للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

المسلمون والعالم

[أزمة الليبراليين العرب]

الكويت أنموذجاً

مركز أبعاد للخدمات الإعلامية المتكاملة

اختصر الليبراليون في الكويت مساحة وجودهم في مواجهة مع التيار

الإسلامي حول حفل غنائي، ويبدو أن إقامة الحفل أو منعه يساوي في نظرهم

فرض الثقافة الليبرالية في المجتمع أو حظرها.. فهل بعد نصف قرن وأكثر من

الطرح الليبرالي في دولة صغيرة المساحة قليلة السكان، لا يتجاوز الفكر الليبرالي

مساحة الكلام والتصريحات.. فأين موطن الخلل؟ وما أسبابها؟ وكيف يبدو

مستقبلهم في ضوء معطيات الواقع السياسي والاجتماعي في الكويت؟ الملف يرصد

تلك المحاور، انطلاقًا من الماضي إلى آفاق المستقبل، مرورًا بالواقع الراهن.

ونقطة البدء: هل توجد ليبرالية حقيقية في الكويت أو مفاهيم خاصة

لمجموعة أفراد تحتذي بأفكار مستوردة؟ وما نوع الليبرالية الكويتية.. أوروبية

المصدر أم أميركية التوجه.. أو هي خليط غربي مع واقع محلي مرتبط بمصالح

آنية؟!!

* ما الليبرالية؟

أولاً: ما الليبرالية؟

هي كلمة ليست عربية، وترجمتها كما جاء في الموسوعة الميسرة مذهب

رأسمالي ينادي بالحرية المطلقة في الميدانين الاقتصادي والسياسي، وقوامها

الاستقلالية، ومعناها التحرر التام من كل أنواع القيود والإكراه الخارجي: دولة،

جماعة، فردًا، ثم التصرف وفق ما يمليه قانون النفس ورغباتها، والانطلاق نحو

الحريات بكل صورها: مادية، سياسية، نفسية، ميتافيزيقية.

والليبرالي يصبو على نحو خاص إلى التحرر من التسلط بنوعيه: تسلط

الدولة «الاستبداد السياسي» ، وتسلط الجماعة «الاستبداد الاجتماعي» ؛ لذلك

فإن الليبرالية لا تتحقق إلا من خلال طرفين:

- الفرد في ذاته بتحقيقه التحرر الذاتي بالانفلات والانطلاق مع شهوة النفس

والعقل.

- الآخر الذي يملك السلطة (دولة أو مجتمع) بكفه عن التدخل وفرض

السيطرة.

ويقوم المذهب الليبرالي على العلمانية بمعنى فصل الدين عن السياسة أو أي

نشاط بشري على العموم في كافة المجالات، بل لا تكون الدولة ليبرالية إلا حيث

تكون العلمانية، ولا تكون علمانية إلا حيث تكون الليبرالية.

ثانيًا: الليبرالية أنوع:

ليبرالية فكرية: وهي مذهب لا يحظر أي دين، لكنه لا يدعو إلى أي عقيدة،

ولكل فرد أن يعتنق ما يشاء.

وليبرالية سياسية: وهي نظام سياسي يقوم على ثلاثة أسس، هي:

- العلمانية.

- الديموقراطية.

- الحرية.

وليبرالية اقتصادية: تقوم على منع الدولة من التدخل في أي نشاط اقتصادي،

ومنها تولي كافة الوظائف صناعية أو تجارية.

والليبرالية نشأت في أوروبا في القرن الثامن الميلادي كرد فعل من قهر

الكنيسة وقمعها واستبدادها؛ لذلك فالليبرالية الأوروبية قائمة على التحرر من كل

شيء، وتدعو إلى الحرية المطلقة دون أي ضابط، وكان ثمار هذا الاتجاه هو

تفشي الجرائم وانهيار منظومة القيم، وانهيار الأسر؛ لذلك ظهرت دعاوى كثيرة

في السنوات الأخيرة تدعو إلى فرض القيود لضبط هذا التحرر المدمر ولجمه.

