أسباب متعددة لذلك نستطيع الوقوف على معظمها لدى إجابتنا عن

هذا السؤال:

* لماذا فاز حزب العدالة والتنمية؟

تضافرت عدة عوامل داخلية وخارجية لتحقيق حزب (العدالة والتنمية) لهذه

النتيجة (٦٦% من عدد مقاعد البرلمان) ، لعل أطرفها هو القانون الانتخابي نفسه،

هذا القانون الذي لم ينصف الإسلاميين في أي بقعة من العالم، والذي كثيراً ما تم

تفصيله للحؤول دون تحقيق الإسلاميين لانتصار بحجمهم الحقيقي، هذا القانون هذه

المرة هو الذي خدم (العدالة والتنمية) ، فعلى الرغم من عدم حصول الحزب سوى

على ٣٤% من مجموع الأصوات الانتخابية فإنه تمكن من الإفادة من إخفاق ١٦

حزباً في الحصول على نسبة ١٠% فما فوق التي تؤهلها لدخول البرلمان في حصد

مقاعدهم باعتبار حزب (العدالة والتنمية) هو «الحزب الأول» ؛ ليصل مجموع

مقاعده في البرلمان كما تقدم إلى ٣٦٣ مقعداً، وهي بالمناسبة أقل بأربع مقاعد فقط

من النسبة التي تمكنه من تعديل أو تغيير الدستور (الأتاتوركي) (٣٦٧ مقعداً هم

عدد المقاعد اللازمة لذلك) .

ومن عجائب القدر أن الانشقاق الذي حدث داخل حزب (الفضيلة) قد حسبه

علمانيو تركيا موهناً بدرجة كبيرة لهدف الإسلاميين في تحقيق انتصار يلامس

انتصار حزب (الرفاه) بقيادة نجم الدين أربكان في عام ١٩٩٥م؛ حيث حقق

يومها (الرفاه) ما نسبته ٢١.٣٦% من مقاعد البرلمان، لكن الإسلاميين أظهروا

حنكة عظيمة عندما صوتت قواعدهم للحزب الأوفر حظاً؛ فلم يحدث أي تشتيت

لأصوات الإسلاميين، وربما تم ذلك بإيعاز من المخضرم أربكان الذي أدرك أن

قوطان زعيم (السعادة) الإسلامي لن يتمكن من استقطاب أصوات المؤيدين للتيار

الإصلاحي التجديدي، ومن ثم فمن الحكمة منع تشتيت أصوات المؤيدين للتيار

الإسلامي.

وهذا الظن العلماني لم يكن في محله، فما حسبوه لم يكن صحيحاً بدرجة

كبيرة؛ إذ وحّد الإسلاميون صفوفهم خلف أردوغان، وبذلك انطوى انتصاره على

نوع من المفاجأة لهم لم تكن متوقعة على هذا النحو.

* أسباب أخرى للفوز:

ولا شك أن هذين العاملين أعني القانون الانتخابي وترصيص صفوف

الإسلاميين خلف القائد الأوفر حظاً قد أسهما بصورة أو بأخرى في فوز الإسلاميين

بهذه النسبة العالية، إلا أن الأسباب الحقيقية لانتصار (العدالة والتنمية) والأكثر

وضوحاً تكمن في:

- شخصية رجب الطيب أردوغان زعيم الحزب الآسرة: يعزو كثير من

المحللين الأتراك قوة حزب (العدالة والتنمية) في جانب منها إلى قوة شخصية

زعيمه واستحواذها على قلوب الناس، ويذهب بعضهم إلى أبعد من ذلك بالقول إن

الناخبين صوتوا لأردوغان قبل أن يصوتوا للعدالة والتنمية، فالرجل الذي ولد في

عام ١٩٥٤م، ومارس رياضة كرة القدم لمدة ١٦ عاماً، واشتغل بالتجارة بدءاً من

بيع (السميط) والحلوى في مدرجات ملاعب كرة القدم، وتخرج من ثانوية الأئمة

والخطباء، وكلية علوم الاقتصاد والتجارة بجامعة مرمرة؛ هذا الرجل بدأ نشاطه

السياسي بتولي منصب رئيس حزب (السلامة الوطني) بزعامة نجم الدين أربكان

في إسطنبول وعمره ٢٢ عاماً، ثم تولى نفس المنصب لحزب (الرفاه) في عام

١٩٨٥م وعمره آنذاك ثلاثون عاماً.

