للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

[الاستراتيجية الإسرائيلية وحقوق الإنسان الفلسطيني]

لواء. أ. ح. د. زكريا حسين

لقد أجمع المحللون والمتابعون للمأساة الفلسطينية أن الممارسات اليومية للجنود الصهاينة إنما تعود إلى بداية نشأة جيشهم منذ قيام الدولة عام ١٩٤٨م، بل قبل ذلك، وهو ما عكسته المذابح التي ارتكبها بحق الفلسطينيين، مثل: «دير ياسين، وكفر قاسم» عام ١٩٤٨م، «وصبرا وشاتيلا» عام ١٩٨٢م، و «قانا» عام ١٩٩٦م، والتي تعد جرائم حرب تكشف الطبيعة الدموية للقوم وعساكرهم، وافتقارهم للمعايير الأخلاقية والقانونية. ويمثل قتل الطفلة الفلسطينية «إيمان الهمص» ذات الثلاثة عشر عاماً ـ دون مسوغ ـ مدى التزام الجيش الإسرائيلي بأخلاقيات الجندية، والمعايير الدولية في التعامل مع المدنيين الفلسطينين والأجانب، وخاصة أن عملية قتل الطفلة الفلسطينية التي وصفها أحد الجنود الصهاينة بأنها تمّت «بوحشية ولا مبالاة» تمثل حلقة من سلسلة الجرائم التي اعتاد ذلك الجيش ارتكابها بحق المدنيين في صراعه غير المتوازن مع الفلسطينيين، والتي أصبحت تمثل عملية منهجية بفضل غياب المحاسبة العسكرية، وتجاهل المعايير أو غيابها؛ حيث أكدت الإحصائيات المعلنة أنه مع نهاية العام الماضي ومطلع عام ٢٠٠٥م قتل الجنود الصهاينة خمسة أطفال فلسطينيين بالأسلوب ذاته، منهم الطفلة «رغد عدنان» ذات الأعوام العشرة التي أطلق عليها الجنود الإسرائيليون النار داخل مدرستها في سبتمبر ٢٠٠٤م، والطفلة «رانيا إياد عرام» التي لم تتجاوز الثماني سنوات والتي قتلت وهي في طريقها لمدرستها في ٢٩/١٠/٢٠٠٤م. وإلى جانب ذلك نشرت وسائل الإعلام الإسرائيلية والأجنبية صوراً لجنود يمثلون بجثث فلسطينيين وممارسة أنماط مختلفة من التعذيب والتنكيل بحق المدنيين بصفة عامة والمعتقلين الفلسطينيين بصفة خاصة.

من هنا كان من الأهمية بمكان عرض هذه الاستراتيجية الشاملة لجيش العدو بشقيها الاستراتيجية التفاوضية، والاستراتيجية العسكرية، وانعكاساتها على حقوق الإنسان الفلسطيني من خلال محاولة الإجابة عن ثلاثة تساؤلات رئيسة:

أولها: هل الدولة العبرية جادة حقاً في مسيرتها السلمية مع العرب بعد مواجهات دامية بين الحرب والسلام استمرت أكثر من نصف قرن؟

ثانيها: ماذا عن حقوق الإنسان الفلسطيني التي ينتهكها الصهاينة تحت دعاوى الدفاع الشرعي عن النفس، واستخدامها المفرط للقوة العسكرية؟

ثالثها: إذا كانت انتهاكات حقوق الإنسان الفلسطيني هي النتيجة لحق القوم في الدفاع عن النفس؛ فماذا عن حق الإنسان الفلسطيني المطلوب إيقاف انتفاضته؟

وفي مجال الإجابة عن التساؤلات المطروحة ستتركز الدراسة على ثلاثة موضوعات رئيسة:

أولها: عرض الاستراتيجية الشاملة للصهاينة بشقيها: استراتيجية التفاوض، والاستراتيجية العسكرية.