* الليبرالية الجديدة:

وفي العصر الحالي ظهرت الليبرالية الجديدة، أو كما يسميها أحمد الديين

الكاتب في «الرأي العام» الكويتية والأمين العام السابق للمنبر الديموقراطي

واجهة الليبراليين في الكويت: «النيوليبرالية» ، ويمثلها الليبراليون الجدد في

الكويت، وقوامها الفهم الأميركي، أو ما تريده أميركا بعد ١١/٩/٢٠٠١م، وهو

اتجاه ضد الليبرالية الأوروبية القديمة، وقوامه الموافقة على مبدأ استخدام القوة

العسكرية لفرض الهيمنة والأفكار في عصر العولمة؛ فلم يعد للحريات الإنسانية

مكان؛ وبديلها الحريات التي تمليها القوة الكبرى، وحددت أميركا مفهومها الجديد

لليبرالية بقول الرئيس جورج بوش بعد ١١ سبتمبر: «إما أن تكون معنا، أو

ضدنا» .

وأصبحت المعادلة الجديدة لليبرالية في العالم العربي وفي القلب منها الكويت:

(العولمة + الدور البوليسي للقوة الكبرى الليبرالية الأوروبية «الحرية المطلقة»

= الليبرالية الجديدة) .

وفي ضوء ما سبق؛ فإن مصطلح «الليبراليين» في الكويت تغمره ضبابية

كثيفة؛ حيث تلتقي في تجمع واحد الفصول الأربعة، فتجد المؤمن بالاشتراكية

يصطف مع من يؤمن باقتصاد السوق الحر، والاشتراكي الثوري مثل النائب

السابق (أحمد الربعي) ، والكاتب (عبد اللطيف الدعيج، وأحمد الديين) [*]

الذين أسسوا الحركة الثورية الشعبية، وقاموا بسلسلة تفجيرات في الكويت عام

١٩٦٩، هؤلاء الآن في مظلة واحدة مع الداعين إلى التدخل الأميركي في المنطقة،

كما يقف القومي في خندق واحد مع الأممي، ومن يمثل الكادحين في دائرته

الانتخابية يدعو إلى الخصخصة في مجلس الأمة، وهو موقف النائب السابق عبد

الله النيباري، وهكذا يتشكل التيار الليبرالي في الكويت من كوكتيل من الأفكار

والمفاهيم والتحولات.

الضبابية حول التيار الليبرالي في الكويت أسبابها خمسة:

١- الجذور والنشأة.

٢- الانقسامات.

٣- التحولات المرحلية.

٤- اختلاف المرجعية.

٥- الانفصال عن الواقع.

وعن السبب الأول: وهو الجذور والنشأة يتفق غالبية الكُتَّاب والمحللين

لتجربة التيارات السياسية في الكويت، على أن الفكر الليبرالي واكب تأسيس حركة

القوميين العرب في مطلع الخمسينيات، والحركة ولدت على يد مجموعة من

الطلاب العرب كانوا يدرسون في الجامعة الأميركية في بيروت، منهم: د. جورج

حبش، ود. وديع حداد من فلسطين، ود. هاني الهندي من سوريا، ود. أحمد

الخطيب من الكويت، والأخير كان وراء تصدير الحركة إلى داخل الكويت

وانتشارها في الخمسينيات وأوائل الستينيات.

وحاول الخطيب ورفاقه تطبيق الفكر القومي في بلد صغير قبلي، ورغم المد

الذي حدث للحركة، فلم يكن السبب هو قبول المجتمع بفكر الخطيب ورفاقه، بقدر

ما كان توجهاً عاماً سائدًا في الوطن العربي.

والفكر القومي الذي اقترب من العنف الثوري أحيانًا، لم يكن يأخذ من

الليبرالية السائدة في العالم إلا الليبرالية السياسية والفكرية دون الليبرالية الاقتصادية،

وكان ذلك أول إشكالية تواجه الليبراليين في الكويت.

السبب الثاني: لضبابية الفكر الليبرالي في الكويت، هو الانقسامات؛ فقد

شهدت حركة القوميين العرب على امتداد فروعها في الوطن العربي ومنها الكويت

انقسامات وانشقاقات قادتها العناصر اليسارية ضد القيادة التاريخية للحركة الأم،

وبرزت حركات جديدة يقودها أجيال أخرى من الليبراليين مثل «حركة التقدميين

الديموقراطيين الكويتيين» ، «وحركة العمل الديموقراطي في الكويت» وغيرها

من الحركات الصغيرة، وأدى ذلك إلى تراشق الرفقاء والمزايدة على بعضهم

البعض، وإدانة كل منهما أفكار الأخرى، فزادت غربة الليبرالية عن المجتمع،

وفقد كثيرون من الذين انخرطوا في حركة القوميين العرب الثقة بهذه الأفكار، وهذا

هو السبب في القول بأن العصر الذهبي لليبراليين في الكويت كان في الخمسينيات،

وحتى أواخر الستينيات عندما اكتشف الناس الهوة بين الأفكار والشعارات

المطروحة، خاصة بعد هزيمة يونيو ١٩٦٧م، والواقع المجتمعي.