والرجل أسر قلوب الملايين من سكان إسطنبول بحبه يوم تولى منصب عمدة

إسطنبول عام ١٩٩٤م ولمدة أربع سنوات؛ إذ تمكن في زمن قصير من تحويل

ديون بلدية إسطنبول التي بلغت وقتها نحو ملياري دولار للبنوك إلى أرباح؛ محققاً

قيمة استثمارات تلامس سقف الـ ١٢ مليار دولار.

وسن أردوغان توزيع الإعانات المادية والعينية على الفقراء من الأهالي في

شهر رمضان، وساهم بنفسه في توزيعها ومراقبة توزيعها، وساهم أردوغان بشكل

فعال في حل مشكلة المياه المزمنة في منازل وأحياء إسطنبول، ونجح في توفير

أماكن كثيرة لبيع مياه الشرب بأسعار زهيدة في أحياء إسطنبول، ونجح كذلك في

ضخ المياه إلى كافة منازل المدينة.

ولم يستنكف الزعيم الكبير أن يلبس ملابس عمال البلدية، ويشاركهم أعمالهم

تشجيعاً لهم على المضي قدماً في مشروعه الطموح لنظافة المدينة، وتبنى مشروع

زرع مليون شجرة بأنحاء المدينة مما أسهم بدوره في تحويل إسطنبول لمدينة جميلة

تحوي متنفسات خضراء ومتنزهات متنوعة.

وقد سر كل مسلم وقتها أن الرجل إذ لم يتمكن من حظر بيوت الدعارة بشكل

قاطع في إسطنبول بسبب قوة القوانين العلمانية الجائرة وبطش العسكر؛ فإنه التف

على ذلك على نحو لا يخلو من ذكاء؛ حيث فتح العديد من مشاغل الحياكة ودور

التوبة التي استوعبت أعداداً كبيرة ممن يردن التوبة من عاهرات دور الدعارة

(القانونية) !

كل هذا جعل الرجل يأسر قلوب الناس ليس في إسطنبول وحدها وإنما في كل

ربوع تركيا المسلمة، وهو ما جعل قلوب العلمانيين المتحجرة تنفطر من الحنق

والغيظ عليه، فتربصوا به الدوائر، وما أن ألقى الرجل أثناء توليه منصبه في

إسطنبول أبياتاً من الشعر في مدينة (سعرت) التركية للشاعر محمد عاكف يقول

فيها: (المآذن حرابنا، والقباب خوذنا، والمساجد حصوننا، والمصلون جنودنا)

حتى أطلق عتاة العلمانية عقيرتهم مطالبين بمحاكمته، وهو ما تحقق على أيدي

قضاة الزور الذين قضوا عليه بعد محاكمة جائرة بالحبس لمدة عشرة أشهر بسبب

قراءة هذه الأبيات يتم ذلك في ظل الديمقراطية التركية العرجاء.

