للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

مقابلة

مع الشيخ الدكتور عبد العزيز القارئ

يسر مجلة البيان أن تلتقي بالدكتور عبد العزيز القارئ الأستاذ بقسم الدراسات

العليا في الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة، وقد التقى المحرر بفضيلة الدكتور

وطرح عليه بعض الأسئلة فأجاب عليها مشكوراً.

١ - نرجو أن تعطى القارئ فكرة عن مسيرتك العلمية، ومَن مِن العلماء كان

له الأثر الأكبر في حياتك العلمية.

ج: الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وبعد.

فأجيب على هذا السؤال من باب التعارف المستحسن بين المؤمنين، خاصة

أنه سيتضمن الجواب تعريفاً ببعض العلماء الذين أدركتهم، وإلا فإني أعلم قدر

نفسي وقلة بضاعتي، أسأل الله أن يغفر لي ما لا تعلمون، ويجعلني خيراً ما

تظنون.

أقول: أول ما بدأت في الصغر بقراءة القرآن وحفظه على والدي الشيخ عبد

الفتاح بن عبد الرحيم القارئ رحمه الله، وهو قرأ على شيخه أحمد بن حامد

التيجمي المصري الرِّيدي بمكة المكرمة، وإسناده متصل إلى النبي -صلى الله عليه

وسلم-، وقد ذكرت ذلك في مقدمة كتابي (قواعد التجويد على رواية حفص عن

عاصم بن أبي النجود) ، وحفظت (التحفة) للجمزوري، و (المقدمة) للجزري،

وهما منظومتان في التجويد، ثم قرأت عليه قسماً من متن (القدوري) في الفقه

الحنفي، وبعد وفاة والدي رحمه الله سنة ١٣٨٥ هـ تلقيت قراءة نافع بروايتي

ورش وقالون على تلميذ والدي الشيخ محمد الأمين بن أيدا عبد القادر الشنقيطي،

وذلك بمضمن نظم (الدرر اللوامع في مقرأ الإمام نافع) لابن برِّى الغرناطي.

أما الدراسة في المدارس الحكومية فبدأتها في المعهد العلمي بالرياض، ثم في

الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة من عام ١٣٨١هـ إلى ١٣٨٩ هـ وتخرجت في

كلية الشريعة بها، ثم حصلت على درجة (الماجستير) ثم (الدكتوراه) في فقه

السياسة الشرعية من جامعة الأزهر بمصر.

وأبرز من كان له أثر في نفسي أثناء الطلب بعد والدي رحمه الله، هو سماحة

الشيخ عبد العزيز بن باز، أمد الله في عمره وبارك فيه، فقد كان سماحته أثناء

رئاسته للجامعة الإسلامية بالمدينة أبَّا مربياً، وعالماً ومُوجِّهاً، فأثر بعلمه وعطفه

وتواضعه، وبمواقفه الصلبة في حماية منهج أهل السنة والجماعة، وبنصحه

للمسلمين رعاة ورعية، وجرأته في الحق، أثر بكل ذلك في نفوس أبنائه الطلاب،

وأنا واحد منهم إذ ذاك، ثم فضيلة الشيخ محمد الأمين الجَنكي الشنقيطي، مؤلف

(أضواء البيان) وقد حظيت مع غيري من زملائي بدراسة أبواب القياس من روضة

الناظر عليه رحمه الله، وبحضور حلقته في التفسير في شهر رمضان من كل عام

في المسجد النبوي الشريف، وكان رحمه الله بحراً في العلم، خاصة في علمي

الأصول، والتفسير، ثم فضيلة الشيخ محمد ناصر الدين الألباني كان له أثر بالغ

في لفت انتباه طلبة العلم لما دَرَّس بالمدينة النبوية إلى العناية بعلوم السنة النبوية،

والشيخ الألباني كما هو معروف يعد من أبرز علماء الحديث في عصرنا الحاضر

أسأل الله أن يمن عليه بالصحة والعافية.

ومن الأئمة المتقدمين كان تعلقي وتأثري أكثر بإمامين: أبي حنيفة، وابن

تيمية، فمنهجهما في الفقه والاستنباط وشموليتهما في التفكير وعمق فهمهما للإسلام

كان مثار إعجابي وتعلقي. وربما أكون أدق تعبيراً إذا قلت إن أكثرهما تأثيراً في

تكويني العلمي هو شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله، فإن هذا الإمام الحنبلي بجهاده

المتوقد، وفكره المجدد، وفقهه العميق، وشمولية فهمه للدين، ولقواعده ونصوصه

لا يملك طالب علم كامل القريحة أن يقاوم جاذبيته وقوة تأثيره، ولابد أن لعدد من

أئمة السلف تأثيرا في نفسي وفى عقلي عندما كنت أدرس مؤلفاتهم كالإمام الشافعي،

والشاطبي صاحب الموافقات، والاعتصام، وغيرهما، فطالب العلم في العادة

يستفيد من كل منهل صافٍ يرده، والمناهل الصافية لدى السلف ما أكثرها.