ثانيها: كيف تم تفعيل الاستراتيجية الشاملة الإسرائيلية، بدءاً بتوقيع اتفاق «أوسلو» للسلام في إطار استراتيجية التفاوض والمبادئ الصهيونية التي حكمتها ثم عرض لنقطة التحول الرئيسية في «كامب ديفيد الثانية» ، واشتعال انتفاضة الأقصى في ٢٨/٩/٢٠٠٠م، وبدء تفعيل استراتيجيتهم العسكرية.

ثالثها: ما انتهى إليه تفعيل استراتيجيتهم العسكرية في إهدار حقوق الإنسان الفلسطيني.

وعن الموضوع الأول: الاستراتيجية الشاملة للقوم، بشقيها: استراتيجية التفاوض، والاستراتيجية العسكرية؛ فقد تم صياغة استراتيجية التفاوض في إطار مبادئ وخطوط حمراء تحكم كل طوائف الشعب الصهيوني منذ عام ١٩٨٢م، وقد توافقت مواقفهم على المبادئ الآتية:

- لا عودة إلى حدود ما قبل الخامس من يونيو ١٩٦٧م.

- إن نهر الأردن يمثل حدودهم الشرقية (الأمنية والسياسية) .

- يجب أن يكون الكيان الفلسطيني منزوع السلاح، ولا يُنشِئ جيشاً، ولا تدخلة قوات أجنبية، ويكون جيشهم هو الجيش الوحيد الذي يتاح له ذلك، وأن يتولى مهام الدفاع، وأن يسيطروا على المجال الجوي الفلسطيني.

- أن يكون الكيان الفلسطيني ناقص السيادة، محدود السلطات، وبوجه خاص يُمنع عليه عقد اتفاقات عسكرية، ويظل مرتبطاً بالدولة الصهيونية (مع الاختلاف بشأن طبيعة هذه الروابط) .

- أن تبقى معظم المستوطنات المغتصبة (مع الاختلاف حول ضمها لهم، أو إبقاء بعضها تحت السلطة الفلسطينية) .

- أن تظل القدس الموحدة والموسعة عاصمة لدولتهم، وخاضعة لسيادتها المنفردة.

- أن توضع ضمانات كافية لسيطرة الصهاينة على مصادر المياه في الأراضي الفلسطينية.

- رفض مبدأ عودة (اللاجئين) الفلسطينيين إلى إسرائيل، وتنظيم عودة (النازحين) إلى الكيان الفلسطيني، حتى لا تشكل كثرتهم، وتوطينهم خطراً على أمن الدولة الصهيونية.

كما تم صياغة استراتيجية عسكرية بنيت على فك الارتباط، والتداخل بين المستوطنين اليهود والشعب الفلسطيني، وإعادة تكثيف المستوطنات والمستوطنين في المناطق ذات الأهمية الاستراتيجية، وإعداد ترتيب مخطط تدريب مشترك بين المستوطنين والقوات المسلحة للعدو بما يسمح بتحقيق أكبر قدر من النجاح في تنفيذ العمليات المسلحة في أقل وقت ممكن، وبأكبر قدر من الخسائر في الشعب الفلسطيني، وقد تزامن مع هذه الصياغة توقيع العديد من الاتفاقيات الأمنية مع الجانب الفلسطيني؛ بما يضمن عودة قيادات السلطة الفلسطينية، وكوادرها السياسية والعسكرية لتكون هدفاً سهلاً للتصفية والقتل والاغتيال في إطار الاستراتيجية العسكرية الصهيونية المخططة.

وعلى الجانب الآخر وفي مجال تقييمنا الموضوعي للاستراتيجية الفلسطينية نقول: لقد قامت السلطة الفلسطينية بالتحول عن المقاومة والكفاح المسلح، وبدأت مسيرتها للسلام ووقعت على إطار السلام المزعوم في ١٣/٩/١٩٩٣م، حيث وافق الجانب الفلسطيني على مفهوم ورؤية القوم للسلام والاعتراف بالدولة المغتصبة، ووافق على قيام كيان فلسطيني في الضفة الغربية وغزة ـ بما يمثل ٢٢% من مساحة إسرائيل متنازلاً بذلك عن حقة الذي قررته له عصبة الأمم في القرار رقم ١٨١ الصادر في عام ١٩٤٨م بإقامة دولة فلسطينية على ٤٨% من فلسطين.