بيد أن الله أراد أن يبور كيد العلمانيين، وأن يأتيهم من حيث لا يحتسبون؛ إذ

أسهم سجن الرجل كثيراً في مضاعفة شعبيته، وكان يوم توديع الجماهير الغفيرة

التي احتشدت بعشرات الآلاف أمام منزله المتواضع، بحي البرهانية بإسطنبول،

إلى السجن يوماً عظيماً بلا شك، فالرجل قد صلى الجمعة بمسجد محمد الفاتح يوم

وقفة عرفات، ثم توجه ومن خلفه آلاف السيارات وعشرات الآلاف من المسلمين

الأتراك إلى السجن تتحشرج هذه الكلمات وهي تخرج من أفواههم: (لتقطع الأيدي

الممتدة لطيب، المآذن حرابنا، والقباب خوذنا..) ، وبكلمات حانية التفت

أردوغان إلى الموكب الباكي الذي يضم أكثر من ١٥٠٠ سيارة، ويمتد لأكثر من

٥.٢ كيلو متراً قائلاً: (أستودعكم الله، هذه الأنشودة لن تنتهي هنا..، سأعمل

بجد داخل السجن، وأنتم اعملوا خارجه كل ما تستطيعونه..) ، ودخل الرجل

السجن وقضى فيه شهوراً أربعة، وعاد أكثر طموحاً وأكثر تصميماً، وعادت إليه

الجماهير أكثر لهفة واقتناعاً ببرنامجه الذي رأوه يضحي من أجله، وتزايدت

شعبيته إلى حد كبير، وتوقع الناس أن يصبح أردوغان رئيس حكومتهم الجديد،

وكان ذلك محتملاً جداً لو لم تكن هذه (السابقة) قد حالت دون دخوله البرلمان،

ومن ثم تولي رئاسة الوزراء (إلا أن يتم تعديل الدستور، وهو أمر غير واضح

حتى الآن) .

- الأزمة الاقتصادية الطاحنة التي أخفقت جميع الحكومات العلمانية الائتلافية

في حلها، بل ساهمت برعونتها في تفاقمها، فقد بلغت ديون تركيا أكثر من ٢٠٠

مليار دولار، وتجاوزت نسبة البطالة حد الـ ٢٠%، ولأن حزب (الرفاه) قد

نجح إلى حد كبير في تقليص العجز في ميزان المدفوعات التركي إبان حكمه،

ولأن أردوغان نفسه قد نجح اقتصادياً في إسطنبول؛ فإن أكثر من مليوني عاطل

عن العمل ورثتهم حكومة بولنت أجاويد وحدها، وغيرهم من المتضررين من

حماقة الحكومات السابقة يعولون كثيراً على حكومة (الإسلاميين الإصلاحيين

الديمقراطيين) ، لا سيما أن التيار الإصلاحي الإسلامي لم تصبه لوثة الفساد التي

أصابت معظم أطياف العمل السياسي والاقتصادي التركي، فلقد اختار أردوغان

أعضاء حزبه من الوجوه المعروفة بنظافة اليد، والابتعاد عن مواطن الفساد المالي

والخلقي.

- رغبة ملايين الأسر المسلمة في حل مشكلة الحجاب المزمنة في تركيا؛ إذ

تعد هذه القضية من الإشكاليات المهمة جداً التي يحرص العلمانيون على استمرارها

بإدمانهم إصدار القوانين المتوالية للحؤول دون عودة المرأة المسلمة لدينها وحجابها،

ولإدراكهم العميق أن هذه هي الطريقة الناجحة لتغييب هوية المسلمين والمسلمات

عبر تغريب الأسرة المسلمة التي تلعب الأم فيها الدور الأعظم في تنشئة الأجيال

المسلمة وتربيتها، فتراها لا تمل من إصدار القوانين المانعة للحجاب الشرعي بدءاً

من قانون (القيافة) عام ١٩٣٤م الذي أصدره الهالك مصطفى كمال، إلى قانون

منع الحجاب في الجامعات التركية الذي أصدره الحكم العسكري عام ١٩٨١م، وهو

ما حاول تورجوت أوزال رئيس الوزراء قبل ترؤسه الدولة في عام ١٩٨٣م أن

يمنعه، ثم أبطلته المحكمة الدستورية بعد ذلك، غير أنه لا زال يجري تطبيقه إلى

الآن؛ مما يضطر الآلاف من الطالبات المسلمات التركيات العفيفات للسفر إلى

آذربيجان والمجر والنمسا لاستئناف دراستهن الجامعية؛ برغم سعي الحكم

العلماني لرفض اعتماد شهاداتهن الجامعية! .. وانتهاءً بقضية النائبة البرلمانية

التركية المحجبة مروة قاوقجي عضوة حزب الرفاه المحظور، والتي حاول مجلس

الأمن القومي التركي أن يبطل عضويتها البرلمانية استناداً إلى قانون (القيافة) ،

لكنه أخفق أولاً بسبب كون مروة ليست من «موظفي الدولة» وإنما من «ممثلي

الشعب» ، ثم نجح بعد ذلك في إبطال عضويتها استناداً إلى جنسيتها الأمريكية!!