لكن التدهور الحقيقي لحركة القوميين العرب كان الانقسام الثلاثي بين ثلاثة

معسكرات رئيسية؛ حيث فضل الخطيب وأحمد المنيس، انتقاد الناصرية، وسميا

مجموعتهما بـ «التجمع الديموقراطي» واختطا لنفسيهما برنامجًا اشتراكيًّا.

وتمسك جاسم القطامي ومجموعته بالناصرية تحت مسمى «التجمع الوطني» ،

وكان المعسكر الثالث الأكثر خطورة - كما قال فهد البلوشي في كتابه: «حقيقة

اليسار والليبراليين في الكويت» - وسمي بـ «الحركة الثورية الشعبية» وقادها

الربعي وعبد اللطيف الدعيج والديين، وهذه المجموعة تبنت الماركسية اللينينية

نظريًّا وعمليًّا من خلال سلسلة من عمليات التفجير عقب عقدهم المؤتمر التأسيسي

لحركتهم في ١١ - ١٥/٢/١٩٦٩م.

السبب الثالث: التحولات المرحلية: فلم يثبت أعضاء حركة القوميين العرب

على اتجاه، وإنما شهدت الحركة تحولات فكرية حادة، وتوزع تاريخ الحركة على

ثلاث مراحل:

١- مرحلة البناء والتنظيم، وساد خلالها الاتجاه القومي؛ حيث كان رواد تلك

المرحلة، ومنهم (علي ناصر الدين، وقسطنطين زريق) يرفضون جعل قضية

العرب إسلامية، ويرون أن القومية العربية لن تحقق ذاتها إلا بالعلمانية، ورغم

التوسع الجماهيري الذي شهدته الحركة في هذه المرحلة، إلا أنها عانت من

الضعف التنظيمي؛ حيث اهتمت بإطلاق الشعارات والطرح الفكري على حساب

الجانب التنظيمي.

٢- مرحلة الانتشار السياسي والتنظيمي، وهي مرحلة الماركسية - اللينينية:

حيث استوردت حركة القوميين العرب - ومنهم فرع الكويت - فكرها من مصادر

متعددة مثل ماركس، ولينين، وكاسترو، وجيفارا، وتروتسكي، كما ارتبطت

بالأحزاب الشيوعية في مصر ولبنان، وغلب على هذه المرحلة العنف الثوري،

لتبدأ بعدها عملية أفول نجم حركة القوميين العرب، وفقدانهم مراكز النفوذ تباعًا؛

حيث فقدوا السيطرة على نادي الاستقلال، والاتحاد الوطني لطلبة الكويت،

ونادي الخريجين، ونقابة العمال، وذلك مع مطلع الثمانينيات.

السبب الرابع: اختلاف المرجعية؛ فلم تكن أخطار الليبراليين في الكويت

وليدة احتياجات واقعهم المحلي، إنما مستوردة من الخارج من خلال بعثات الطلاب

التي تركزت أولاً على الجامعة الأميركية في لبنان، وعلى الجامعات المصرية،

فكان التأثر الشديد بالناصرية في حقبة الستينيات، وعندما حدث زخم في البعثات

الدراسية إلى أميركا في منتصف الستينيات، عاد هؤلاء الطلاب مع مطلع

السبعينيات بمرجعية جديدة لليبرالية، ومن هؤلاء: د. أحمد بشارة، الذي يقود

التجمع الوطني الديموقراطي باعتباره أبرز واجهات الليبراليين في الكويت مع

المنبر الديموقراطي. وأدى اختلاف المرجعيات إلى انقسامات بين الليبراليين

وصعوبة الوحدة تحت مظلة واحدة، وهو ما أثَّر على مساحة نفوذهم في الشارع،

رغم نفوذهم كأفراد ورموز حركية للتيار الليبرالي.