وقد كانت المدينة النبوية أثناء طلبي للعلم في ربوعها شرفها الله زاخرة

بالحيوية العلمية والنشاط العلمي، في حلقات المسجد النبوي الشريف أو في فصولي

الجامعة الإسلامية، وذلك في السنوات من ١٣٨١ هـ إلى ١٣٨٩ هـ.

٢ - من الملاحظ أنه مع كثرة الجامعات في العالم الإسلامي، فإن عدد العلماء

قل والمستوى العلمي ضعف فما هو السبب في رأيكم؟ .

ج: أشهد أن العلماء قليل، والمستوى العلمي لطلبة العلم هزيل، وهذا من

أخطر مظاهر التدهور في وقتنا الحاضر، والسبب هو تدخل أهل السياسة والحكم

في شئون العلم والعلماء، وفي أمور الفقه والفقهاء، ومتى ما تسلطت السياسة على

العلم فإنه يضعف ويفسد حاله، لأن العلماء حينئذ يفقدون حرية الحركة واستقلالية

العلم، وهذان من أهم دعائم المسيرة العلمية في تاريخ الإسلام، إذا نظرت في

تاريخنا وجدت عصور الازدهار العلمية هي تلك التي حافظ فيها العلماء على

استقلالية مؤسستهم العلمية وعلى ابتعادها عن أهواء السياسة وتقلباتها، ووقفوا في

وجه السياسة إذا ما حاولت التدخل.

هذه الاستقلالية للعلم والعلماء ضرورة ملحة ليس للمؤسسة العلمية في الإسلام

فحسب بل للأمة كلها.. فإن من عوامل الانهيار والدمار للأمة أن يصبح العلم أسيراً

لشهوات السياسة، فإذا لم يصدع العالِم بكلمة الحق عند السلطان الجائر من يصدع

بها إذن؟ ! .

٣ -إن كثيراً من الشباب لا يتمكنون من الجلوس لطلب العلم على أيدي

العلماء، في هذه الحالة بماذا تنصحونهم؟ وما هي الكتب التي يدرسونها لتحصيل

العلم الواجب عليهم؟

أحث كل شاب مهما كان مجاله واختصاصه الذي يشتغل به أن يحرص على

تلقي العلم في حلقاته على أيدي الشيوخ المعروفين بالعلم والورع ولو اقتضى الأمر

تذليل بعض العقبات، والرحلة في طلب العلم الواجب أمر وارد، وهي طريقة

السلف، ولكن إذا تعذر على بعضهم فعل ذلك فعليه أن يسدد ويقارب وينتقي ما يقرأ

ويحرص على الكتب التي تجمع بين أمرين: السهولة، واليسر، وأن تكون على

منهج أهل السنة والجماعة، وليبدأ بدراسة كتاب مختصر في التوحيد، مثل (تجريد

التوحيد) للمقريزي، أو (العقيدة الطحاوية) ، أو (عقيدة أهل السنة والجماعة للشيخ

ابن عثيمين) ، ونحو ذلك من المختصرات الميسرة المفيدة، وفى الفقه يختار متناً

فقهياً مشروحاً، مثل (العمدة) في الفقه الحنبلي أو (الكافي) كلاهما لابن قدامة، فإن

صعب عليه ذلك فليقرأ في كتاب (فقه السنة) للسيد سابق على ما في الكتاب من

مآخذ إلا أنها لا تمنع من الاستفادة منه.

وأسلوب تلقي العلم من الكتب بدلاً من الشيوخ ليس من منهج السلف، لكن

عند الضرورة لابد مما ليس منه بد، وأقترح لمن اضطروا إلى ذلك أن يخففوا من

مخاطر هذا الأسلوب بالمدارسة، وهى أن يجتمع الرهط من الشباب يتذاكرون العلم، فلعل بعضهم يكون أفقه من بعض، وبالسؤال كلما أشكل عليهم شيء، أو اختلفوا

في فهم مسألة، والسؤال اليوم متيسر مع سهولة الاتصالات التلفونية وتقارب

أطراف العالم بسببها.

وهنا نصيحة مهمة أسديها لهؤلاء الشباب الذين نتحدث عنهم، أن يحذروا من

الغرور، فإن هذه الآفة في العلم قاتلة، تكون سبباً لحرمان صاحبها من الاستفادة،

وربما كانت سبباً لاستدراجه إلى مهاوي البدع وحفر التنطع. على الشاب المسلم أن

يحرص على الاستفادة من كل من يثق بدينه ومنهجه وعقله وتجربته وعلمه وفهمه،

المهم أن يكون الذي تأخذ عنه دينك مستمسك بمنهج أهل السنة والجماعة «إن هذا

العلم دين فانظروا عمن تأخذون دينكم» هكذا قال سلفنا.

٤ - نعلم أن لكم دراسة حول موضوع (الأحرف السبعة) للقرآن وعلاقتها

بالقراءات القرآنية، ما هي النتيجة التي وصلتم إليها في هذا البحث، وما هي

الوسيلة المثلى لتعلم التجويد؟ .