والجميع يدرك أن حزب (العدالة والتنمية) يضع هذه القضية في صدر

أولوياته في الحكم؛ فمعلوم أن رئيس الحزب ذاته قد اكتوى بنار منع الحجاب،

فلديه ابنتان درستا في الولايات المتحدة الأمريكية لتتمكنا من الاحتفاظ بحجابيهما!

وقد أعلن أردوغان فور انتصاره أن حزبه سيقترح إلغاء قرار منع ارتداء

الحجاب، مؤكداً «في هذا البلد الذي ألغى عقوبة الإعدام سيكون من المؤسف أن

نكون عاجزين عن إلغاء قرار يقيد حق التعليم، وهي مسألة تتعلق بالإيمان» .

- تطلع الأتراك إلى الانضمام للاتحاد الأوروبي، فذاك حلم يراود الكثيرين

من أبناء الشعب التركي الذي نهب الفساد أمواله، ويريد أن يلحق بركب اقتصادي

مستقر، وحزب العدالة يعطي هذا الأمر أولوية كبيرة، وهو رفعه شعاراً له في

حملته الانتخابية، وبرغم أن هذه رؤية تثير تحفظات كبيرة لدى الإسلاميين، إلا

أن الحزب يحاول أن يوازن بين طموحاته وإمكاناته بنوع من الواقعية التي تضع

في اعتبارها انقلاب العسكر على رئيس الوزراء الإسلامي الأسبق نجم الدين أربكان

لدى تطلعه إلى شراكة «إسلامية» ؛ من خلال مشروعه في تنفيذ حلمه الاقتصادي

الطموح لما عرف باسم «دول الثماني الإسلامية» .

وإذا جاز لنا أن لا نأخذ الأمور بظواهرها، فربما قلنا إن أردوغان يريد أن

يضع العربة أمام الحصان الأوروبي، فقد يكون الرجل أراد أن يأتي رفض انضمام

تركيا إلى الاتحاد الأوروبي من الأوروبيين أنفسهم، أو أن تنجح حكومة

«إسلامية» فيما لم تفلح فيه الحكومات العلمانية..!

- رفض الأتراك لأن يعاملهم العسكر كفئران تجارب، تتبدل عليهم الحكومات

من أقصى اليمين إلى أقصى اليسار، وتطبق عليهم جميع النظريات المختلفة للحكم

من دون أن يؤدي ذلك إلى حلحلة معضلاتهم الاقتصادية والسياسية والاجتماعية،

وتطلعهم إلى الخروج من حالة التصادم مع فطرتهم الإسلامية التي مهما شرقت بهم

الأحزاب أو غربت، فإنها أبداً لن تستطيع أن تقتلعها من نفوسهم.

- نجاح الحزب في تطبيق مبادئه التحررية على الداخل الحزبي أولاً، وتلك

من أهم عوامل النجاح، فتوافر الشفافية الداخلية، وحرية النقد والتقويم زادت من

رصيد الحزب داخلياً وخارجياً، ولا سيما وهو يؤكد على لسان قادته غير مرة أنه

يرفض التعصب لزعيم واحد حتى النهاية، ولعل هذا مما لا تلتفت إليه بعض

التيارات الإسلامية حين تريد أن يحدث الإصلاح في الخارج وحسب.

* أصداء هذا الفوز الكاسح:

كان لتحقيق حزب (العدالة والتنمية) الإسلامي الأغلبية المطلقة في البرلمان

أصداء واسعة النطاق على المستويات الإقليمية والدولية والشعبية.