السبب الخامس: انفصال رموز التيار الليبرالي عن الواقع؛ لأن المطالبة

بتطبيق الأفكار المستوردة في الميدانين الاقتصادي والسياسي دون مراعاة تقاليد

المجتمع الكويتي واحتياجاته، وخصوصيته أدى إلى هوة شاسعة وتحول المنخرطين

في هذا التيار إلى منظرين فقط، خاصة أنهم لم يراعوا طبيعة المجتمع الكويتي

المسلم، وطالبوا بتطبيق أفكار ضد الدين الإسلامي، أو على الأقل يستغلها

خصومهم الإسلاميون لتصويرهم على أنهم يعملون لهدم الدين الإسلامي، وهو ما

أدى إلى نفور غالبية الشعب من هذه الأفكار؛ خاصة في المناطق خارج المدن التي

يغلب عليها القبلية.

لكن السؤال: ما السبب في ازدهار الفكر الليبرالي في الخمسينيات

والستينيات؟

وراء ذلك عدة أسباب منها:

- هزيمة العرب في ١٩٤٨م، فكان الشباب العربي بحاجة إلى شعارات

ثورية قد تجلب له الانتصار في الحرب ضد الكيان الصهيوني.

- استغلال شعبية عبد الناصر لتحقيق الانتشار لحركة القوميين العرب.

- الانفتاح الذي واكب نشأة الحركة في فترة حكم الشيخ عبد الله السالم، مما

سهل على أعضائها تأسيس الأندية الثقافية والجمعيات، مثل النادي الثقافي القومي،

والنادي الأهلي، ونادي الخريجين، وإصدار العديد من الصحف مثل

«الطليعة» ، و «الفجر» .

- الدهاء السياسي لزعيم الحركة د. جورج حبش [**] ، حيث اختار لها اسم

«القوميين العرب» ، بعد أن وجد أن الماركسيين العرب أصبحوا معزولين؛

لتأييدهم العلني قرار تقسيم فلسطين.

- سيطرتهم على الاتحاد الوطني لطلاب الكويت لسنوات طويلة، مكنت

الحركة من تجنيد أجيال من الشباب، وتعتبر قائمة «الوسط الطلابي» التي

سيطرت على اتحاد الطلبة حتى نهاية السبعينيات المعبرة عن التيار الليبرالي.

الليبراليون في ربع القرن الأخير بعد انكفاء حركة القوميين العرب وارتداء

حلة جديدة:

خسر الليبراليون مع مطلع الثمانينيات ثقلهم في المجتمع بخسارة السيطرة

على النوادي الثقافية والجمعيات واتحاد الطلبة، واكتفوا بالتحرك فرادى على

الصعيد السياسي من خلال انتخابات مجلس الأمة من خلال آليتين: التجمع

الديموقراطي، وكان يقوده أحمد الخطيب. والتجمع الوطني، وكان يقوده جاسم

القطامي. وترك الليبراليون مشروعهم الأصلي لدرجة أن د. فارس الوقيان

الشمري قال عن ذلك في صحيفة السياسة: «إن الوسيلة التي يناضل بها

الليبراليون عن فكرة تبعث بالضحك والسخرية، فلم أقرأ مؤلفا محليًّا واحدًا عن

نظريات العقد الاجتماعي أو الرأسمالية ... وحتى على صعيد الممارسة، فإنني لم

أشهد في حياتي ندوات ومناقشات عن حقوق الإنسان في مناطق كالجهراء والرقة

وخيطان، وأشك - مثل غيري - أن يذهب الليبراليون بسيارتهم إلى منطقة مثل

الصليبية حيث يعيش بين ظهرانينا شريحة كبرى من البدون» .

وارتدى الليبراليون منذ مطلع الثمانينيات حلة جديدة من الفكر والشعارات

تناسب المرحلة برزت بشكل خاص عقب التحرير، وهي ما تسمى الليبرالية

الجديدة، وقوامها الأساسي «أمركة المجتمع» ، بمعنى نقل المفاهيم والثقافة

الأمريكية إلى الشعب الكويتي واستعداء الضرب على التيار الإسلامي الذي سرق

منه الأضواء في مرحلة مقاومة الاحتلال العراقي.