هذا؛ ورغم تنازلات السلطة الفلسطينية المتعددة التي قُدمت للعدو إلا أنها وافقت على تأجيل التفاوض بشأن القضايا الجوهرية الخاصة بمدينة القدس، واللاجئين، والمستوطنات، والحدود، والتعاون مع دول الجوار، وغيرها؛ لتبدأ بعد ثلاث سنوات في مرحلة لاحقة للمفاوضات للاتفاق على ما أطلق عليه «المكانة الدائمة» . كما نص الاتفاق على استمرار المستوطنين والمستوطنات الصهيونية في قطاع غزة والضفة الغربية دون فرض أي قيود على بناء هذه المستوطنات، أو زيادة حجم مستوطنيها، أو تعديل أوضاعها، مع الموافقة على استمرار الدولة العبرية في تحقيقها للأمن الداخلي والخارجي، والنظام العام داخل المستوطنات، من خلال نشر أفراد حرس مدنيين داخلها للحفاظ على الأمن والقانون؛ مما يعني الموافقة على استمرار الحضور الأمني الداخلي إلى جانب القبول باستدعاء القوات المسلحة للتدخل في أي وقت لتوفير الحماية للمستوطنين والمستوطنات عند تعرضهم لأي تهديد، أو حدوث اضطرابات قد تتهددهم.

هذا إضافة إلى حق القوات المسلحة الصهيونية وقوات الشرطة، والمدنيين الصهاينة للاستخدام الحُرّ للطرق في الضفة الغربية وقطاع غزة؛ بما فيها المناطق والمدن والقرى التي تنتقل إدارتها للسلطة الفلسطينية، كما أكد إحكام السيطرة الأمنية على مناطق السلطة الفلسطينية، وهيأ الظروف المناسبة لقيام حكومة «باراك» ، وبعدها حكومة «شارون» بتنفيذ كل مخططاتها بالقدر الذي انتهى إليه الوضع السائد في الضفة الغربية وقطاع غزة حالياً.

ولم يقتصر الأمر عند هذا الحد لغياب الرؤية الاستراتيجية للسلطة الفلسطينية، بل وقّعت اتفاق «واي ريفر» في ٢٣/١٠/١٩٩٨م لينتزع من الجانب الفلسطيني تنازلاً جديداً؛ حيث اتفق الجانبان على اتخاذ كافة التدابير الضرورية؛ بغية منع أعمال الإرهاب والجريمة والعمليات الفدائية ضد الطرف الآخر، مع إعداد خطة أمن فلسطينية تطّلع عليها الولايات المتحدة، مع المكافحة المنهجية والفعالة للمنظمات الإرهابية وبنيتها الأساسية، واستئناف التعاون الأمني الفلسطيني معهم، وتشكيل لجنة فلسطينية ـ أمريكية لمراجعة الخطوات الفلسطينية المتخذة ضد الجماعات المتشددة، وتشمل الخطة قيام السلطة الفلسطينية باعتقال أشخاص معينين يشتبة في قيامهم بأعمال عنف والتحقيق معهم، ومحاكمتهم، وتعمل السلطة الفلسطينية على مساعدة الولايات المتحدة على تجريم حيازة الأسلحة، ومصادرة الأسلحة غير المرخصة في المناطق الخاضعة لسيطرتها، كما وافقت السلطة الفلسطينية على قيام لجنة أمريكية ـ فلسطينية ـ صهيونية رفيعة المستوى بتقديم التنسيق الأمني ومكافحة المتشددين.