فعلى الصعيد الأوروبي: استقبلت الدول الأوروبية ذلك برد فعل يتراوح بين

التخوف والترقب عبرت عنه كبريات الصحف الأوروبية بما يلي:

فقد أكدت صحيفة لوموند الفرنسية (اليسار - الوسط) على التحدي الكبير

الذي يشكله فوز حزب (العدالة والتنمية) بالنسبة للاتحاد الأوروبي، وشددت على

أنه تقع على عاتق الحزب الإسلامي مسؤولية إظهار توافق الإسلام مع

الديموقراطية.

ورأى كاتب الافتتاحية في الصحيفة نفسها أن الرهان كبير بالنسبة للقيادة

العسكرية التركية التي سيكون عليها السماح لزعيم حزب (العدالة والتنمية) رجب

الطيب أردوغان بالحكم، مؤكدة في الوقت نفسه أن غالبية الأحزاب التقليدية

استبعدت عن الساحة السياسية التركية.

وأضافت لوموند أنه إذا عرف حزب (العدالة والتنمية) كيفية التكييف بين

الإسلام والحداثة؛ فإن ذلك سيشكل درساً للعالم العربي!!

ومن جهتها اعتبرت صحيفة ليبراسيون اليسارية الفرنسية أن تركيا ستصبح

مختبر «ديمقراطية إسلامية» ، وميداناً يشهد مبارزة شديدة المخاطر بين إسلاميين

أقوى أكثر من أي وقت مضى، والجيش حامي الدولة الجمهورية والعلمانية (لاحظ

نبرة التحريض) .

وخلصت ليبراسيون إلى القول بأنه على الأوروبيين التذكير (للطرفين) بأن

الديمقراطية والتسامح هما الشرطان اللازمان لانضمامهم المحتمل (الأتراك) إلى

الاتحاد الأوروبي.

وفي ألمانيا حيث يعيش أكثر من ٢.٥ مليون تركي كتبت صحيفة فايننشال

تايمز دوتشلاند الليبرالية أنه يصعب على أوروبا التصديق بأنه يمكن التوفيق بين

الديمقراطية والإسلام. لكن على الاتحاد الأوروبي الأخذ بإعلان المبادئ المؤيد

للديمقراطية، والاستمرار في الحكم على تركيا من خلال تطبيق إصلاحاتها

القضائية والاقتصادية، وليس من خلال المعتقد الديني لمسؤوليها.

واعتبرت صحيفة فرانكفورتر راندشو اليسارية أنه إذا كانت جذور حزب

(العدالة والتنمية) غارقة في الإسلام السياسي ( ... ) فسنرى قريباً إذا ما كان أبدى

ليونة فقط خلال الانتخابات؛ لخداع الأتراك والوصول إلى السلطة، أو إذا كان

بوسعنا فعلاً تصديقه.

وكتبت الصحيفة أنه في مطلق الأحوال؛ فإن الناخبين الأتراك لم يعطوهم

بالتأكيد تفويضاً لإقامة حكومة إسلامية ( ... ) إن الجيش التركي حامي النظام

الدستوري العلماني وسيسهر على ذلك.

من جانبها اعتبرت صحيفة دي برس النمساوية أن تركيا قد تكون وجدت،

بعد سنوات من النضال، نموذجاً يوفق بين إرث كمال أتاتورك (مؤسس

الجمهورية العلمانية) وتقليدها الإسلامي. فيما طالبت صحيفة كورييرا ديلا سيرا

الإيطالية الواسعة الانتشار (وسط - يمين) بأدلة وأدلة إضافية من أجل الوصول

إلى تجاوب الاتحاد الأوروبي مع طموحات تركيا.