وتحرك الليبراليون لمواجهة المد الإسلامي عقب التحرير، فأسسوا المنبر

الديموقراطي في ٢/٣/١٩٩١م كإطار واسع لكل روافدهم الفكرية والمذهبية،

ودشنوه باعتباره حزب برنامج وليس حزباً أيديولوجياً، كما قال الديين لصحيفة

«الشرق الأوسط» .

* التوجه السياسي للمنبر:

المنبر اختصر اتجاهه السياسي في شعاره «طريق الكويت نحو النهضة

والتغيير» ؛ لذلك فهو يقدم أولوية الإصلاح السياسي على غيرها من المجالات،

فيركز على مبدأ المساءلة السياسية لمحاسبة كبار المسؤولين، ويدعو إلى جعل

الإمارة للأسرة الحاكمة، والحكم للأمة، والفصل بين ولاية العهد ورئاسة الوزراء،

وأن يكون رئيس الوزراء من الشعب، وإبعاد أبناء الأسرة عن الوزارات السيادية

(الخارجية - الدفاع - الداخلية) .

* التوجه الاقتصادي:

برنامج المنبر أو الليبراليين الجدد يعكس نقلة كبيرة في المجال الاقتصادي؛

لأنهم لأول مرة يدعون إلى الخصخصة واقتصاد السوق الحر، وكأنهم يقارعون

الرأسماليين في أعز ما يملكون، وقد يكون السبب هو الرغبة في الاقتراب من

التجار المسيطرين على اقتصاد البلد، وهو ما يفسر أن هؤلاء ذوي الجذور

الاشتراكية حلفاء لغرفة التجارة، ويعتمدون على التجار وأصواتهم في بعض

الدوائر الانتخابية؛ مثل الدائرة الثالثة (المرقاب) ؛ حيث تحالف في أكثر من

دورة عبد الله النيباري ممثل المنبر، وعبد الوهاب الهارون ليبرالي غرفة التجارة،

ونجح تحالفهما قبل أن يخترقه في الانتخابات الأخيرة.

والليبرالية الجديدة - كما يتبناها المنبر وشريكه في الفكر الليبرالي التجمع

الوطني الديموقراطي الذي أسس في ١٩٩٧م بقيادة د. أحمد بشارة، ومعهم

الليبراليون المستقلون - يؤكدها التالي:

أولاً: التغيير الكامل في الفكر الليبرالي السياسي الذي كانت تتبناه حركة

القوميين العرب؛ فلم تعد أميركا عدوًّا، ولعل السبب في ذلك البعثات الدراسية إلى

الولايات المتحدة التي عادت إلى الوطن ولديهم أجندتهم الخاصة بالفكر الليبرالي

الأمريكي، كما أصبح رموز ومنظرو المنبر والتجمع يقبلون بالحريات المنقوصة

للأفراد وسيادة منقوصة للدول بحجة محاربة الإرهاب، ووضح ذلك في بياناتهم

باستعداء واشنطن على الجمعيات الخيرية، وبيان أبرز منظري الليبرالية بأنه

شرف للكويت «أن يبدأ تحرير العراق من على أراضيها» قبل اندلاع الحرب.

ثانيًا: اختصار مشروعهم الشامل في الخمسينيات إلى موقف يتيم، هو

مواجهة المد الإسلامي بكافة الوسائل، حتى لو جاء استعمار أجنبي، رغم أن

محاربة المستعمر كانت أهم شعاراتهم وأساس انتشارهم في الخمسينيات.

ثالثًا: التغيير الجذري في التوجه الاقتصادي، فطلق الليبراليون الكويتيون

الاشتراكية، وانضموا إلى دعاة الخصخصة، وبدت المفارقة أن يكون نائب المنبر

الوحيد في مجلس الأمة السابق عبد الله النيباري، ومعه بقية الليبراليين في المجلس

مجموعة (٧ + ١) ، وهم: عبد الوهاب الهارون، وأحمد الربعي، ومحمد

الصقر، وفيصل الشايع، وعبد المحسن المدعج، ومشاري العصيمي،

ومشاري العنجري، إضافة إلى النيباري - أن يكون هؤلاء هم المطالبين بإخراج

قانون الخصخصة من ثلاجة المجلس، وهم الذين صوتوا ضد زيادة معاشات

المتقاعدين، وضد قانون التأمينات، وبالموافقة على تحديد سقف العلاوة الاجتماعية

بـ ٥ أولاد، رغم أن الإحصائيات تؤكد أن متوسط عدد الأولاد في الأسر الكويتية،

خاصة في المناطق خارج المدن ٨ أولاد.