نشر البحث الذي تشيرون إليه في العدد الأول من (مجلة كلية القرآن الكريم

والدراسات الإسلامية) بالمدينة النبوية الصادر في عام ١٤٠٣ هـ، وملخص ما

ترجح لديَّ في معنى الأحرف السبعة الواردة في الحديث المتواتر «أنزل القرآن

على سبعة أحرف» أن المراد سبعة أوجه من أوجه القراءة، وهذا حد أعلى

لاختلاف الأوجه، إذ أن القرآن العظيم منه ما نزل على وجه واحد وهذا أكثره،

ومنه ما نزل على وجهين، ومنه ما نزل على أكثر، لكن لا تزيد الأوجه في

مواضع الاختلاف من القرآن على سبعة، وهذا الاختلاف لا يضير النص القرآني

لأنه من باب خلاف التنوع لا من باب خلاف التضاد، فكل وجه تجد فيه زيادة في

المعنى تناسب المعنى الأصلي، وربما تكمله أو تفسره، فمثلاً في قوله تعالى:

[ويَسْأَلُونَكَ عَنِ المَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي المَحِيضِ ولا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى

يَطْهُرْنَ] . الآية، فقوله؛ [يطهرن] بتسكين الطاء يحتمل أن يكون المراد منه

انقطاع الدم، ويحتمل أن يكون المراد الغُسل، لذلك اختلف الفقهاء في ذلك، فمنهم

من أباح مجامعة المرأة بمجرد انقطاع الدم، ولو قبل أن تغتسل، ومنهم من اشترط

لإباحة ذلك الاغتسال، فجاء الوجه القرآني الآخر [حتى يطَّهَّرن] بتشديد الطاء

والهاء مفسرا المراد، لأن هذه الصيغة - بالتشديد - لا تحتمل غير الغسل..

ثم إن في تعدد أوجه القراءة للنص القرآني وتنوعها تيسيراً للأمة،. ويتبين

ذلك بصورتين:

الأولى: العربي الذي نشأ لسانه على لهجة معينة - كالإمالة - مثلاً.

فإنه يجد سعة في الأمر إذا غلبه لسانه فأمال الألفات ذوات الياء أو هاءات

التأنيث عند الوقف، إذ يوافق ذلك حرفاً منزلاً، لكن هذه التوسعة منضبطة بحدود

المنزَّل، لأن قراءة القران توقيفية.

الثانية: الأعجمي إذا غلبته عجمته أثناء القراءة فقلب الصاد سيناً - مثلاً -

في قوله تعالى في سورة الفاتحة [اهدنا الصراط المستقيم.] . ففي الأمر سعة

لأنه وافق حرفاً منزلاً، وهكذا إذا وافق القارئ عربياً كان أو أعجمياً شيئاً من

الحروف المنزلة فإننا لا نُثرِّب عليه، وإلا فإنه يُلام إذا لحن في القرآن مع القدرة

على تجنب اللحن.

والطريقة الصحيحة لتعلم قراءة القرآن وتجويده هي التلقي من أفواه الشيوخ

المتقنين، فإن لم يجد الشاب المسلم من يقرئه فليستعن بالأشرطة الصوتية لتعليم

التجويد، وبالمصاحف المرتلة بأصوات المُجَوِّدين كالشيخ محمود الحصري رحمه

الله.

٥ - في زحمة التيارات الفكرية نلاحظ تركيز بعض الناس على الأفغاني

ومدرسته، فما هو رأيكم؟ .

رأيي أننا من الناحية الفكرية تجاوزنا بكثير مرحلة جمال الدين الأفغاني

والشيخ محمد عبده والمدرسة التي يسمونها بالمدرسة العقلية، وهى أقرب إلى اسم

المدرسة الترقيعية، التي تحاول الجمع بين الفكر الغربي والإسلام، وذلك بإخراج

(طبعة عصرية) للإسلام، ولو أدى ذلك إلى تحريف بعض عقائده أو شرائعه

وتفسيرها تفسيراً بعيداً عن هيمنة الضوابط الشرعية والقواعد العلمية. ما حاجتنا

إلى أمثال الأفغاني من الشخصيات التي يلف الغموض كثيراً من آرائها ومواقفها؟

وفى علم الجرح والتعديل لا يؤخذ من مجهول الحال، ولا ممن كثرت أوهامه.

ديننا والحمد لله واضح، وضوابطه وقواعده واضحة، ومنهجه واضح، له منهج

واحد هو منهج أهل السنة والجماعة الذين استمسكوا بمنهج الصحابة رضي الله

عنهم في فهم النصوص وفقهها، ومنهجهم في العلم.

ونصوص الكتاب والسنة ليست حمىً مباحاً لكل أحد يفهمها كما يشتهي، بل

يلزم أن يفهمها بمنهج الصحابة، ويفسرها بمنهج الصحابة الذين هم المقصودون

عند إطلاق مصطلح: السلف.

في خاتمة هذه المقابلة، نشكر فضيلة الدكتور عبد العزيز القارئ، ونسأل الله

له التوفيق في القول والعمل.