للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

[هل تمهد الجامعة العربية لشرعنة الاحتلال]

رضا عبد الودود

حملت زيارة السيد عمرو موسى الأمين العام للجامعة العربية للعراق، ثم المؤتمر الذي عقد في القاهرة للوفاق الوطني، الكثيرَ من علامات الاستفهام، وكذا الاتهامات، وكذا النتائج الإستراتيجية وإن كانت ضعيفة على المستوى القريب. وكانت الزيارة قد جاءت بناءً على طلب من وزراء الخارجية العرب في واشنطن خلال اجتماعات قمة الأمم المتحدة، ثم صيغت أهدافها وبرامجها في قمة المبادرة العربية بجدة مؤخراً، بعد الإعلان عن نتائج الاستفتاء العراقي على الدستور.

ورغم كافة الرؤى ووجهات النظر العديدة ومواقف القوى العراقية منها وتأثيرها على مؤتمر المصالحة الوطنية الذي عقد بالقاهرة تمهيداً لمؤتمر عام تصالحي بالعراق، يفترض أن يتناول مسائل وحدة العراق وسيادته على أراضيه ونجاح العملية السياسية، وإعادة بناء مؤسسات الدولة، وتسريع إنهاء الوجود الأجنبي؛ رغم ذلك كله لا بد من التأكيد على عدة حقائق قبل الولوج في تناول هذا التحرك بالتحليل:

ـ إن زيارة عمرو موسى أتت في وقت يمر فيه العراق بمرحلة دقيقة، إزاء الشكوك حول نتائج الاستفتاء على الدستور الجديد، والأمل من خلاله في إرساء الخطوط العريضة للعملية السياسية المرتقبة في العراق. كما أتت الزيارة بعد بدء المحاكمة التاريخية للرئيس المخلوع صدام حسين، وما رافقها من أصداء واسعة في الشارع العراقي. ومن ثم فهناك واقع جديد يتشكل بالعراق توافقاً مع تلك الزيارة التي قد تعيد العرب السنة للعراق مجدداً بعد عامين من التهميش.

- جاءت الزيارة بعد إعلان أطراف عربية وإقليمية عن مخاوفها من الأوضاع في العراق؛ فمثلاً حذرت دول خليجية من أن إيران الشيعية كسبت نفوذاً كبيراً في العراق مما قد يشيع الاضطراب في المنطقة. وحذرت دول أخرى من مخاطر تقسيم العراق بين السنة والأكراد والشيعة. كما انتقدت الجامعة العربية الدستور العراقي المقترح؛ لأنه لا يؤكد بشكل كافٍ على الهوية العربية للعراق. وكان عمرو موسى قد انتقد ما وصفه بأنه غياب سياسة واضحة للمصالحة بين الطوائف والأعراق المختلفة في العراق محذراً من اندلاع حرب أهلية، ووصف الحال في العراق بأنه يسير في نفق مظلم، وهي التعليقات التي أثارت حفيظة كثير من المسؤولين العراقيين.

نجاحات نسبية على طريق المصالحة المنقوصة

وبالانتقال لفعاليات الزيارة ـ التي كشفت عن عدم تحقيق نجاح ملموس لمهمة الجامعة العربية في إيجاد تفاهمات بين الأطراف المختلفة لإنجاح مؤتمر المصالحة الوطنية ـ نرى أن المهمة كانت شاقة وليست بالسهلة، فالحكومة العراقية اشترطت عدم مشاركة رجال المقاومة ـ الذين تصفهم بالإرهابيين أو أنهم مسؤولون بعثيون سابقون ـ في مؤتمر المصالحة، وأكدوا على ذلك خلال المؤتمر، معتبرة أن الجلوس مع هذه الأطراف يعد جريمة سياسية. من ناحية أخرى أعلنت هيئة علماء المسلمين ـ إحدى أبرز الهيئات السنية ـ أنها على استعداد للمشاركة في مؤتمر للحوار الوطني شرط أن يجري داخل العراق، وأن يتم الاعتراف «بالمقاومة الوطنية» ، وإدراج بند تحديد موعد زمني للانسحاب من العراق، وهو ما يتعارض مع شروط الحكومة السابقة، ورغم ذلك فإن كل التحركات التي قام بها الأمين العام للجامعة العربية عمرو موسى أكدت أن مبادرته - ووفقاً لمعظم الذين التقى بهم وحسب تصريحاته الإعلامية - تسير في الاتجاه المرسوم لها.