وتحت عنوان (نحو إسلام يتوافق مع أوروبا) أكدت صحيفة لوتان

السويسرية (وسط - يمين) أيضاً على التحدي الذي يواجهه الاتحاد الأوروبي،

وكتبت أنه سيكون على الدول الأعضاء الـ ١٥ التي كانت تخشى هذا الفوز

«الإسلامي» في أنقرة من الآن وصاعداً إدخالهم في نقاشاتها حول كيفية جعل

تركيا أوروبية.

وكتبت الصحيفة السويسرية بالنسبة لأوروبا؛ التحدي يكمن في الوصول

أخيراً إلى الاعتراف ببعدها المسلم، وهو ما عجزت عنه فعلياً في البلقان، من

البوسنة إلى ألبانيا.

أما صحيفة لاستامبا الإيطالية (وسط - يمين) فكانت أكثر تشاؤماً؛ معتبرة

أن المخططات الأميركية لشن حرب ضد العراق ستتعقد، وأن انضمام تركيا إلى

الاتحاد الأوروبي سيتباعد أكثر، وأن الاستقرار المحلي والإقليمي سيترنح. من

جهتها دعت صحيفة لافانجارديا الإسبانية الاتحاد الأوروبي إلى أن يكون سخياً،

وأن يحرك بقناعة عملية انضمام تركيا، وأن يقضي بشكل نهائي على النزعة نحو

تحويل أوروبا إلى ناد مسيحي. واعتبر كاتب الافتتاحية في صحيفة لا ليبر بلجيك

البلجيكية أن الكثيرين يرون في ترشيح تركيا للانضمام إلى الاتحاد الأوروبي تهديداً،

إلا أن يفترض بدلاً من ذلك التساؤل: كيف يمكن أن نستفيد من ذلك؟

وفي بولندا أكدت صحيفة ريشبوسبوليتا أنه على رئيس حزب (العدالة

والتنمية) طيب رجب أردوغان أن يثبت الآن أن تعبير «إسلامي» لا يعني

بالضرورة «خطراً» ؛ لا بالنسبة للأتراك ولا بالنسبة للغرب.

ويعتقد فولكر برتس مدير قسم الشرق الأوسط في «المعهد الألماني للدراسات

الدولية» ، أن المستقبل سيكون لصالح إسلام سياسي معتدل، وهو رأي ربما تؤكده

التطورات المتسارعة، والتي تشير إلى بدء بروز نخب إسلامية ليبرالية جديدة

تدعو إلى التصالح مع الغرب في الخارج، وإلى التصالح مع الديمقراطية في

الداخل.

وعلى الصعيد الأمريكي: رحبت الولايات المتحدة بنتائج الانتخابات

باعتبارها داعمة للنظام الديمقراطي في تركيا، غير أنه ليس من الطبيعي النظر إلى

الموقف الأمريكي بنوع من السطحية، فثمة رأي حصيف ردده أحد المحللين العرب

ألحق الترحيب الأمريكي بنظام شرق أوسطي جديد تريد الولايات المتحدة له أن

يكون تابعاً لها قلباً وقالباً؛ متدثراً برعاية الولايات المتحدة لترسيخ القيم الديمقراطية

الحرة، مما يجعل الأنظمة والشعوب الشرق أوسطية في ظل المنظومة الجديدة

مدينة للولايات المتحدة في رعايتها لـ (الانقلابات الديمقراطية) الجديدة التي

(بشر) بها كولين باول بإعلانه عن مشروع جديد للشرق الأوسط (تأجل الحديث

عنه بعدما كان مقرراً إماطة اللثام عنه أوائل نوفمبر الماضي) .

وقد عبرت عن ذلك بعض الصحف الأمريكية، فنقرأ في «واشنطن

بوست» : «برغم أن أردوغان قد يخفق في الداخل التركي، إلا أنه قد ينجح

في خلق نموذج لممارسة سياسية ديمقراطية يحتاجها بإلحاح العالم الإسلامي» .

وتقول «نيويورك تايمز» : «التجربة التركية الإسلامية الجديدة قد تُثبِتُ

للعالم الإسلامي، وللعالم أيضاً، أن العلمانية يمكن أن تكون حقاً ليبرالية، وأن

الديمقراطية يمكن أن تترعرع في بيئة إسلامية» .