وعلى ضوء ما التزمت به السلطة الفلسطينية مع الجانب الصهيوني، وما وقّعت عليه من التزامات عجزت تماماً عن تحقيقها؛ حيث كان واضحاً أن منظمة حماس وتنظيم الجهاد الإسلامي هما التنظيمان المعنيان بأعمال الإرهاب، والجريمة، والأعمال الفدائية، والتي كان مطلوباً من السلطة الفلسطينية طبقاً لما أقرته ووقّعت عليه من اتفاقيات أن تتعاون أمنياً مع الدولة العبرية في القضاء عليهما، بل كان التزامها الأشد خطورة: هو القبول بقيام لجنة أمريكية ـ فلسطينية ـ صهيونية بالتخطيط ومكافحة الأجنحة العسكرية لكل من منظمتي حماس والجهاد؛ مما استحال على السلطة الفلسطينية تنفيذ ذلك الالتزام لأنه ينهي كل المقاومة الفلسطينية، وكفاحها المسلح، وثوراتها وانتفاضتها عبر نصف قرن من الزمان مقابل عدم الحصول على أي ضمانات، أو التطرق لحل أي من القضايا الجوهرية الخاصة بالصراع الفلسطيني ـ الصهيوني، وهو الأمر الذي هيأ للدولة العبرية وحكوماتها المتعاقبة انتهاءً بحكومة شارون اعتبار السلطة الفلسطينية، ورئيسها المنتخب ياسر عرفات لا يملكون الإرادة السياسية لإبرام اتفاقيات سلام مع الصهاينة من منطلق عجزهم عن تنفيذ ما التزموا به من اتفاقيات. وعلى ضوء هذه الحقيقة التي رسختها الحكومات الصهيونية كانت خطة «خارطة الطريق» التي بدأت بإلزام السلطة الفلسطينية بتنفيذ ما التزمت به من تعهدات تحت مسمى «تدمير البنية الأساسية للإرهاب الفلسطيني» باعتباره شرطاً رئيساً مع تغيير القيادات الفلسطينية؛ لإمكان القبول الصهيوني الأمريكي ببدء مسيرة سلام جديدة.

- تساؤل هام:

وأنتقل إلى التساؤل الهام والأخير عن كيفية إهدار حقوق الإنسان الفلسطيني، والمدى الذي وصل إليه ذلك تحت سمع وبصر ومتابعة المجتمع الدولي كله؟!

- إن نقطة التحول الرئيسة كانت في حكومة (باراك) رئيس الوزراء الصهيوني الأسبق عن حزب العمل، وإدارة الرئيس الأمريكي بيل كلينتون، وعقد لقاء قمة بين الرئيس الراحل ياسر عرفات ورئيس الوزراء الصهيوني لعقد اتفاق نهائي شامل بين طرفي الصراع في ١١/٧/٢٠٠٠م في منتجع كامب ديفيد.

- ومن متابعة ما تم في هذه القمة يتضح أن «أيهود باراك» قد جاء إليها، وهو يحمل نوايا إحباطها؛ حيث طرحت هذه القمة «خطة أمريكية» كاملة لحل كل قضايا الصراع الرئيسة، وقد عمدت أجهزة الإعلام الأمريكية والصهيونية إلى المبالغة في حجم التنازلات التي قبلها الجانب الصهيوني في هذه الخطة والتي منها على سبيل المثال:

- الإعلان عن الموافقة على قيام دولة فلسطينية على مساحة ٩٥% من الضفة الغربية، وقطاع غزة، خلافاً لواقع ما طرح في الخطة الأمريكية.

- الترويج الإعلامي المكثف عن تفكيك مستوطنات خارج مناطق التركيز الاستيطاني.

- القبول بعودة عدد كبير من اللاجئين الفلسطينيين على مدى عدة أعوام.

وكان المطلوب من الجانب الفلسطيني إقرار ثلاثة تنازلات هامة:

- القبول بتسوية القضية الفلسطينية، وإنهاء الصراع الفلسطيني مع المحتلين الصهاينة.