أما النجاح الآخر فهو تغيير وجهة نظر الحكومة العراقية تجاه المبادرة، والتي أعلنت قبل زيارة موسى العراق عن رفضها للمبادرة. لكن رئيس الوزراء إبراهيم الجعفري أكد خلال لقائه بموسى على دعم الحكومة لدور الجامعة العربية.

كما تعتبر زيارة موسى إلى إقليم كردستان العراق - وهي الأولى من نوعها - جزءاً من نجاح مهمته، حيث ألقى خلالها كلمة في برلمان الإقليم تعد الأولى لرئيس الجامعة العربية بهذا المكان. وقد وصف عمرو موسى وجوده بكردستان العراق بأنه نقطة تحول تاريخية في العلاقات بين العرب والأكراد، قائلاً: «الذي يعنينا هو العراق الجديد ونحن موقنون بأن العراق القديم انتهى» .

ولكن هذا النجاح في نظر الجامعة العربية يكون مغلوطاً بمتابعة تصريحات وخيارات الأكراد الذين لم يعجبهم تصريح موسى بأنهم جزء من العراق الذي هو جزء بالأساس من الأمة العربية، وتغليبهم خيار الانفصال عن الوحدة مع العراق.

دعم الاحتلال الأمريكي في مأزقه:

لكن ورغم الجهود التي يقوم بها موسى، يبقى الطريق العراقي الوعر مليئاً بالأشواك وخاصة بعد إعلان عدد من الفصائل المسلحة تبرُّؤها من زيارة موسى العراق، وتشكيكها بأن الزيارة إنما تأتي لمصلحة أمريكية بل وبطلب أمريكي، كما ذهب إلى ذلك البيان الذي أورده تنظيم القاعدة في بلاد الرافدين، هذا بالإضافة إلى تشكيك العديد من السياسيين بقدرة عمرو موسى على لمِّ الشمل العراقي.