رابعًا: التحالف مع الحكومة، مع تقلص دور الليبراليين وقصر ممارستهم

على الممارسة البرلمانية، وما تنشره صحيفة «الطليعة» اللسان الناطق - اتجه

الليبراليون إلى التحالف مع الحكومة لتكريس نفوذهم في المجتمع عبر السلطة، بعد

الإخفاق في الحفاظ على نفوذهم داخل الشارع، ويثبت هذا التحالف في تماثل

المواقف بين الحكومة والليبراليين، خاصة في القضايا الجماهيرية المطروحة على

مجلس الأمة، واختار الليبراليون الجدد التخلي عن فكرهم السابق المنحاز إلى

جانب محدودي الدخل والانتصار للحكومة على حساب تلك الفئة، ويتضح ذلك من

خلال مراجعة تصويتهم في مجلس الأمة، فقد تصدوا لمشروع إحالة وزير المالية

الليبرالي د. يوسف إبراهيم إلى محكمة الوزراء لمعرفة دوره في إهدار المال العام،

لكنهم في الوقت نفسه يحاربون خصومهم الإسلاميين بتهمة سرقة المال العام.

* الأداء السياسي لليبراليين خلال ربع القرن الأخير:

لم يخل مجلس أمة منذ المجلس التأسيسي عام ١٩٦٢ من الليبراليين باستثناء

مجلس ١٩٦٧، حيث قاطعوه لتزوير الانتخابات، لكن يوجد ليبراليون يتحركون

في إطار تنظيمي مثل المنبر الديموقراطي والتجمع الوطني الديموقراطي حاليًّا،

وآخرون يتحركون فرادى مع تماثل فكرهم ومواقفهم في الأداء السياسي، ومنذ

مجلس ١٩٨١م انحازت مواقف الليبراليين لقضايا حقوق الإنسان، وتوسيع هامش

الحريات، خاصة في الحقبة من ١٩٨٠م إلى ١٩٩٠م، وفي الحقبة الأخيرة من

٩٥ إلى ٢٠٠٠ تغيرت المفاهيم، واتجهوا إلى المطالبة بالحريات الاقتصادية ولو

على حساب محدودي الدخل، كما أنهم حملوا الإسلاميين مسؤولية الإرهاب الدولي،

خاصة بعد ١١ سبتمبر، في محاولة لجر الحكومة لإحكام قبضتها على الإسلاميين،

وإتاحة المجال لهم لاستعادة زمام المبادرة في الشارع الكويتي.

* معدل تمثيل الليبراليين في مجلس الأمة:

قدم الليبراليون - على مدى ربع قرن جرت خلاله ٦ انتخابات تشريعية -

نحو ٥٠ مرشحًا، منهم حوالي ١٧ مرشحًا من المنبر الديموقراطي والباقون يحملون

الفكر نفسه، لكنهم يتحركون خارج الإطار التنظيمي، أو تحت مظلة التجمع

الوطني الديموقراطي؛ لذلك فقاعدة الترشيح للتيار الليبرالي منذ عام ١٩١٨م وإلى

الآن، لا تتجاوز ٣% من إجمالي المرشحين لانتخابات مجلس الأمة، حيث ترشح

١٧٥٠ شخصًا في ٦ انتخابات.

ومرشحو التيار الليبرالي تركزوا في الدوائر الداخلية باستثناء شخصيات

ليبرالية اعتمدت على ثقلها القبلي، لكنها خاضت الانتخابات دون أن ترفع

الشعارات الليبرالية، مثل د. عبد المحسن المدعج في الدائرة ١٢ (السالمية)

حيث اعتمد على قبيلة العوازم، وراشد الحجيلان نجح بالعوازم في الدائرة ٢٤

(الفحيحيل) ، وسعد طامي العجمي، وخميس عقاب العازمي.