- التنازل عن القدس الشرقية كعاصمة للدولة الفلسطينية.

- التنازل عن حق العودة للاجئين الفلسطينيين.

ومع رفض السلطة الفلسطينية لتنازلات اندلعت انتفاضة الأقصى، وظهرت حقيقة النوايا الصهيونية لتصفية القضية الفلسطينية، وإهدار حقوق الإنسان الفلسطيني؛ فقد تنوعت ممارسات قوات الاحتلال في الأراضي الفلسطينية، من مذابح جماعية إلى توسيع سياسة الاغتيالات، والقتل خارج القانون، وحصار القرى والمدن، وتجويع أهلها، وتدمير منازلهم، واتباع سياسة الأراضي المحروقة، وغيرها من الممارسات التي وصفها العديد من المنظمات الحقوقية بأنها انتهاك حقوق الإنسان التي ترقى لمستوى جرائم الحرب، وطبقاً لتقدير منظمة حقوق الإنسان الصهيونية الصادر في ٢٧/١١/٢٠٠٤م؛ فقد قام جيش العدو بتدمير أكثر من ٤١٠٠ منزل فلسطيني منذ انطلاق انتفاضة الأقصى في سبتمبر ٢٠٠٠م، منها ٦٢٨ منزلاً كان يعيش فيها ٣٩٨٣ فلسطينياً تم هدمها كإجراء عقابي لأهالي المقاومين؛ بينما قدرت (منظمة العفو الدولية) في تقريرها في ٢٠/١١/٢٠٠٤م: أن عدد القتلى من الأطفال الفلسطينيين على أيدي الجيش الإسرائيلي خلال نفس الفترة وصل لأكثر من ٥٥٠ طفلاً.

وطبقاً لبيانات مركز المعلومات الوطني الفلسطيني خلال الفترة من ٢٩/٩ وحتى ٣١/١٠/٢٠٠٠م وصل إجمالي الشهداء الفلسطينيين إلى ٣٨٠٠ شخص، إلى جانب ٨٢ آخرين لم يتم تسجيلهم، منهم ٦٩٩ من الأطفال أعمارهم أقل من ١٨ سنة، و ٢٤٩ من الإناث، في حين بلغ عدد الشهداء نتيجة الاغتيالات ٣٠٣ أشخاص، وبلغ عدد الشهداء من المرضى جراء الإعاقة على الحواجز الإسرائيلية ١٢١ شخصاً ما بين طفل وسيدة وشيخ مسن، ووصل إجمالي المرضى إلى ٤٣٥٦٩ شخصاً؛ بينما بلغ عدد الأسرى والمعتقلين في سجون الاحتلال ٧٢٠٠ رجل منهم ١٢٨ سيدة.

هذا وقد وصل عدد المنازل التي تضررت من عمليات القصف والتدمير إلى ٦٩١٢٠ منزلاً منها ٧١٤٩ منزلاً دمرت تدميراً كاملاً. كما بلغت مساحة الأرض التي تم تجريفها ٧١٩١٤ دونماً.

بينما بلغ إجمالي مساحة الأراضي التي تم مصادرتها لمصالح بناء الجدار العازل منذ مارس ٢٠٠٣م إلى نحو ٢١١٦٢٤ دونماً.

وقد تعرضت هذه الممارسات لانتقادات دولية واسعة؛ فقد انتقدت «منظمة العفو الدولية» في بيان لها في مطلع أكتوبر ٢٠٠٤م عمليات إطلاق النار المستمر من جانب قوات الاحتلال ووصفتها بالتهور؛ مؤكدة أنها تمثل انتهاكاًً لاتفاقية جنيف الرابعة، كما وصفتها «مفوضية حقوق الإنسان» التابعة للأمم المتحدة في مايو ٢٠٠٤م بأنها انتهاك لحقوق الإنسان، والقانون الإنساني الدولي.