ولعل النظر بعين الموازنة بين مكاسب عمرو موسى التي حققها من الزيارة، وما تمثله للجانب الأمريكي المحتل للعراق يذهب فريق من المحللين لمنحى آخر، في ظل عدم تقديم قوات الاحتلال الأمريكية موعداً محدداً للانسحاب من العراق، ومن ثم تعد تحركات عمرو موسى في ظل الاحتلال المرة الأولى في التاريخ السياسي للمنطقة العربية التي يتاح فيها للجامعة العربية أن تقوم بدور في بلد تحت الاحتلال الأميركي، أو لواشنطن كلمة في تقرير مصيره، ذلك أن السياسة الأمريكية اختارت على الأقل في العقود الثلاثة الأخيرة إقصاء الجامعة العربية من السياسة في المنطقة، إلا إذا كان لها دور تحدده واشنطن مسبقاً، وما حدث في فلسطين والسودان، دليل يؤكد ذلك الادعاء، كما يدل على ذلك التحمس الأمريكي لهذا التحرك، إلى الحد الذي دفع السفير الأمريكي في العراق إلى القيام بزيارة أكثر من عاصمة عربية قبل أسابيع لترتيب الأمر، كما دفع القيادة الأميركية إلى التعهد بتأمين رحلة عمرو موسى طول الوقت، وليس ذلك من أجل عيون الجامعة العربية أو تقديراً لها، وهي التي رأت فيها طرفاً مناوئاً يجسد أحد أشكال الوحدة العربية وأحد أحلام الانتماء القومي العربي، وهو الأمر الذي يقف حائلاً دون انخراط الكيان الصهيوني في خريطة المنطقة، التي تفضل لها واشنطن وصفَ الشرق الأوسط الذي يحتضن إسرائيل وليس العالم العربي الذي يلفظها. لا تفسير لذلك الحماس الأميركي سوى أنه دال على عمق المأزق الذي تواجهه واشنطن في العراق، والذي أدَّى إلى تدهور شعبية الرئيس بوش، حتى أن مؤيدي البقاء في العراق أصبحوا لا يتجاوزون (٣٠%) ، وهو ما أدَّى إلى تزايد الحملة الشعبية الداعية إلى الانسحاب من هناك، وهي الحملة التي وصل صداها إلى صفوف ممثلي الحزب الجمهوري في الكونجرس. ولأجل الخروج من الورطة، فإن أمريكا أصبحت مستعدة لأن تفعل أي شيء يستر موقفها أو يخفف من وطأة الظروف الضاغطة عليها في العراق، وهي التي استقوت من البداية وأعلنت على لسان وزير دفاعها رونالد رامسفيلد أنها ماضية وحدها إلى الحرب في العراق، وليست بحاجة إلى مساعدة أو عون من أحد، ثم تراجعت خطوة وأقامت «التحالف» الذي قادته وتولى إسقاط النظام، وتراجعت خطوة أخرى حين رحبت بمشاركة دول إسلامية في الحفاظ على الاستقرار في البلاد، لكن الفكرة لم تنجح، وآخر ما لجأت إليه بعدما ازداد المأزق وتعمقت الورطة هو دعوة الجامعة العربية للمساهمة في تهدئة الوضع، بعدما تخلت الجامعة عن أحد ثوابتها، وقبلت الاعتراف بنظام أقامته سلطة الاحتلال.

وفي هذا الإطار يبقى التساؤل حقاً للقارئ وهو: هل تستطيع الجامعة العربية الآن أن تطلب رحيل القوات الأميركية قبل أن تقوم بدور في العراق، يمكن أن يترجم إلى إرسال قوة سلام عربية تتولى تأمين البلاد؟ الأمر شبه مستحيل، حيث يبدو أن تحركات الجامعة العربية ينظر إليها على المدى الإستراتيجي البعيد بأنها خطوة عربية في ظل الاحتلال تسعى لتأمينه عبر التوصل لتهدئة مصالحة وطنية، حيث يبدو لنا من خلال قراءة جدول الجامعة العربية وفعالياتها أنها متوافقة تماماً مع ما تذهب إليه مراكز البحوث الإستراتيجية الأمريكية حول الدور العربي في العراق والمتمثل بالاضطلاع بعدد من المهام هي: وجود دائم للأمة العربية في بغداد، من خلال التمثيل الدبلوماسي لمختلف الدول الذي اقترح له أن يتم في المنطقة الخضراء تحت الحماية الأمريكية، مع الأخذ في الاعتبار أن ذلك الوجود على الأرض سيوفر فرصة للحوار المستمر مع العراقيين حول مختلف الشؤون، مثل: حل مشكلة ديون العراق المستحقة للدول المجاورة، بما يساعد على توفير الموارد لإعمار البلاد، وتوفير المساعدات اللازمة لإعانة العراق على النهوض بصناعة النفط، وإقناع أهل السنّة بإمكانية النهوض بالمحافظات التي يعيشون فيها إذا توقفت عمليات المقاومة، وإزالة أسباب التوتر والحساسية بين السنّة والشيعة، وإقناع السوريين والإيرانيين بضرورة مساهمتهم في استقرار العراق وإبعاد شبح الحرب الأهلية عنه، وتنبيه الجميع إلى أن انخراط أعداد كبيرة من الشباب في عمليات المقاومة يمكن أن يشكل تهديداً ليس للعراق فحسب، لكن لدول المنطقة كلها، والعمل مع الحكومة العراقية لإقناع إيران بخطورة العواقب الوخيمة التي تترتب على تقسيم العراق أو دفعه إلى مربع التطرف، والتعامل مع الملف الكردي ومع تركيا بقدر من التفهم الذي ينطلق من احترام الخصوصية، حتى لا تتفاقم المشكلة وتتحول المسألة الكردية إلى سبب إضافي للتوتر في المنطقة، وتشجيع الدول العربية على احتذاء النموذج الأردني والخليجي في تقديم العون للعراقيين في مجالات تدريب الشرطة وتوفير الاحتياجات اللازمة لهم لإنجاح مهماتهم على هذا الصعيد، ومن شأن ذلك التشجيع أن يساعد على انخراط السنّة والأكراد في جهود الأمن بالبلاد، وبمعنى أكثر وضوحاً: توفير الأجواء المناسبة لاستمرار الاحتلال وتحويله إلى احتلال ناعم هادئ لا يعكر صفوه أحد. ولعل عدم تعرُّض عمرو موسى لملف الاحتلال وممارساته البشعة بحق الشعب العراقي وعدم وضوح مطالب محددة بتحديد مواعيد يتفق عليها للانسحاب من العراق، يكرِّس الأزمة السياسية بالعراق وإن بقيت النتائج المحققة مجرد إشادة بالتجاوب الإعلامي من الفصائل العراقية مع مبادرته بغض النظر عما يجري في الواقع من منافسات ومواجهات للمحافظة على المنجزات التي تحققت على أرض الواقع للفصائل العراقية المختلفة.