وهشاشة قاعدة الترشيح لليبراليين تعكس تراجعهم في الشارع الكويتي، وتبدو

خطورة ما آل إليه هذا التيار من خلال قراءة النتائج التي تؤكد اعتماده على

شخصيات محددة في الوصول إلى البرلمان، وهم من المنبر: أحمد الخطيب، فاز

بمقعده في مجلس الأمة ٦ مرات إضافة إلى المجلس التأسيسي، وسامي المنيس

فاز بـ ٧ دورات، وعبد الله النيباري فاز بـ ٥ دورات، وراشد الحجيلان فاز

٤ مرات، وخميس عقاب، وسعد طامي كل منهما فاز مرتين، وفيصل الصانع،

وعلي البغلي، وخالد الوسيمي، وجاسم القطامي، كل منهم فاز مرة واحدة،

أما الليبراليون القريبون من المنبر فهم وجوه ثابتة لم تتغير وهم: مشاري العنجري

فاز ٦ مرات، ومشاري العصيمي فاز ٣ مرات، ومثله عبد الوهاب الهارون،

وعبد المحسن المدعج، وأحمد الربعي، وفاز مرتين محمد الصقر، وفي

الانتخابات الأخيرة من النواب المحسوبين على الليبراليين باسل الراشد وعلي

الراشد.

وحسب النتائج خلال الانتخابات الست الأخيرة (من ١٩٨٢م إلى ٢٠٠٣م)

فقد فاز المنبر الديمقراطي في انتخابات عام ١٩٨١م بمقعدين بنسبة ٤% من إجمالي

عضوية المجلس، وبـ ٧ مقاعد عام ١٩٨٥م بنسبة ١٤% ومقعدين في انتخابات

٩٢، ٩٦، ١٩٩٩م بنسبة ٨%، ولم يفز بأي مقعد في الانتخابات الأخيرة ٢٠٠٣م؛

لذلك نسبة تمثيله صفر %، أما الليبراليون القريبون من المنبر فقد حصلوا على

٤ مقاعد في المجلس الحالي بنسبة ١٦% من إجمالي عضوية مجلس الأمة، و٧

مقاعد في المجلس السابق بنسبة ١٤%.

كما خسر التيار الليبرالي أبرز رموزه مما أدى إلى انكماش التيار، فاعتزل

أحمد الخطيب وجاسم القطامي العمل السياسي وخسرا مقعديهما الدائمين في مجلس

الأمة، لا سيما بالنسبة للخطيب، وتوفي سامي المنيس، وخسر عبد الله النيباري

مقعده في الانتخابات الأخيرة، ولم يبق للمنبر شخصية يمكن الرهان عليها، لكن

بقيت هناك وجوه ليبرالية لا تزال في المجلس مثل مشاري العنجري، ومحمد

الصقر، وعبد الوهاب الهارون.

* أبعاد أزمة التيار الليبرالي الحالية:

أزمة الليبراليين في الكويت متجذرة، وتمتد إلى حقب أخرى، والانكماش

الحالي الذي عبرت عنه انتخابات ١٩٩٩م وعمقته انتخابات ٢٠٠٣م ليس وليد

السنوات الأخيرة فحسب، إنما تراكمت أخطاء عقود من العمل، لكن الفزعة

الأخيرة على حال الليبراليين بسبب انزعاج دوائر غربية من هذا الانكماش الذي

يقابله تمدد إسلامي، وأسباب الأزمة باتفاق المحللين والمراقبين تتلخص في التالي:

١ - التحولات المستمرة في برنامج الليبراليين من اشتراكية إلى شعارات

الرأسمالية.

٢ - تبني الثقافة الغربية - خاصة المفاهيم الأمريكية في دولة إسلامية لم تهيأ

لاستيعاب تلك المفاهيم لارتفاع نسبة القبلية فيها.

٣ - رفض منظري التيار الليبرالي أي محاولات نقدية لمشروعهم، وكأنهم

يحتكرون الحقيقة، والمفارقة أنهم يوجهون التهمة ذاتها إلى الإسلاميين.

٤ - تصوير طروحاتهم عن الديموقراطية كأنها طقوس مقدسة لا يجوز

المساس بها، رغم تباين البيئة الغربية عن البيئة العربية.

٥ - الرهان على المشروع الديموقراطي الغربي باعتباره المشروع الوحيد

القادر على تحقيق قفزة حضارية في المجتمع.

٦ - التشنج في المعارضة، خاصة ضد الأسرة الحاكمة، رغم أنهم في

مجلس الأمة يصوتون إلى جانب الحكومة مما يفقدهم المصداقية.