تلك هي الصورة التي تعكس تصرفات الجيش الصهيوني والتي تكشف عن غياب واضح لأي قواعد قانونية، أو أخلاقية في التعامل مع المدنيين في الأراضي الفلسطينية المحتلة، وسط تجاهل بل تأييد الولايات المتحدة التي تعتبر تلك الممارسات الإجرامية دفاعاً عن النفس.

صراع حدود أم صراع وجود؟

وعلى ضوء هذه الحقائق فإنه يمكن القول: إن الشعب الفلسطيني تحت سيطرة قوة الاحتلال قد انتُهكت العديد من حقوقه الشرعية، ونذكر منها: حق التسلح ـ حق الدفاع عن النفس ـ حق العلاج ـ حق حرية الحركة ـ حق الاعتراض والمقاومة ـ حق الإعلام بالواقع ـ حق العمل ـ حق الملكية الفردية والجماعية ـ حق التقاضي والمطالبة بعدالة القصاص ـ حق الثأر ـ حق البقاء والمحافظة على الذات ـ حق الحرية للفرد والوطن والإرادة الوطنية. باختصار: الحق في الحياة الكريمة، في إطار من العدل والحرية والمساواة وهي أبرز حقوق الإنسان في أي مكان.

من هنا تتضح، وتتأكد الإجابة عن التساؤل الدائم: هل نحن بصدد صراع حدود أم صراع وجود؟

إنه بالقطع صراع على حق الوجود ذاته.

ومن هذا المنطلق فقد كان لزاماً أن تستكمل الدراسة والبحث بعرضٍ لما عكسته انتفاضة الأقصي المباركة على القوة المسلحة، والمستوطنات، والمجتمع والاقتصاد الصهيوني تصديقاً لقول الباري ـ سبحانه وتعالى ـ: {إن تَكُونُوا تَأْلَمُونَ فَإنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَمَا تَأْلَمُونَ وَتَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ مَا لا يَرْجُونَ} [النساء: ١٠٤] .

- أثر الانتفاضة الفلسطينية على العدو:

- عند قيام الانتفاضة الفلسطينية كانت نسبة القتلى من الصهاينة ١ إلى ٥٠ من الفلسطينيين، ومع استمرار الانتفاضة ارتفع عدد القتلى من المستوطنين من ٣ قتلى شهرياً إلى ١٧ قتيلاً، ووصل إجمالي القتلى إلى حوالي ٥٠٠ قتيل، وأكثر من ٣٥٠٠ جريح، وقد تم وصف ذلك بأن: «هذه المسافة بين الخوف والذعر، والجمهور الصهيوني يعيش بين هذا وذاك» .

- ٧٨% من الصهاينة لم يعودوا يسهرون في أماكن عامة؛ خشية الإصابة في عمليات استشهادية.

- قالت صحيفة (معاريف) في ٢/٤/٢٠٠٤م: «إن قوة الجيش تتآكل بمنهجية، بعد أن غرقت في مستنقع الانتفاضة، إلى درجة أن المطلوب هو جندي في كل دكان، وفي كل موقف سيارات، وفي كل محطة حافلات، وسبعة معهم في كل مفترق طرق» .

- أكد (أكيس فيشمان) في مقال في صحيفة (يديعوت أحرنوت) : «أن سياسة الأمن لديهم تحتضر، وأن الوضع الأمني الذي يعيشونه يعتبر إفلاساً أمنياً» .

- برز الانهيار المعنوي لقوات العدو، من خلال البيان الذي أعلنه الرافضون للخدمة العسكرية، وعددهم يتكاثر بالمئات حتى بلغوا الآلاف، وقد أعلنوا رفضهم في الخدمة في الضفة الغربية باعتبارها أرضاً محتلة، والقتال فيها غير شرعي.

- تزايد وتيرة الانتقاد للاستخدام المفرط للقوة والتي تعني «أن الوحشية في الانتقام والعنف المفرط هما دليلان واضحان على بلوغ مرحلة اليأس التي تسبق عادةً مرحلة الاستسلام، أو الموت للكائنات الحية» .