أي مستقبل ينتظر العراق؟

ولعل النقطة الأبرز بل الأخطر في تحركات عمرو موسى وتصريحاته تبنِّيه لمشروع الفيدرالية، ونصوص الدستور العراقي، عندما قال إنه يقبل بعراق فيدرالي أو موحد وفق الدستور الجديد. وهذه الإشارة تعكس تحولاً واضحاً في موقف الأمين العام والجامعة العربية بالمقارنة مع مواقف سابقة للجولة، كانت تدين التقسيم بوضوح وتؤكد على حتمية النص على عروبة العراق. ورغم أنه من السابق لأوانه إصدار أحكام مسبقة على جهود ما زالت في بواكيرها، إلا أنه من الجائز القول إن فرص نجاح تحركات الجامعة العربية ستكون محدودة للغاية، وقد تُوجِد من المشاكل أكثر مما ستُوجِد من الحلول للخروج من الأزمة الحالية ... فالمصالحة ـ أي مصالحة ـ حتى تنجح لا بد من توافر أسباب النجاح، وأن تستند على ثوابت أساسية يمكن أن تشكل أرضية للتوافق، وأساساً متيناً للبناء المستقبلي من حيث التمهيد لخطوات لاحقة.

ومن ثم فإن المصالحة لا يمكن أن تتم في ظل الاحتلال، وبين طرفين أحدهما يقاوم بشراسة ويواجه حرب إبادة وتطهير عرقي بسبب هذه المقاومة، وطرف آخر يستظل بهذا الاحتلال ويستقوي به ويطالب باستمراره، لذا فإن جهود الجامعة العربية ربما تكون بداية حوار، ولكنه حوار من المشكوك فيه أن يؤدي إلى مصالحة، بل ربما إلى المزيد من الخلافات، وكأن العراق وقواه السياسية بحاجة إلى خلافات جديدة.

لذلك وفي إطار تقييم جهود الجامعة والتدخل العربي في العراق نرى وجوب أن يكون هذا التحرك في اتجاه إنهاء الاحتلال، وإلغاء سياسات الإقصاء، والنزعات الثأرية والانتقامية. إلا أن الأمر في مجمله