٧ - اختصار مشروعهم في معاداة الإسلاميين دون تقديم أدلة لهجومهم على

الإسلاميين، مما يخلق مساحة رفض في الشارع ونفور من مشروعهم.

٨ - تجاهل مناقشة تراجعهم المطرد من الخمسينيات إلى الآن.

٩ - الاعتماد على رموز محددة لقيادة التيار الليبرالي دون تقديم وجوه جديدة؛

لذلك فهم خسروا باعتزال الخطيب والقطامي ووفاة المنيس وبخسارة النيباري

الأخيرة، ولم يعوضوا هؤلاء بشخصيات جديدة.

١٠ - الانشقاقات المستمرة كل فترة، وخروج شخصيات من الوزن الثقيل

من الإطار التنظيمي؛ مثل أحمد الربعي وأحمد الديين، خاصة أن الأخير كشف في

سلسلة مقالات بجريدة «الرأي العام» حقيقة الشعارات المرفوعة من المنبر

وابتعادها عن الواقع.

١١ - الاعتماد على صحيفة «الطليعة» في الترويج لمشروعهم، وهذا

التقوقع يعكس انكماشهم، فلم يعد يشارك الليبراليون في منتديات ثقافية أو ورش

عمل.

١٢ - إخفاقهم في اختراق المناطق القبلية، فلم يستطع أي ليبرالي خوض

الانتخابات في تلك المناطق رافعًا شعارات ليبرالية، وهو ما يعني أن الأجيال

الجديدة في تلك المناطق لن تكون لها علاقة بالليبرالية.

* المستقبل:

معضلة الليبراليين في الوقت الراهن قد تصبح أزمة كارثية في المستقبل، إذا

لم يعوا الدرس من النتائج الأخيرة لانتخابات مجلس الأمة، حيث اتفق المحللون

على أنهم الخاسر الأكبر، لكن الخسارة الحقيقية أن تراجعهم مطرد؛ لذلك يتوقف

مستقبل الليبراليين الجدد على معطيات محلية وإقليمية ودولية على النحو التالي:

أولاً: التوجه الرسمي الداخلي نحو السياسة الأميركية التي تفرض أجواء

جديدة من انفتاح اجتماعي وسياسي واقتصادي، وهو مناخ يعطي لليبراليين مساحة

كبيرة إلى التحرك بنفس زخم الخمسينيات، لكن العثور على مشروع تقبله البيئة

المحلية بعد إخفاق المشروع الليبرالي المستورد.

ثانياً: رد فعل الشارع على محاولات فرض التغريب حتى لو كانت بضغوط

أمريكية؛ فالتجربة أثبتت أن الصحوة الإسلامية تولد في مناخ المحسن، ولو نظم

التيار الإسلامي صفوفه وعالج أخطاءه فسيقطع الطريق على أي محاولة أمام التيار

الليبرالي لاستعادة ما فقده في السنوات الأخيرة.

ثالثاً: الموقف الرسمي وهل سيكون رهان الحكومة على الليبراليين لنقل

المجتمع نوعيًا بشكل يحقق التجاوب في المستقبل مع ما هو مطلوب أميركيًا، أم

تمد الحكومة الجسور مع الإسلاميين باعتبارهم سياج الحماية شعبيًّا وماليًّا.

رابعاً: قدرة الليبراليين على الوصول إلى القواعد الشعبية، سواء على صعيد

اتحاد الطلبة داخل الجامعة أو في النوادي والجمعيات؛ لأن محاولات اختراق

المجتمع من فوق ثبت إخفاقها.

وهكذا يواجه التيار الليبرالي في الكويت مأزقًا خطيرًا؛ لأنه أصبح في مرحلة

الانكماش والانزواء، ويحتاج إلى جهد شاق للخروج من عنق الزجاجة قبل أن

يتلاشى التيار مثلما تلاشت رموزه.


(*) كاتب كويتي يساري معادٍ للاتجاه الإسلامي - البيان -.
(**) أحد قادة الفلسطينيين نصراني يساري ترأس الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين، واستقال من العمل الحزبي مؤخراً وخلفه (أحمد سعادات) المسجون في سجن المناطق للسلطة الفلسطينية بطلب من العدو الصهيوني - البيان -.