في استطلاع للرأي أجراه المجلس الصهيوني بيّن أن غالبية الشعب يفكرون أكثر من أي وقت مضى في المغادرة، وأن نسبة ٥٠% من اليهود العلمانيين فكّروا بالهجرة، كما أن نسبة عالية أخرى تشتري شققاً في الخارج تحسباً لليوم الأسود، وفي استطلاع أمريكي مماثل عبّر ١٨% عن رأيهم بأن دولتهم ستختفي من الوجود، وقال ٢٣%منهم إنها لو استمرت في البقاء فلن تكون دولة يهودية.

- ألحقت الانتفاضة خسائر باقتصادهم قدرت في يوليو ٢٠٠٢م أي خلال سنتين فقط من الانتفاضة بـ ١١ مليار دولار، أي ٥٠ مليار شيكل.

- نقص الاستثمار الخارجي في الداخل بنسبة ٩٨%، وارتفع في المقابل عدد المستثمرين اليهود في الخارج بنسبة ٩٣%.

- بلغت خسائر قطاع السياحة عام ٢٠٠١م فقط مبلغ ٢.٢ مليار دولار أمريكي.

- جاء في تقرير صندوق النقد الدولي أن العجز الحكومي في الموازنة عام ٢٠٠٣م وصل إلى ٢.٦٦ مليار شيكل.

- أعلن رئيس اتحاد المصانع الإسرائيلية عن إغلاق ٦٠ مصنعاً في عام ٢٠٠٢م، إضافة إلى إغلاق ١٥٠ مصنعاً للتقنية المتقدمة، وشهد عام ٢٠٠٣م إغلاق ٩٠ مصنعاً للأثاث، و١٥٠ مصنعاً للتقنية.

كشفت صحيفة (هآرتس) عن خطط طوارئ لمواجهة عجز الموازنة تمثل في:

- تسريح ١٠% من موظفي الدولة ـ تخفيض المرتبات بنسبة ١٠% ـ تقليص عدد الوزارات من ٢٣ إلى ١٩ فقط ـ تقليص موظفي الإدارة المحلية ٤٠%.

- تفشت في المجتمع اليهودي ظاهرة الانتحار، وارتفاع مستوى الجريمة، واتساع الخلاف بين الفئة العلمانية والدينية.

تلك بعض ملامح ما فعلته انتفاضة الأقصى المباركة في المجتمع الصهيوني، في مواجهة كل عوامل القهر، والإذلال والحصار، والتجويع الذي تمارسه قوة الاحتلال الإسرائيلي؛ فهل يمكن أن يتعايش الشعبان الفلسطيني والصهيوني بعد هذا الكم المتراكم من عوامل الكراهية والحقد، والتي ترسخت في أذهان وعقول أطفال، ونساء، وشباب، وشيوخ الشعب الفلسطيني؟

إن الحقيقة التي أكدتها الاستراتيجية الصهيونية عبر أكثر من نصف قرن من الزمان تشير إلى أنه لا سبيل للأمة العربية بوجه عام، وللشعب الفلسطيني بوجه خاص سوى الإعداد والتحضير والتخطيط الاستراتيجي للمواجهة الشاملة؛ للحد من المخططات الصهيونية الأمريكية التي لا تستهدف سلاماً بقدر ما تستهدف استسلاماً وخضوعاً للرؤية الصهيونية المنسقة استراتيجياً مع الولايات المتحدة الأمريكية، لاقتلاع الجذور العربية، وفرض الهيمنة للمحتل ليس فقط على مقدرات الشعب الفلسطيني، وطموحاته وحقه في إقامة دولته المستقلة، بل على الشعب العربي كله، التي أظهرت النوايا الحقيقية المدمرة له، من خلال الإعلان الأمريكي الصهيوني عن مبادرة (الشرق الأوسط الكبير) .


(*) المدير الأسبق لأكاديمية ناصر العليا، مستشار رئيس الأكاديمية العربية للعلوم والتكنولوجيا بمصر.