وتُقرّ «لوس أنجليس تايمز» : «هذه المرة الأولى التي تبرز فيها فرصة

زواج بين الإسلام والديمقراطية الليبرالية» .

وعلى الصعيد العسكري: عبر الجيش التركي على لسان رئيس أركانه حلمي

أوزكاك عن احترامه لإرادة الناخبين؛ بيد أن معظم المراقبين يتوقعون من العسكر

رقابة صارمة جداً تحول دون تنفيذ الإسلاميين لمعظم طموحاتهم؛ من دون تدخل

انقلابي مباشر قد يقضي على آمال تركيا في الانضمام للاتحاد الأوروبي.

ونعتبر أن الكرة قد ألقيت في ملعب العسكر الآن، بالنظر إلى المرونة العالية

التي يبديها الحزب الفائز حيال معظم القضايا محل الخلاف مع العسكر.

وعلى الصعيد الإسلامي: وأعني هنا الإسلاميين في العالم العربي خصوصاً:

استقبل معظم الإسلاميين فوز العدالة بنوع من الارتياح: لكن هذا الارتياح لا يعني

بالضرورة الرضا عن رؤية العدالة، ولذا كان طبيعياً أن ينقسم الرأي حول فوز

العدالة:

- ففريق رأى في منهجية العدالة نوعاً من التدرج المحمود في تنازلاته،

وأنها ضرورية لتحقيق مكاسب مهمة للمسلمين الأتراك، فالحزب لم يخض

الانتخابات ليقدم مشروعاً لتطبيق الشريعة في تركيا، بل ليحد من غلواء العلمانية،

وليترك لمن بعده بيئة صالحة للبناء عليها في إطار من تبني مشروع يطلق الحريات،

ويحافظ على حقوق الإنسان (المسلم) ، ويحد من مخاوف العسكر.. إلى غير

ذلك. وهذا الفريق يرى ضرورة التفريق بين بلد وآخر، فبلد يقذف بناته لدول

الشرق والغرب بدلاً من السماح لهن بوضع «غطاء للرأس» يحتاج لتدرج بطيء

يحقق مكتسبات مرحلية.

- وفريق تحفظ.

- وفريق ساءته تصريحات قادة العدالة ومنهجه؛ معتبراً أن كل مكتسبات

الدنيا لا تسوِّغ لحزب «إسلامي» أن يصم نفسه بأنه حزب «علماني» ، وقد

يرى أصحاب هذا الفريق أن العبرة ليست بوصول «أجساد» الإسلاميين إلى

البرلمان، وإنما العبرة بهيمنة «منهجهم الشرعي» عليه.

ولعل من نافلة القول التأكيد على أن كل فريق من هؤلاء تتوافر له من الحجج

ما يدعم رؤيته، لكن هذه الحجج لا تجعل «اجتهاده» بالضرورة أمراً توقيفياً لا

يجوز الحياد عنه.

* مستقبل الحزب وما سيواجه من تحديات:

يتوقع أن يحرص الحزب على التفرغ للقضايا الاقتصادية والاجتماعية

الداخلية، وأن يصب فيها جل مجهوداته؛ فمن المنتظر أن ينزع أردوغان إلى

إصدار قرارات وسن قوانين تطلق الحريات العامة، وتدعم الديمقراطية واحترام

حقوق الإنسان؛ متذرعاً بتحقيق شروط الاتحاد الأوروبي لانضمام تركيا إليه؛ بما

يعنيه ذلك من التحرك نحو حل قضية الحجاب، وإعادة الاعتبار للتعليم الديني،

وإطلاق أنشطة الجمعيات الأهلية الخيرية والاجتماعية (ودون ذلك عوائق كثيرة

بالطبع) .

وعلى الجانب الآخر يتوقع أن تحيل الحكومة الجديدة ملف العلاقات الخارجية

للعسكر منعاً للاصطدام معهم، ولا يبدو أن الإسلاميين سيكون بمقدورهم البت في

ملفات من ذوات الوزن الثقيل، كملف موقف تركيا من ضرب العراق، واستخدام

الولايات المتحدة لقاعدة «إنجيرليك» الجوية في قصف العراق؛ والذي اكتفى فيه

أردوغان بالتأكيد على «أننا خسرنا ٤٠ مليار دولار في حرب الخليج الثانية.. لا

نريد أن نرى الدم والدموع» .

وملف الشراكة بين تركيا والكيان الصهيوني الذي اقتصر فيه كلام أردوغان

على إدانة ممارسات شارون، فيما أراد نائبه عبد الله جول أن يؤكد لمواطنيه

مسؤولية العسكر وحدهم عن هذه العلاقة غير الشرعية؛ حين أجاب على سؤال

حول الملف قائلاً: «سنسأل العسكر» !!

وبرغم هذين الموقفين «المرنين جداً» من العدالة إلا أن الولايات المتحدة

والكيان الصهيوني لا زالا متخوفين من «إرباك خطط الولايات المتحدة في

العراق» ، و «الشراكة التركية (الإسرائيلية) » بحسب أوساط صحفية

صهيونية.

وملف الأكراد الذي يتوقع المراقبون الأتراك أن يقتصر دور الحكومة الجديدة

فيه على منح الأكراد بعض الحقوق الثقافية فقط.

ويبقى أخيراً التحدي الداخلي لحزب (العدالة والتنمية) الذي يجسده ازدواجية

القيادة الحزبية بين القائد الذي عبر بالحزب نحو النصر، والذي تمنعه الدولة من

تولي رئاسة الوزراء، وبين رئيس الحكومة الفعلي.

* الآثار المحتملة لهذه الانتخابات على المنطقة العربية:

يعتبر أثر الانتخابات التركية وحده على المنطقة العربية متوسط الحدة، لكن

إذا أضيف إليه الآثار المترتبة على كل من انتخابات المغرب والبحرين، فيمكن

اعتبار آثارهم جميعاً جد مؤثرة، فمن أهم آثارها أنها في حال نجاح تلك التجارب

ستعد نموذجاً لنوع من «التعايش» بين الأنظمة العلمانية والإسلاميين.

ومن بين آثارها إثارة مخاوف أكثر الأنظمة من أنها ستكون مكشوفة أمام

شعوبها في رفضها لآلية تداول السلطة، ولا سيما أن الولايات المتحدة تريد إحداث

تغييرات وممارسة ضغوط معينة من خلال تبنيها لها في المنطقة العربية خصوصاً.

غير أن الزلزال المنتظر المترتب على هذه النتائج، فهو لدى الإسلاميين

ذاتهم: فمن جهة يتوقع أن ترجح هذه الانتخابات ومثيلاتها في حال عدم الانقلاب

على نتائجها كفة الإسلاميين الداعين لها، وإلى تبني منهجية المشاركة السياسية في

الحكم، وآلية تداول السلطة عبر صناديق الانتخابات.

ومن جهة أخرى، فربما يساهم فوز التيار الإصلاحي «الشبابي» التجديدي

بـ ٣٤% من أصوات الناخبين الأتراك، في الوقت الذي لم يتمكن التيار الإسلامي

التقليدي الذي يمثله «الشيوخ (كبار السن) » سوى في تحقيق نسبة ٢.٥% فقط

من الأصوات، وهي ما لم تمكنه من دخول البرلمان التركي ربما يساهم ذلك في

توسيع الهوة بين تياري «الشباب» و «الشيوخ» في غير ما جماعة وتنظيم

وحزب إسلامي عربي، وربما يقوي ذلك حظوظ جيل الشباب في «التبشير»

بمنهج جديد أكثر واقعية وسياسية، ويطلق المزيد من «المراجعات» المنهجية

لتلك الجماعات.

نسأل الله أن يصلح شأن الشعب التركي العريق ليكون في نهضته والتزامه

قدوة لغيره.